هاشتاغ سوريا

كل ما يخص سوريا

“البحث العلمي” لن تجدوه إلا في اسم الوزارة الجديد!

الأبحاث والاختراعات السورية “تموت سريريا” من التعقيدات وضعف الدعم والإمكانيات.. و”التجاهل” يطلق عليها رصاصة الرحمة!

لا يمكن وصف واقع “البحث العلمي” في سوريا إلا بأنه شكلي ولا يرتبط مع الواقع بصلة، حيث يقتصر تقريبا على الطلاب المرغمين غالبا بإجراء أبحاث “كمشاريع تخرج”..  طلاب يحكمهم اليأس ويكادون يجزمون أن لا من أحد سيقرأ أبحاثهم ويقيّمها غير المحكمين لها من أساتذة جامعاتهم..

ويضاف إلى الباحثين قلة من المخترعين “الهواة” غالباً، لاسيما وأنه لا من جهة قد تتبنى جهودهم ليتمكنوا من إجراء أبحاثهم بإمكانيات معقولة، أو على الأقل ببصيص أمل في أن يتبنى أحد هذه الأبحاث التي صرفوا عليها جهدا ومالا، فينفذها!!

هذا الواقع المتردي جعل البحث العلمي “ملطشة” فتارةً نراه يباع بالمكتبات ولكل علامة سعر، وتارة أخرى يُسرق من قبل أساتذة معروفين من مبدأ “الحي أبقى من الميت” فسرقة البحث ونشره بغير اسم أفضل من تركه على الرف!!

وبعد كل ذلك تُتحفنا وزارة التعليم العالي بتغيير اسمها لتتغنى “بالبحث العلمي” الغائب فعلياً وليقول لها الباحثون المحبطون بكل يأس: ” عاشت الأسامي”!!

البحث العلمي الأكاديمي: الأبحاث نهايتها على “الرف” والمشاريع الطلابية تباع في بازارات رخيصة

هاشتاغ سوريا- يزن شقرة

تعد المنظومة التعليمية في سوريا، من أكثر المنظومات ذات الطابع التلقيني في العالم، وخاصة أمام قلة عدد الجامعات بالنسبة لعدد الطلاب الوافدين إليها سنوياً، مما يجعل صعوبة تطبيق التعليم “العملي” أمراً واقعاً ومفروضاً، وخاصة في الكليات التي يحتاج طلابها لمخابر وحلقات بحث تطبيقية وعملية، وهذا ما تفتقره جامعاتنا لأسباب عدة، ستظهر في أجزاء هذا الملف .

مع تغيير اسم وزارة التعليم العالي إلى “وزارة التعليم العالي والبحث العلمي”، تم توجيه عدد كبير من الانتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من قبل طلاب الجامعات وأصحاب رسائل الماجستير والدكتوراه، وكانت أغلب هذه الانتقادات متعلقة بعدم وجود بحث علمي في سوريا بالشكل الذي يستحق أن يضاف لاسم الوزارة، خاصة وأن أغلب الدراسات البحثية ورسائل الماجستير تُنسى وكأنها لم تكن، ولا وجود لأي دراسة أو بحث علمي عرف عنه الطلاب أنه استخدم أو تمت الاستفادة منه .

معظم البحوث العلمية توضع على الرف ..

معاون وزير التعليم العالي لشؤون البحث العلمي، الدكتورة سحر الفاهوم، شرحت لـ “هاشتاغ سوريا” عن البحوث العلمية التي تُقدم للوزارة قائلةً “تعتبر الجامعات القاعدة البحثية الأولى، بالرغم من وجود مراكز بحثية ومعاهد ولكن للجامعة الأفضلية بحكم العدد والانتشار الجغرافي” .

وتابعت الفاهوم “لدينا عدد كبير جداً من رسائل الماجستير والدكتوراه وتمتلك الوزارة بحوثا للأساتذة أيضاً، ولكن للأسف معظم بحوث الماجستير والدكتوراه توضع على الرف” .

وأضافت “صحيح أن الوزارة ترسل البحوث على (cd) للمكتبات كمكتبة الأسد ومديرية البحث العلمي، ولكن هذا غير كافٍ لربط البحوث العلمية بسوق العمل وتطويرها والاستفادة منها” .

وعن آلية تطوير البحوث العلمية وغاية تسمية الوزارة بهذا الاسم قالت معاون الوزير، إن “الهدف الذي نعمل عليه حالياً ومنذ زمن ولا نستطيع أن نصل إليه هو ربط البحث العلمي بسوق العمل وربط البحث العلمي بمشاريع التنمية، لذلك يجب أن يكون البحث هادف، فنحن لسنا بحاجة لبحوث علمية ترَفية في هذا الوقت” .

وأشارت الفاهوم إلى أننا “بحاجة لبحوث تطبيقية وقابلة للتطبيق المباشر، لتكوين ثقة بين المستثمرين وسوق العمل مع الباحثين، كما يجب أن يكون هناك عائد للباحث، وكل هذا نفتقده حالياً ونحاول من خلال خطة وزارة التعليم تجاوزه”.

10% من الأبحاث استثمرت فقط!

أما عن عدد البحوث العلمية التي تمت الاستفادة منها، أوضحت معاون وزير التعليم العالي لشؤون البحث العلمي أن “الوزارة تدعم البحوث العلمية عن طريق مبالغ وصلت إلى المليون ليرة سورية للدراسات العليا، أما بحوث الوزارات كوزارة الزراعة مثلاُ وصلت إلى أكثر من ذلك  بشرط أن يكون البحث تطبيقي” .

وأضافت الفاهوم “عدد البحوث العلمية التي تم الاستفادة منها ليست أكثر من 10 % من عددها الكلي، أما عدد البحوث بالوزارة التي رفعتها للاستثمار هذه السنة حتى الآن فهي حدود 12 بحث، أتت الموافقات على أربع منها حتى الآن، والمستثمرون هم جهات حكومية فقط” .

سرقة الأبحاث!

“من المؤكد أن السرقة والاختلاس ليستا فقط للأموال، وإنما سرقة الأفكار والجهد وتعب السنين هو أحد اختصاصات حرامية العلم”، هذا ما قاله أحد خريجي الصيدلة من جامعة دمشق لـ “هاشتاغ سوريا” عند سؤاله عن مشروع تخرجه وأبحاثه العلمية التي أعدها خلال دراسته الجامعية .

وشرح خريج الصيدلة (وهو يعد رسالة ماجستير حالياً، فضل عدم الكشف عن اسمه لخطورة الموضوع على مستقبله العلمي)، قائلاً “تقدمنا أنا وعدد من زملائي بمشاريع للتخرج وأجرينا أبحاثاً كلفتنا الكثير من الوقت والجهد والمال، وبالفعل تمت الموافقة على معظمها وقبلت كمشاريع تخرج لنا بمعدلات جيدة، ولكن الغريب بالموضوع أننا وجدنا أبحاثنا ضمن كتاب لأحد أساتذتنا يحمل اسمه”.

وأضاف الصيدلاني “لم نستطع مواجهته أو رفع دعوى عليه، وخاصة أن معظمنا لم يتخرج بشكل كامل، ولدى معظمنا رسائل ماجستير، بالإضافة أن أبحاثنا تم التوسع بها بشكل لا نستطيع فيه إثبات أن هذا البحث يخص أحداً منا” .

مشاريع تخرج جاهزة بـ 300 ألف ليرة

أغلب طلاب الكليات يلجؤون إلى شراء مشاريع تخرجهم، وحلقات بحثهم العلمي، بأسعار متفاوتة تبدأ من 1500 ليرة لحلقة البحث، وتنتهي بأكثر من 300 ألف ليرة، وهذا ما تبين باستطلاع بسيط أجراه “هاشتاغ سوريا” مع عدد من الطلاب وأصحاب المكتبات .

حيث قال أحد طلاب الهندسة المعمارية في جامعة تشرين، لـ”هاشتاغ سوريا”، “لا يستطيع أحد أن يلومنا إن اشترينا حلقات البحث العلمي، فنحن لا نملك الوقت ولا المراجع اللازمة ولا المخابر، وأي غلط صغير قد يؤثر على نتائجنا، أما في المكتبات تكون جاهزة ودقيقة وبمبالغ مقبولة” .

وتابع الطالب “بالنهاية إن تقدمنا بحلقة بحث عن الذرّة أو شيء أخر ستكون النتيجة واحدة، فهي مجرد روتين وبروتكول متبع لا أكثر لتحقيق علامة العملي فقط” .

ودخل مراسل “هاشتاغ سوريا” إلى أحد مكتبات الهندسة المعمارية في دمشق، بحجة أنه طالب تخرج وبحاجة إلى البدء بمشروع تخرجه، ليتم عرض عدد من مشاريع التخرج الجاهزة عليه، وكل مشروع بسعر مختلف، حيث أوضح صاحب المكتبة أن “علامة التخرج لأحد المشاريع المعروضة للبيع ستكون فوق ال 90، وهي علامة تستحق دفع مبلغ 300 ألف ليرة عليه” .

نتيجة واحدة

صحيح أن “بازار” مشروع التخرج بيننا وبين صاحب المكتبة لم يتم، ولكن كم من “بازار” تم إنجازه وكم من “كمسيون” تم دفعه ؟ وهل تعلم الوزارة أن “بحوث” طلابها العلمية تحولت لتجارة رابحة، بضاعتها مكفولة وتحقق رضى الزبون لدرجة أنه بات ينصح بها، فلا داعي للبحث الفعلي عندما تكون النتيجة واحدة ..”بحث عل الرف”!!

رغم إلحاق “البحث العلمي” باسم التعليم العالي .. الباحثون السوريون يواجهون الصعوبات بمفردهم!

هاشتاغ سوريا- ليلاس العجلوني

من المتعارف عليه عالمياً أن مستوى البحث العملي في بلد ما، هو الذي يحدد مدى تقدم هذا البلد ويعكس صورته الحضارية، ومدى نظافة تفكير سكانه وبحثهم الدائم للوصول للحقائق التي تحل مشكلاتهم بمختلف القطاعات بعيداً عن الرتابة واستيراد الحلول الخارجية الجاهزة، بل المشاركة في صنع حلول يمكن تصديرها عالمياً.

رغم هذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها لم تسعى حتى الآن وزارة التعليم العالي و”البحث العملي” كما أسمت نفسها مؤخراً، لتوفير ما قد يلزم لدعم البحث والباحثين، خاصة في ظل الأزمة التي مرت بها البلاد والتي نتج عنها آلاف المشاكل مجهولة الحل، ويتمنى الباحثون أن يكون تغيير الاسم خطوة فعلية للاهتمام بهذا المجال.

أبحاث السوريين في الخارج

قد ينفي البعض من باب “السوداوية ” المجتمعية احتواء سوريا على عدد كبير من الباحثين القادرين فعلاً على إنجاز بحوث علمية ذات قيمة حقيقية، إلا أنه فور الاطلاع على البحوث العلمية التي يقوم بها الطلاب السوريين في الخارج ومدى أهميتها نعلم تماماً أن المشكلة ليست في الباحثين السوريين وعددهم بل في نقص الدعم المقدم لهؤلاء الباحثين سواء المادي أو المعنوي أو الفكري الحقيقي.

وهو ما أثبته الدكتور والباحث بهاء الحفار الذي ناقش بحثه الأخير في محاضرة ألقيت في جامعة King’s collag”” في لندن والتي لخصت أهم الصعوبات التي يواجهها الباحثون العاملون في القطاع الصحي بسوريا، وبرأي الحفار فإن صعوبة اختيار فكرة جديدة قابلة للتحقيق، ونقص التمويل الفعلي للأبحاث هي أولى المشاكل التي يعاني منها الباحثون، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على مواد وأدوات وتقنيات من خارج سوريا بسبب الأزمة وصعوبة متابعة العينة المدروسة بسبب التغير الديموغرافي للبلاد في الفترة الأخيرة.

“الدعم المادي” هو أول الصعوبات

وتضمن بحث “الصعوبات التي يواجهها الباحثون في المجال الطبي” للحفار عينة مؤلفة من 480 أكاديمي (طالب ماجستير ودكتوراه، ومدرسين وأساتذة في الجامعات السورية)، وبعد تحليل البيانات استدلالياً ووصفياً خلصت النتائج إلى أن 94% من الباحثين أكدوا أنه لا يوجد دعم مادي كافٍ للأبحاث العلمية، 80.3% أكدوا أنه من الصعب الحصول على الموافقات للقيام بالأبحاث العلمية، 79.6% أكدوا أنه لا يوجد حيادية بالموافقة على الأبحاث العلمية ضمن مجالس الكليات أو الجامعات.

76% من الباحثين يؤكدون غياب الدعم الحكومي!

وأرجع 73.8% من الباحثين الصعوبات للمجتمع الذي لا يهتم بالبحث العلمي ولا يؤمن بأهميته، بينما أكد 53.1% من الباحثين أنهم لا يمتلكون أساسيات الكتابة الأكاديمية، ولكن رغم ذلك 70.1% لديهم دافع كبير للقيام بأبحاث علمية غير الأبحاث المطلوب منهم للدارسة الأكاديمية، ومن الصعوبات الجديدة التي نشأت خلال الأزمة أشارت الدراسة إلى أن  3.5% من الباحثين كان لديهم صعوبة بجمع البيانات أو الوصول إلى مصادر البيانات بسبب الحرب، و76.3% لا يوجد دعم حكومي كافٍ للبحث العلمي، ولكن رغم ذلك فإن 77.1% من الباحثين لديهم الدافع لتوثيق التغييرات التي حملتها الأزمة السورية أكاديمياً.

لتفعيل اسم الوزارة…!

وختم الحفار أن أهم الأسس التي يجب توفيرها لتطوير البحث العملي ودعمه هي إنشاء قاعدة بيانات لكل الباحثين والأكاديميين بسوريا، والربط بين الباحثين السوريين في جميع المحافظات السورية والباحثين السوريين خارج البلاد، ما يسرع البحث العلمي، مشيراً إلى أهمية إنشاء موقع الكتروني ورفع الأبحاث السورية الكترونياً، والعمل على فهرسة المجلات السورية العلمية داخل المواقع العالمية ما يعيد الثقة للباحثين السوريين بالمؤسسات الحكومية والمجلات المحلية، خاصة أن جميع الأبحاث السورية لا يتم فهرستها وتذهب هباءً.

بالإضافة إلى تقديم تسهيلات للباحثين من خلال إنشاء مكتب يساعد على تأمين الموافقات الحكومية للقيام بأبحاث علمية وتنظيم مؤتمرات ومسابقات بمواضيع مختلفة سنوياً لتسريع الأبحاث العلمية ونشرها بسوريا، والرفع من ميزانية الدعم العلمي وخاصة البحث الطبي.

معدات من زمن الحرب!

من جهته، رأى مدير المركز السوري البيلاروسي للتعاون العلمي والتقني والأستاذ في كلية الهندسة المدنية عصام ملحم أن غياب المعدات الأساسية للبحث العملي هي أولى الصعوبات التي يواجهها الباحثون، خاصة أن جميع المعدات المتوفرة حالياً تم شرائها قبل الحرب بسنوات وأغلبها لا يفي بعملية البحث العملي ولا يمكن استخدامه، كما أن كثيراً منها تعطل وصيانته تحتاج لكتلة مالية كبيرة، بالإضافة إلى عدم وجود قاعدة بيانات تشير إلى آلية استخدام هذه المعدات وأرشفتها بالنسبة لكل جامعة.

بحث للشهادة فقط!

وأوضح ملحم أن سوريا تحوي على عدد كبير من الباحثين القادرين على إنشاء أبحاث ذات قمة عالية، إلا أنه للأسف لا توجد بيئة لذلك، خاصة أن المجلات المحلية التي تنشر فيها الأبحاث المحكمة باتت شكلية، وغير مربوطة مع العالم الخارجي وغير مؤرشفة الكترونياً، مبيناً أن نتائج هذه الأبحاث العظيمة تذهب هباءً، ما يصيب الباحثين بالإحباط ويجعل من إنشاء بحث علمي ورقة لكسب شهادة معينة فقط أو الترفع من منصب لآخر.

ويرى أن من أهم الخطوات التي يجب أن تتخذ هي التقدير المادي المتناسب مع عمل الباحثين، خاصة في فترة إنجاز البحث، والتشجيع على المشاركة في المؤتمرات العلمية العالمية والدولية للاطلاع على جديد الأبحاث في كافة المجالات، وأن يتم تغطية هذه المشاركات مادياً وتحمل نفقات السفر والإقامة، ما يغني الخزينة العلمية للباحث وينعكس ايجاباً على البلد.

المسؤولية المجتمعية غائبة

 الدكتور بالهندسة الزلزالية بالمعهد العالي للبحوث والدراسات الزلزالية سامر عقيل يحمّل مسؤولية دعم البحث العلمي للشركات الخاصة السورية التي من واجبها ومسؤوليتها المجتمعية تقديم مبالغ مادية وأفكار للباحث، بحيث يعمل كل باحث على مشكلة تواجه شركة، وبالتالي تدعم الشركة الباحث مادياً خلال عمله، ما يطور البحث العملي ويرتقي به.

بالإضافة إلى دعم المخابر الموجودة، وزيادة عدد المواقع العالمية التي تشترك فيها الجامعات الحكومية، ما يمكّن الطلاب من الاطلاع على معلومات أوسع، وتسهيل النشر الخارجي في المجلات المهمة، ومساعدتهم من خلال تحسين العلاقات مع الدول التي تهتم بالبحث العلمي وفق اتفاقيات موقعة.

مقترحاً أن تقدم وزارة التعليم العالي راتب شهري للطلاب الباحثين لما له من أثر إيجابي على البحث الذي يقوم به الطالب.

بقعة ضوء

في النهاية ورغم كل التحديات والصعوبات التي واجهت الباحثين تبين أن البحث العلمي والنشر الأكاديمي بسوريا خلال فترة العشر سنوات الأخيرة ازداد ولم ينقص، كما أن عدد المنشورات الطبية خاصة المفهرسة باسم سوريا على موقع الـ pubmed زادت بشكل ملحوظ حسبما أكد الدكتور حفار.

ما قد يفسر بمعنى واحد وهو الدافع القوي، والمخزون العملي النظيف في عقول الباحثين السوريين وإصرارهم على نشر المزيد من الأبحاث التي قد ترفع اسم بلدهم بالعلم فقط، رغم كل المعوقات.

/الاختراعات السورية “في مهب الريح”.. اتفاقيات مكتوبة على “لوح جليد” ووعود “لا تسمن ولا تغني من جوع”!!

هاشتاغ سوريا _ كاترين الطاس

من المعروف أن البحث العلمي، هو الذي يضع العلم والتكنولوجيا في خدمة الإنسان والتنمية البشرية، حيث يقوم الباحث بوضع خلاصة جهده وفكره في خدمة المؤسسات الحكومية والخاصة للمساهمة في تطوير المجتمع ورقيه.

وعلى هذا تقوم أي دولة بمساعدة باحثيها ماديا ومعنويا، من تقديم الدعم المادي حتى إنهاء مرحلة البحث، ومن ثم تتكفل بتنفيذه على أرض الواقع..

في سوريا الوضع مختلف كما هو مختلف في كثير من الجوانب، حيث تنام عشرات أو ربما مئات الأبحاث في غرف الباحثين، على أمل أن تبصر النور على يد أحد “المتبرعين” بإنقاذها.. علّ هذا المتبرع يأتي وهو غالبا لا يأتي !..

مخترعو سوريا بلا دعم

في عام 2017.. سجل في سوريا 41 اختراعا جديدا، حصل أصحابها على “براءة اختراع”، وفي عام 2018 كان هناك 37 اختراعا، وهذا العام من بدايته وحتى يوم إعداد هذا التحقيق سُجل حوالي 40 اختراعا جديدا..

“هاشتاغ سوريا” تواصل مع عدد من هؤلاء الباحثين، للوقوف على مصير أبحاثهم، والذي تبين أنه مصير محزن ومجهول.

أحمد جهاد محمد نجيب، محامي حصل هذا العام على 4 براءات اختراع، وهي: ( توليد الكهرباء من الشهيق والزفير _ مهماز الأحذية المنتج للكهرباء _ الأدراج المنتجة للكهرباء من حركة المشاة _ القلم الذكي لإدخال الأوامر باللمس )، أكد أن أبحاثه الأربعة لم تُنفّذ على أرض الواقع، مضيفا أنه يعرض تلك الأبحاث في المعارض التي تقام، وأن تمويلها كان على حسابه الشخصي!

أما فراس عبود وهو طالب في كلية هندسة المعلوماتية، حصل عام 2018 على براءة اختراع، هي: ( القبعة الالكترونية للمكفوفين )، وقال أن أحداً لم يتبنى مشروعه والذي كان تمويله على حسابه الشخصي أيضاً، بالرغم من حصوله على جائزة في معرض الباسل للإبداع والاختراع!!

مضيفا أنه وبعد أن وعدته وزارة الشؤون الاجتماعية بتبني المشروع وأعطته موافقة لتجريب الجهاز في معهد المكفوفين بالمزة، فجأة وبدون سابق إنذار رفضت تبني المشروع وألغت كل شي!

كذلك هو الحال عند حسام وجيه ديوب، الحاصل على براءة اختراع عام 2018، وهي: ( طريقة تحضير عقار صيدلاني من نبتة عشبية  لعلاج اللشمانيا الجلدية ومرض اللمفاوي سرطان الدم الحاد )، وهو أيضا من تمويله الخاص، قال إنه إلى الآن لم ينفذ المشروع كونه موضوع طبي ويأخذ وقتا في التجريب، ولكن يوجد مستثمر خاص سيتبنى هذا المشروع قريبا حسب الوعود!!

منذر بوش وهو مدير مركز التأهيل ورعاية المخترعين بحلب، حاصل أيضاً على براءة اختراع عام 2017، وهي: ( دولاب مائي لضخ الماء وتوليد الكهرباء )، أكد أن لا أحد تبنى مشروعه إلى الآن، بالإضافة لحصوله على 13 براءة اختراع من 2013 حتى الآن، ولم يتم تنفيذ أي مشروع منها، مضيفا أنها جميعا لا تزال مخزنة في المنزل منذ سنوات!

المستثمر السوري لا يقدر قيمة الاختراعات

مدير حماية الملكية التجارية والصناعية، شفيق العزب، أوضح لـ “هاشتاغ سوريا”: أن “مديرية حماية الملكية تأخذ طلبات الأبحاث على مدار العام وتقوم بتقديمها للهيئة العليا للبحث العلمي، التي تقوم بدورها بتقييم البحث من خلال اللجنة العلمية المكونة من 27 دكتور ومن اختصاصات مختلفة، وتقرر إن كان يستحق أن يحصل على براءة اختراع أم لا، ونحن نقدم براءة الاختراع على هذا الأساس”.

وأضاف العزب: ” نقوم بإقامة معرض الباسل للإبداع والاختراع، لعرض الأبحاث حتى نكون صلة وصل بين الباحث والمستثمر، فنعرض تلك الأبحاث، وهناك لجنة علمية من الهيئة العليا للبحث العلمي تقوم بإعطاء جوائز لأصحاب الاختراعات الأفضل وذلك بغرض تشجيعهم”.

وعن قلة المستثمرين للاختراعات السورية، تابع العزب: “إلى الآن المستثمر السوري لم يقدر قيمة الاختراعات الموجودة حتى يقوم باستقطابها، ولو كانت نفس الفكرة من خارج سوريا كانوا تسابقوا عليها.. ونحن ليس لدينا أي مشكلة إذا أراد الباحث أن يعطي اختراعه لمستثمر خارجي”.

اتفاقيات تنتظر “التنفيذ”

أما رئيس دائرة براءات الاختراعات، نسرين عقل، فكشفت لموقع “هاشتاغ سوريا”، أنه يجب على البحث العلمي أن يحقق 3 شروط حتى يأخذ براءة الاختراع، وهي: الجدة والخطوة الابتكارية وقابلية التطبيق الصناعي، وأن الذين يقدمون أبحاث علمية ممكن أن يكونوا طلاب أو باحثين مستقلين أو حتى عمال، وهذه البراءة هي حماية ملكية للبحث العلمي مدة 20 عام”.

وعن معرض الباسل للإبداع والاختراع، أكدت عقل أن الذي يأخذ جائزة في المعرض ليس من الضروري أن يحصل بحثه على براءة اختراع، فالمعرض هو تشجيعي ويقوم بإعطاء جوائز، وكانت هذا العام الجائزة الأولى بقيمة مليوني ليرة مقسمة لأربع أقسام كل قسم 500 ألف، والثانية 900 ألف، والثالثة 600 ألف، وباقي الجوائز ميداليات ذهب وأجهزة “تاب” وموبايلات، بالإضافة  لجائزتين من المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وهي ميداليتين ذهب لأفضل اختراعين ضمن المعرض.

وفي السياق ذاته، قالت عقل: “نحن مهمتنا أن نأخذ الطلبات ونحولها للقطاعات المختصة، ويوجد اتفاقية مع الهيئة العليا للبحث العلمي، ولكن لم توقع بعد، وعلى أساسها سنقوم بتحويل الطلبات لها وهي تفرز الطلبات على القطاعات المختصة، وبدورنا ننتظر الرد العلمي من الجهة المختصة لنقوم بإعطاء براءة الاختراع، مؤكدةً أنه في نهاية كل عام نرسل قائمة بالاختراعات التي أخذت براءة اختراع لهيئة الاستثمار السورية لتضعها على الخارطة الاستثمارية، وأيضا لدينا اتفاقية مع هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

تشير عقل إلى الاجتماع الحاصل في العام الماضي وأخذوا فيه البراءات من 2011 ل 2018 الخاصة بإعادة الإعمار، وكانت الاتفاقية أن يأخذوا 30 براءة اختراع ويجتمعوا مع المستثمرين، ولكن لم يتم تنفيذ ذلك”.

وتابعت عقل: ” يجب على كل الوزارات أن تساعد المخترعين وتتبنى أبحاثهم ولكن هذا لا يحصل ولا نرى منه شيئا، أما وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك فتبنت مشروعين تابعين لاختصاصها، وهما مشروع الدكتور أحمد العوض ( جهاز نقل هوائي لدقيق القمح )، ومشروع ناظم عبدو ( التحكم الآلي بدرجة حرارة الأفران )، أما باقي الوزارات “ما حدا استثمر شي” .. وفي النهاية تبنّي هذه المشاريع يعود بالفائدة عل الجهة المستثمرة وفي الوقت نفسه تشجع الاختراع والمخترعين.

أخيرا

وأخيرا.. كان وما زال البحث العلمي مشروع بالغ الأهمية وأساس النهضة والتقدم في الدول، وركناً رئيسياً في الحضارة والعمران، وهذا الجهد المنظم، الذي لا تنهض الدول إلا به، لا يمكن أن يجري في ومن فراغ، فينبغي توفير البيئة العلمية السليمة للباحث، والتي تساعده على إنتاج بحث علمي محكم، ثم يأتي دور المؤسسة الرسمية بعد ذلك لتساعد على إخراج نتائج البحوث العلمية إلى النور، ومن الأروقة العلمية النظرية إلى ميادين العمل حيث الارتقاء المباشر بالحياة الإنسانية، وهنا يجب على جميع مؤسساتنا دعم هذه الأبحاث من خلال تمويلها وترويجها لتساعد في تطور المجتمع ورقيه، بدلا من إهمالها وتجاهلها بالشكل الذي يحصل اليوم!

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.