إيجارات المنازل في سورية أسعار فلكية .. والمواطن هو الضحية

هاشتاغ سوريا_ رولا السعدي

باتت أزمة السكن تؤرق راحة المواطن وتحمّله أعباء إضافية، وسط ارتفاع غير مسبوق لإيجار الشقق السكنية إن وجدت، وبات المواطن مضطرا إلى البحث عن مأوى ودفع «فاتورة الأمان» في وطنه.

الارقام الفلكية التي طالت أسعار الإيجارات في سوريا، ترتبط بالتغيرات التي فرضت نفسها على سوق العقارات، بدءا من مسألة العرض والطلب وحالات النزوح إلى مناطق آمنة، وانتقالاً إلى الجانب الاقتصادي وعدم استقرار سعر صرف الليرة أمام الدولار، وضعف القدرة الشرائية للمواطن، إضافة إلى عدم وجود مؤسسات إقراض حقيقية تساعده على امتلاك منزل، و غياب الدور الحقيقي للقطاع الخاص في المساهمة في حل الأزمة العقارية في ظل بيئة قوانين استثمارية.

دمشق الأغلى

ولتسليط الضوء على هذه الأزمة كان لنا جولات في دمشق وريفها، في ضاحية قدسيا مثلا تراوحت أسعار الإيجار بين ال100و200 ألف ليرة سورية و ما فوق، وسط تحكم صاحب العقار بالسوق وفرض شروط معينة على المستأجر.

تقول سارة: «من لا يملك سكناً في وطنه لا وطن له، أجبرتني ظروف الحرب أن أترك بيتي وأبحث عن منزل في منطقة آمنة، وبعد رحلة شاقة من البحث وجدت منزلاً في ضاحية قدسيا ايجاره 100 ألف بالشهر، بشرط أن أدفع سنة كاملة، أما إذا كنت لا أستطيع أن ادفع لسنة، بإمكاني الدفع ل 6 أشهر على أن يصبح الإيجار 125 ألف ليرة – تلك هي قوانين صاحب المنزل»

أما إيجار الشقق في أرياف دمشق مثل جديدة عرطوز – صحنايا – تبدأ من 60 ألف ليرة سورية وما فوق.

مفرزات الحرب .. شقق “على العضم” للسكن

ولم ينته الأمر هنا .. بل هناك من اضطر للسكن في شقق “ع العضم” لتتناسب مع دخله المحدود.. تقول أم محمد: «اضطررت للنزوح مع عائلتي إلى منطقة عرطوز، حيث استأجرت منزلاً على العضم لا يمتلك أدنى مقومات المعيشة، مقابل مبلغ يتناسب إلى حد ما مع دخلي.»

 «الأحياء الراقية»

فوضى سوق العقارات وصل إلى«الأحياء الراقية» كالمالكي، أبو رمانة ، والمزة، حيث بلغت إيجارات المنازل في تلك الأحياء إلى مستويات جنونية تبدأ ب 200 ألف ليرة وما فوق.

ارتفاع الايجارات يطال حلب

ولم تسلم مدينة حلب من أزمة السكن، التي تلاحق السوريين أينما حلوا، ارتفاع بنسبة 20% إلى 35% تقريباً، على الإيجارات الشهرية للمنازل في المدينة.

يقول مراسلنا: يتراوح أسعار المنازل في حي الفيض بين 40 إلى 50 ألف ليرة سورية ، ويرتفع في حي الجميلية ليصل إلى 60 ألف ليرة.

أما إيجار المنازل في حي الأعظمية بين ال35 إلى 45 ألف ليرة شهريا.

هنا لابد من الإشارة أنه كلما ابتعد المواطن عن وسط المدينة تنخفض الأسعار، لكن بالمقابل تزداد المشاكل؛ عدم وجود تيار كهربائي نهائيا في تلك الأحياء، و اقتصار التغذية الكهربائية على المولدات، وقلة المياه ووسائل التنقل.

اللاذقية وطرطوس… أسعار سياحية

تواصل أسعار الإيجارات في اللاذقية وطرطوس ارتفاعها لازدياد الطلب على الشقق السكنية من قبل الوافدين إليها، والحجة الأكبر أنها مناطق سياحية والإقبال عليها كبير.

حيث بلغ إيجار الشقق السكنية في اللاذقية وطرطوس 60 ألف ليرة سورية وما فوق وتكون مدة العقد 6 أشهر كأقل تقدير، ثم يقوم صاحب العقار برفع الإيجار غالباً، ويختلف الإيجار حسب المنطقة والشارع، فيما تنخفض أسعار الإيجار قليلاً في الضواحي القريبة من المدينة.

خسرنا مليونين و800 حصة سكنية

وفي هذا السياق يقول الباحث في الاقتصاد العقاري الدكتور عمار يوسف لهاشتاغ سيريا: «الحكومات المتتالية لم تهتم لمسألة السكن، وسوريا اليوم بحاجة إلى 5 ملايين منتج عقاري، 2800000 حصة سكنية خرجت عن الخدمة العقارية منذ بداية الحرب ، منها ما هو مدمر بشكل كامل ومنها بشكل جزئي.»

يضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في ثقافة الإيجار التي أفرزتها الأزمة وتقسيم المناطق السكنية إلى مناطق آمنة وغير آمنة،  وهذا ما فرضته تحولات الوضع الميداني، وحالات النزوح الكبيرة التي شهدتها البلد، كل هذا أدى إلى اختلال في سوق العرض والطلب، وأصبح هناك طلب بشكل كبير على المساكن المعدة للإيجار، وانخفض العرض، ما أدى إلى ارتفاع سعرها»

وأوضح الباحث أن أحد الأسباب التي أدت إلى تفاقم أزمة السكن هي ضعف القدرة الشرائية لليرة السورية، بالمقابل رفع الأسعار من قبل صاحب العقار، خصوصاً وأن عقد الإيجار شريعة المتعاقدين، وهذا بطبيعة الحال أدى إلى ظهور تجار الأزمة الذين استغلوا الوضع الراهن، وحاجة الناس.»

وكما تقول الحكمة الألمانية «إذا سالت الدماء ضع نقودك في العقارات»

ختم الباحث العقاري حديثه قائلا: “أصبحت العقارات ملاذاً آمنا للحفاظ على قيمة المدخرات الفردية لدى الكثير من التجار وظهر ما يسمى «سوق طفيلي» الذي زاد من حجم الأزمة”.

العقار يمرض لكن لا يموت.. لذلك لابد من وجود إجراءات إسعافية من قبل الحكومة السورية، تساهم في خفض سعر العقار وإعادة دوران العجلة الاقتصادية.

في هذ السياق اقترح المهندس والباحث العقاري ماهر مرهج مجموعة من الإجراءات الإسعافية، وذلك بتطبيق قانون القيمة المضافة على العقارات بشكل واقعي ينسجم مع أسعارها الحقيقة بحيث يدفع المواطن، الذي يملك أكثر من عقار سكني وخصوصاً في منطقة واحدة، ضريبة تجارية حقيقية تزداد سنوياً، وإنشاء مؤسسات متخصصة لتقييم أسعار العقار على اختلاف أنواعه، تمنح شهادات تقييم سنوية لا يجوز إتمام البيع والشراء من دونها، هذا التقييم الذي يوزع دورياً على مكاتب أو شركات الوساطة العقارية التي يجب أن تكون مرخصة أصولاً.

نقابة للعقارين والشركات العقارية

كما طالب مرهج بإنشاء نقابة للوسطاء العقاريين والشركات العقارية تحافظ على حقوقهم وتطالبهم بدفع الضرائب عن عمليات البيع والشراء والوساطة.

وتفعيل دور شركات الرهن والتقييم العقاري، من خلال تأسيس شركة رهن عقاري تمتلكها الحكومة السورية وتكون بوصلة لشركات القطاع الخاص، لتكون حلقة بين المؤسسات المُقرضة وبين العميل الراغب في تمليك العقار أو استئجاره، وتفعيل دور قطاع التعاون السكني من خلال تسهيل حصوله على القروض، وتوزيع الأراضي المعدّة للبناء على الجمعيات السكنية لتساهم في الدور المنوط بها، للمساهمة في الخطط الخمسية للإسكان.

تفعيل دور القطاع الخاص وفتح مجالات استثمار جديدة

وأشار الباحث إلى ضرورة تفعيل دور القطاع الخاص المنظم في عملية التطوير العقاري وخصوصاً (الرساميل المتوسطة والصغيرة)، من خلال قوانين تطوير عقاري لصغار المستثمرين، وليس فقط لكبار المستثمرين، وإعطاء ميزات للاستثمار العقاري في مجال السكن (الاجتماعي) أو الرخيص، وفتح مجالات استثمار جديدة أمام المواطنين والمدّخرين كتفعيل دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة وإعطائها ميزات حقيقية، تدفع المدخرين لاستثمار أموالهم فيها بدل من دفنها في العقار ورفع ثمنه، والتوسع في المخططات التنظيمية للقرى والبلدات، وزيادة مساحة الأراضي المعدة للبناء والتوسع الشاقولي من خلال زيادة عدد الطوابق وخصوصاً في مراكز المدن والبلدات وإلزام أصحاب الأبنية بإكسائها من خلال عدم منح رخص البناء إلا مع الكسوة، وليس فقط على الهيكل كما هو الحال الآن.

مخططات فورية للسكن العشوائي

كما أكد مرهج على ضرورة وجود مخططات فورية لمناطق السكن العشوائي والمناطق المهدمة، بسبب الأزمة وإشراك أصحاب المساكن في استثمارها والقطاع الخاص، كما حدث في مرسومي إنشاء منطقتين منظمتين في محافظة دمشق، وتعميم التجربة على مناطق السكن العشوائي في دمشق وريفها والمحافظات، وإعفاء مواد البناء من الرسوم الجمركية لتأمين حاجة السوق منها وخصوصاً بعد ارتفاع أسعار الدولار والتعويض عن ذلك بضريبة القيمة المضافة المفروضة على الإتجار بالعقار وخصوصاً السكني.

واقترح الباحث تقديم إعفاءات الملكيات الصغيرة أو السكن البديل، من رسوم الترخيص الإداري ورسوم نقابة المهندسين وإبقاء الرسوم فقط على الملكيات والمقاسم والأسهم التجارية للمناطق التي تخضع للقانون رقم 10لعام 2018.

وإلزام جميع المحافظات بتطبيق القانون رقم/10/ لعام 2018 على مناطق السكن العشوائي فيها، أو المناطق التي تزيد نسبة الهدم فيها عن 35% جراء الأعمال الإرهابية.

قانونياً أكدت المحامية ولاء علي لهاشتاغ سيريا أنه: “لا يوجد قانون في سوريا يحدد مستوى الإيجارات إنما هذه الإيجارات تخضع لإرادة المتعاقدين حيث أن العقد شريعة المتعاقدين”.

حيث جاء في المادة الأولى من القانون رقم20 لعام 2015

يخضع لإرادة المتعاقدين تأجير العقارات المعدة للسكن أو الاصطياف أو السياحة أو الاستجمام والعقارات المعدة لممارسة أعمال تجارية أو صناعية أو حرفية أو مهنة حرة أو علمية، المنظمة قانونا أو المؤجرة للجهات العامة أو الوحدات الإدارية أو مؤسسات القطاع العام أو المشترك أو المؤسسات التعليمية أو المدارس أو الأحزاب السياسية أو المنظمات الشعبية أو النقابات على مختلف مستوياتها أو الجمعيات.

من المفروض أن يكون هناك دراسة وتحديد للحد الأعلى للإيجارات في كل منطقة بعد أن يتم تقييم قيمة العقارات من جديد.

التلاعب بالعقود من أصحاب العقارات

إلا أن التلاعب في هذا الموضوع كبير، لأن أصحاب العقارات لا يضعون الأرقام الحقيقية في عقود الإيجار وذلك لتخفيف الضرائب، وطبعا المستأجر، نظرا لقلة البيوت المعروضة للإيجار، لن يعترض على شيء.

تبقى أزمة السكن مرهونة لظروف الحرب، وسط وجود تاجر لا يرحم، ومواطن يدفع الثمن وحده.


مقالة ذات صلة:

إيجارات المنازل في سورية تحلق بأسعارها دون رقيب


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

Mountain View