اقتصاديون يرفضون الفريق الاقتصادي الحكومي

بعد عام ونيف على تشكيل الحكومة الحالية، وعدة أشهر على تغيير أحد وزراء الفريق الاقتصادي الحكومي، يحق لنا أن نسأل: هل السياسات التي يتبعها الفريق الاقتصادي الحكومي مجدية وتلبي احتياجات البلاد في هذه المرحلة؟ وماذا عن مستوى تجانس هذا الفريق وتكامله؟.

أسئلة من شأن الإجابة عليها الإضاءة على نقاط عدة، وربما تكون مفيدة للحكومة وللوزراء الاقتصاديين لتعديل بعض السياسات، والتركيز على أخرى، وتوضيح ماهية ما يطبق وتحليل ما يحدث.

حاولنا الحصول على إجابة للأسئلة السابقة من بعض الاقتصاديين والأكاديميين، وكانت المفاجأة أن الكثير من هؤلاء رفضوا الخوض في الموضوع والتحدث عنه ولأسباب عديدة.

للجميع ظروفهم

بعضهم اعتبر طرح هذه الأسئلة يأتي في توقيت غير صحيح، في حين حرص بعضهم الآخر على عدم إثارة حساسية بعض أصحاب القرار، وبعضهم الثالث كان متحدثاً من الطراز الرفيع، لكن حديثه، الذي قيّم فيه أداء وزراء الحكومة الاقتصاديين وسبل تطوير عملهم وتحسين العمل الاقتصادي، ليس للنشر كما طلب.

الفريق الرابع قبل الحديث، وتحدث عن قناعاته التي هي موضع احترام أياً كانت، فالدكتور أحمد صالح نائب عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق فضّل في بداية حديثه التذكير أن عمل الفريق الاقتصادي يتم ضمن ظروف اقتصاد الحرب.

مشيراً إلى أن الأسئلة التي يمكن أن تطرح هي: هل كانت القرارات الاقتصادية على مستوى تحديات اقتصاد الحرب؟ وهل التزم هذا الفريق بالبيان الحكومي؟ ومن جهة أخرى هناك متطلبات كثيرة، إنما بالمقابل الإمكانات محدودة ولا تفي بتلك المتطلبات.

وأضاف صالح: في الحروب يصبح المطلوب من الحكومات تأمين المستلزمات الأساسية لمقومات الحياة، إضافة إلى متطلبات الأمن وكل ما عدا ذلك ليس مفروضاً على الحكومة وكل ما تتخذه من استراتيجيات وإجراءات تكون بضوء الواقع والإمكانات.

فعلى سبيل المثال سياسة سعر الصرف لم تؤت أكلها ولم تنعكس على الأسعار ومسألة الاستيراد وبنية الإنتاج، علماً أن استقرار سعر الصرف لابد أن يكون دافعاً بعملية الإنتاج، لكن هناك ظروفا خارجة عن إرادة هذا الفريق والحكومة وهناك تكلفة بحاجة إلى إيرادات غير متاحة.

وبالتالي-كما يقول صالح- فإن محاكمة وتقييم عمل الفريق الاقتصادي لابد أن يكون منطقياً وضمن الظروف والإمكانات المتاحة والمؤشرات الموجودة لحظة اتخاذ القرار الاقتصادي، ففي كثير من الأحيان يضطر الطبيب إلى بتر عضو من جسم الإنسان للحفاظ على استمرارية حياته وهو أفضل الممكن والحكومة كذلك تتخذ بعض القرارات التي تضمن مقومات صمود الاقتصاد.

ليس هناك فريق!

بدوره الدكتور شفيق عربش أستاذ الإحصاء بجامعة دمشق لا يرى أن هناك فريقاً اقتصادياً بمعنى الفريق، مبيناً أنه إذا أردنا الحديث عن وجود فريق اقتصادي نكون قد ظلمنا هذا المفهوم بشكل كبير، وهذا ليس مقتصراً على الحكومة الحالية، فنحن نعاني من هذا حتى قبل الأزمة، إذ لم نلحظ في يوم من الأيام أننا نعمل على المستوى الحكومي بعقلية الفريق، وإنما كان التعاطي بفردية وهذا ينسحب على عمل كل الوزارات.

ويتابع عربش: معظم قرارات الحكومات التي تعاقبت علينا أثناء الهجمة الإرهابية على سورية هي قرارات ارتجالية نابعة من ردة فعل وكانت للإحاطة بحالة قائمة، أي أننا لم نشهد قرارات ترسم ملامح المرحلة الحالية أو القادمة.

فعلى سبيل المثال قرار السماح للصناعيين باستيراد الفيول وموضوع رفع أسعار المشتقات وما سمعناه عن حالة التصدير وحركة التجارة الخارجية بعد معرض دمشق وعدد المعامل التي أقلعت والاقتصاد الذي بدأ بالتعافي وموضوع المصارف والديون المتعثرة ما يحدث أننا نتحدث عن إنجازات مزعومة في عالم افتراضي لبعض أعضاء الفريق الاقتصادي نتيجة عدم الوضوح في الآليات.

عربش يرى أن المشكلة الأساسية أن الفساد ينتشر ونحن أمام فئتين: فئة تتجنبه وأخرى تسايره ولا أحد يكافحه.

والمسألة ليست فقط بالفريق الاقتصادي، وإنما بجميع القطاعات والكارثة الكبرى في قطاع التعليم ومخرجاته في ظل الأزمة.

قرارات استثنائية

يعترف الدكتور مدين علي أستاذ الاقتصاد بجامعة دمشق أن الظرف الذي نمر فيه في الوقت الراهن هو ظرف استثنائي، وبالتالي يحتاج لقرارات استثنائية وهذه القرارات يجب أن تكون قائمة على أسس متوازنة ومحكومة بغايات واعتبارات محددة وأهداف واضحة بدقة في ظل الأزمة وبخاصة أن المشكلات التي تفاقمت في ظل الحرب مشكلات ذات طابع مركب بمعنى أنه يندرج فيها البعد السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني وبالتالي القرارات الاقتصادية يحب أن تكون قرارات محكومة بكل استحقاقات هذه المستويات ولاسيما أن قرارات اقتصادية تحتاج إلى مراجعة وهناك قرارات اقتصادية يمكن البناء عليها لكنها لم تأخذ طريقها إلى حيز التنفيذ.

علي يقول: القرار الاقتصادي عادة يكون ذا بعد مزدوج يتعلق بالأجل القصير والأجل الاستراتيجي، لكن إدارة أزمة في الوقت الراهن لا يعني أن يكون متحرراً من البعد الاستراتيجي لأن تراكم السلبيات المترتبة على القرارات الاقتصادية في الأجل القصير ستولد لدينا مشكلة كبيرة في الأجل الاستراتيجي، وبالتالي نصبح أمام استحقاقات صعبة لا يمكن التعامل معها بأساليب تقليدية.

المشكلة -حسب علي- أن الفريق الاقتصادي ظل يتعامل لحل أي مسألة بمفهوم إدارة الأزمة أي ترحيلها للمستقبل بدلاً من حلها، صحيح أن هناك قضايا يمكن التعامل معها بمنطق المياومة، لكن ذلك سيفرض علينا إجراء مؤقتاً يؤسس لبنية طويلة الأجل.

ويعتقد أن المشكلة التي تتعلق بالقرار الاقتصادي يجب أن تكون أمام بحث وتعمق واستراتيجية طويلة الأمد لنأخذ مثال سعر الصرف نحن نقول ثبتنا سعر الصرف..

فهل هذه الاستراتيجية تخدم هدفنا على المدى الطويل لو فتح باب الاستيراد بعد فترة من الزمن؟ وهل السعر الحالي توازني وحقيقي وقائم على معطيات؟.

ويتابع علي: صحيح أن القرار الاقتصادي يبنى على الواقع ومعطيات الواقع، إنما هذا لا يعفي الفريق الاقتصادي من مهمة الاستشراف كصانع قرار اقتصادي يجب أن يتدخل للتحكم بمجرى المتغيرات المعطيات المتوافرة لديه وأوجهها باتجاه الهدف المرسوم، وما يحدث أن أغلب المشكلات الاقتصادية لا تنتهي وإنما تتجدد بصيغ مختلفة.

 

“صحيفة الأيام ”


مقالة ذات صلة :

نصيب معبر بمليار دولار .. وأكثر .. وزير الاقتصاد : استعادة شريان النقل البري

الحكومة تقرر افتتاح مقبرة للشركات الخاسرة

 


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام