محمد نادر العمري
بينما كانت تنصب جهود الجيش السوري لكسر حصار إدارة المركبات في محيط حرستا شمال شرق دمشق، كان يوسع سيطرته في المقلب الشمالي من الخارطة السورية ويعززها في بلدات ريف إدلب الجنوبي الشرقي.

هذا التقدم يأتي بالتزامن مع تعمق الشرخ الحاصل بين المجموعات المسلحة وتبادل الاتهامات التي باتت سائدة فيما بينها للتنصل من المسؤولية، تمثلت على مستوين: الأول بين «تحرير الشام» التي اتهمت بإخلاء الجبهات، والفصائل المشاركة في أستانة والمتهمة بتنفيذ اتفاق مناطق خفض التوتر، بينما يمثل التصعيد الناري الحاصل بين «محمد علوش» متزعم وفد الفصائل المسلحة إلى أستانة و«أبو محمد الجولاني» القيادي والشرعي الأبرز لتنظيم القاعدة في سورية قمة هذا الصراع، ليعبر في منطقة معينة و«خلف الظل» حقيقة صراع إيديولوجي ما بين القوى الإقليمية المتمثلة بتياري الإخوان والوهابية.

هذا المناخ المتوتر الذي استثمرته الولايات المتحدة الأمريكية لدعوة أبرز قادة المجموعات المسلحة لواشنطن منذ أيام واستقبالهم في وزارة الدفاع ومن ثم في البيت الأبيض، كمحاولة منها ﻹعادة هيكلتهم وزجهم ضمن قوى فاعلة تحت مظلتها بهدف توسيع دائرة اشتباكها مع إيران وروسيا من جانب، وعرقلة نجاح سوتشي من جانب أخر، ولتأديب تركيا التي خرجت من العباءة الأمريكية بذهابها نحو علاقات دافئة والتوصل لاتفاقات خفض التوتر مع خصوم واشنطن (موسكو وإيران) بل وشراء منظومة «S400» في خطوة تهدد تماسك الناتو كحلف غربي هدفه احتواء أعداء الهيمنة الأمريكية ورأسماليتها المعولمة، فضلاً عن التمهيد الأمريكي الذي يجريه خبراؤها العسكريون وساستها في نقل الزخم العسكري عبر إحياء مايسمى «جيش سوريا الجديد» الذي أخرجته للنور في المرة الأولى عام 2015 من عتمة أدراجها المظلمة.

هذه التطورات جاءت نتيجة التقدم السوري الذي حقق قفزات نوعية ورشيقة عبر تشكيل سهم عريض يساهم في الوصول «لمطار أبو الظهور» كمرحلة أولى ومتقدمة تمكنه من إيجاد قاعدة عسكرية متقدمة يكون الغرض منها تجميع القوى واتخاذها نقطة انطلاق جوية وبرية، الأمر الذي يمكن القوات السورية وحلفاءها من التقدم على مرحلتين وفق السيناريو التالي:
أولاً: شمالاً باتجاه بلدة الحاضر في ريف حلب الجنوبي أو شرقاً باتجاه خناصر، مع ترجيح كفة التوجه نحو المسار الأول الذي من شأنه الوصول إلى قريتي كفريا والفوعا، بعد أن يشق تواجد النصرة الإرهابية إلى قسمين على طرفي الطريق ويستقطب المجموعات المسلحة الصغيرة منها والمتشرذمة.

ثانياً: إطلاق المرحلة الثالثة والأخيرة من المعركة نحو العمق الإدلبي عبر محاور متعددة، تتطلب البدء مع نهاية المرحلة الثانية من العمل العسكري، تحرير جسر الشغور وأريحا ومعرة النعمان التي تشهد منذ أيام انتفاضة شعبية ضد النصرة وباقي المجموعات المسلحة.

جبهة إدلب أو بالأحرى الريف الإدلبي تشهد انهيارات كبرى من المتوقع أن تستمر وتتزايد في صفوف مجموعاتها المسلحة والإرهابية نتيجة مروحة من الأسباب تكمن أهمها:
1 ـ إدلب التي تعتبر أكبر معقل للتنظيمات المسلحة، تحتوي على مجموعات خرجت سابقاً من الريف الدمشقي وحمص على أثر المصالحات وبالتالي معنوياتهم هي في الحضيض ووضعهم المعيشي سيء للغاية ويحملون في داخلهم الحقد على باقي التنظيمات وبخاصة النصرة التي اتهمتهم بالخيانة نتيجة تسليم مناطقهم وفضلت عليهم المقاتلين الأجانب.

2 ـ اختلاف الإيديولوجيات والمرجعيات لهذه التنظيمات التي تتصارع ضمن دائرة الصراعات الكبرى في النفوذ الإقليمي.

3 ـ الثقل العسكري السوري الروسي الذي تم التحضير له بعد تأكيد الرئيس الأسد أثناء لقائه بوتين في حميميم أن المرحلة الثانية من معركة الإرهاب قد بدأت، وإعلان كل من وزيري الدفاع والخارجية الروسية أن عام 2018 سيكون عام القضاء على النصرة، الأمر الذي يؤكد على وجود إرادة سياسية وعسكرية لإنهاء النصرة وقبل إعادة هيكلتها أو انتقال مظلة دعمها سياسياً من تركيا إلى واشنطن مجدداً.

4 ـ من متطلبات إنجاح سوتشي وتأمين المقومات له، تحقيق إنجاز عسكري يصرف على طاولة المباحثات السياسية.

5 ـ تضيق الخيارات وإسقاط الطريق أمام الجانب التركي أحد المعطلين لمؤتمر سوتشي، بعد محاولته الاستمرار في الابتزاز السياسي والحفاظ على النصرة بإدلب لتبرير تدخله والحفاظ على تواجد قواته.

6 ـ تطوير الأداء العسكري لقوات دمشق وحلفائها عبر اتباع نموذجين الأول تكرار أسلوب معركة الفجر الكبرى ولكن بشكل مصغر يتضمن هضم المناطق والسيطرة على الحدود والمعابر الرئيسية وتقطيع طرق التواصل، أما النموذج الثاني فهو تشكيل مجموعات صغيرة على شكل رؤوس حربة امتلكت مهارة قتال العصابات وتقدمها بشكل طولي يمتد من التمانعة في ريف إدلب الجنوبي حتى الشاكوسة بريف حماة شرقاً بطول 50 كم بشكل متواز أدى لتحرير 86 قرية ومنطقة منذ نهاية تشرين الأول الماضي.

لم يكن أكثر المتفائلين تجاه الأزمة السورية يتوقع حصول حسم عسكري لمدينة إدلب حسب تعبير مشترك لبعض المعارضين والمؤيدين على السواء في هذا التوقيت، أقصى ماكنت تشير له المعطيات كان يتضمن تسوية سياسية برعاية إيرانية تركية روسية، ولكن يبقى السؤال الدائر لماذا هذه الانجازات التي تتم في هدوء؟ هل من صفقات متوقعة في «الظل» تحفظ ماء الوجه للنظام التركي؟ أم أن الخشية من قلب الطاولة مجدداً هو الذي دفع دمشق وحلفاءها للتقدم في الظل تمهيداً للضربة الحاسمة؟

معطيات الميدان وتطورها هو معيار نجاح سوتشي أو غيره من الاستحقاقات وأي رهان غير ذلك هو رهان خاسر ولا أعتقد أن محور دمشق طهران موسكو بصدد ذلك، في ظل تصعيد تبحث عنه الإدارة الأمريكية بتوسيع ساحات اشتباكها نحو الأراضي الإيرانية ولا نستبعد أن نشهد محاولات شبيهة في القطب الروسي بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية المنتظرة.


مقالة ذات صلة:

الجيش السوري يسيطر على قرى الشيخ بركة وأم مويلا واللويبدة والناصرية في الريف الجنوبي الشرقي لإدلب

Mountain View