أنابيب نقل الغاز حقول الطاقة

شكل السعي للسيطرة على منابع الطاقة من نفط وغاز أحد أهم أهداف المجموعات المسلحة، التي فرضت نفسها كأمر واقع مع بداية ما عرف بـ”الربيع العربي” في الدول الغنية بهذه الثروات.

ففي ليبيا مثلاً، ورغم المد والجزر في السيطرة على المساحات الجغرافية بين الفصائل المسلحة المتعددة بقيت الأولوية بالنسبة لها الاحتفاظ بمنابع النفط ومصافيه وموانئ تصديره على حساب مدن وتجمعات حضرية كبرى في البلاد.

كما عمل تنظيم “داعش” في كل من العراق وسورية على السيطرة على حقول النفط والغاز المهمة في البلدين في محاولة لضمان التمويل اللازم لاستمرار “جهاده” من خلال بيعه في الأسواق الداخلية وتصديره إلى الخارج عبر تركيا، إضافة إلى كونه عامل استقطاب مدنيا تركز في تشغيل سكان المناطق القريبة من هذه الحقول بأعمال التكرير بالطرق البدائية كأحد طرق كسب التأييد وتشكيل حاضنة بدوافع اقتصادية لدى المختلفين عقائدياً.

ومع انحسار سيطرة “داعش” برز الكرد كقوة منافسة لحكومات كلتا الدولتين في السيطرة على “مناجم الذهب”، فنسجت التحالفات وخططت العلاقات في المنطقة على هذا الأساس، وقد يكون موضوع الشراكة البرزانية- الأردوغانية في بيع النفط المثال الأبرز على تغلب عامل النفط على عوامل العداوات القومية أو الإثنية في العلاقات الثنائية بين الحكومات أو حتى على مستوى الأفراد النافذين.

وتفسر مقولة البرزاني الشهيرة “كركوك قدس الأكراد” الدور المحوري للنفط في “أزمة الاستقلال” التي عادت للظهور مؤخراً في العراق، رغم خلو كركوك من أي أهمية دينية أو روحية بالنسبة للكرد.

وينقل الكاتب والصحفي التركي جينكيز جاندار عن تفاصيل لقاء له عام 2003 مع نوشيروان مصطفى الزعيم الكردي البارز ومؤسس “حركة التغيير” في إقليم كردستان العراق قوله: “ثورة عام 1975 -التي قامت في شمال العراق بزعامة البرزاني الأب- كلها كانت من أجل كركوك، حتى إن صدام حسين عرض حينها تقسيم كركوك إلى قسمين غربي تحت سيطرة الحكومة العراقية وشرقي تحت حكم إدارة كردية ذاتية تتخذ من المدينة مركزاً لها وهو ما رفضه الملا مصطفى لأن النفط كان يتمركز في الجزء الغربي منها”.

خسارة البرزاني لكركوك التي يسيطر عليها فعلياً منذ عام 2014 أطاحت بالحلم الكردي لبناء دولة مستقلة بالأخذ بعين الاعتبار أن نفطها يشكل ما يقرب من نصف إنتاج نفط إقليم كردستان العراق، وهو ما يفسر التحرك العراقي السريع لاستعادة المدينة ما نتج عنه خلط أوراق البرزاني وإجباره على إعادة حساباته من جديد، وهو ما حصل، حتى الآن.

ورغم الاختلاف والخلاف الكبيرين بين الإقليم الذي يحكمه الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة البرزاني، وبين حزب العمال الكردستاني بزعامة أوجلان المعتقل، لكن الواضح أن الأخير متمثلاً بوحدات حماية الشعب الكردي يسير على نهج “البرزانيين”، الأب والابن، منذ بداية الأزمة السورية حين سارع إلى السيطرة على حقول النفط والغاز في شمال شرق البلاد، مسخّراً عائداتها لتنظيمه المدني والعسكري في ظل غياب تام لمعالم وآليات عملية البيع وتوزيع الواردات.

إذا يحرص العمال الكردستاني، الحليف الماركسي للولايات المتحدة في سورية على عدم ارتكاب خطأ غريمه الليبرالي في الشمال العراقي باتخاذ خطوات فعلية نحو الانفصال من دون ضمان الاستحواذ على الذهب الأسود، ففي محيط رافض لأي خطوة تمس وحدة الأراضي السورية يبقى النفط السلاح الأقوى والأقدر على تأمين الاستقلالية الاقتصادية التي تعتبر العامل الأهم لاستمرارية “دولة كردستان”.
هدف أشار إليه وزير الخارجية السوري وليد المعلم حينما قال: “أكراد سورية ينافسون الجيش السوري للسيطرة على المناطق المنتجة للنفط” وهو الذي ربط هذه “المنافسة” بانتهاك السيادة السورية مشدداً على أن “الأكراد يعرفون أن سورية لن تسمح مطلقاً بانتهاك سيادتها”.

الدفاع المستميت لـ”داعش” عن حقل العمر النفطي أمام الجيش السوري ومن ثم إخلاء مواقعه في الحقل لمصلحة المقاتلين الكرد رفع السرية عن تكتيك وحدات حماية الشعب الكردية، ومن خلفها الحليف الأكثر اهتماماً بالطاقة في العالم.

تكتيك يعتمد على “مبدأ مراكمة عناصر القوة وجمع الأوراق” كما يسميه الصحفي محمد بلوط في مقال له في صحيفة الأخبار اللبنانية الذي يرى فيها “وسيلة لجولات من المقايضة مع دمشق لترسيخ المشروع الفيدرالي”.

خطط ومشروعات نفطية لا يعكر صفوها كردياً سوى كون تركيا “العدو” الطريق البري الوحيد الذي يمكن من خلاله تصدير النفط إلى الخارج، لتبرز من جديد فرضية تغلب المنفعة الاقتصادية، العامل الأهم للسيادة الوطنية في القرن الحديث، على المبادئ.

إن كانت مسالك أنابيب الغاز الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة السورية بتقاطعاتها الإقليمية والدولية، وهو ما تطرق إليه الرئيس الأسد في لقاء مع صحيفة إيل جورنالي الإيطالية حين كشف أن أحد أسباب اندلاع الأزمة السورية “رفض سورية للمقترح القطري لإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز، وتفضيل بناء الخط الإيراني مروراً بالعراق”، وهي الفكرة ذاتها التي تحدث عنها روبرت كينيدي في “حرب أنابيب غاز في سورية”، فإن الحرب اليوم انتقلت إلى مرحلة أخرى وهي السيطرة على منابع الطاقة في سورية، التي تحتل مراتب متقدمة بين الدول صاحبة احتياطي غاز كبير وأقل شأناً في مجال النفط.

 

“جريدة الأيام ”


مقالة ذات صلة :

النجاح في تصميم منظومة لنقل الطاقة الكهربائية لاسلكياً

مفاعل لإنتاج الهيدروجين كبديل عن الغاز المنزلي


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام