هاشتاغ سوريا

كل ما يخص سوريا

الترميم في سوريا.. الارتجال والإسعافية وصفة حكومية جاهزة يتشاركها مستفيدون ومستعجلون!

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم، عشرات العوائل في مناطق متفرقة من سوريا آثرت القيام بأعمال ترميم ذاتية لأبنية ومساكن أثرية بهدف العودة السريعة إلى بيوتها وحياتا، أو بهدف استثمارها دون معرفة من مديرية الآثار والمتاحف أو المحافظة تارة، وبتجاهل مقصود تارة أخرى، في ظل غياب برنامج وطني يعمم ويفرض على جميع المعنيين الابتعاد عن الارتجال بمبادرات فردية لا تقل في إساءتها وتشويهها عما خُرّب وسرق ونهب من قبل الإرهاب الذي كان رازخاً في المناطق التي كان يسيطر عليها.

هاشتاغ سوريا – نجود يوسف

ويذهب الكثير من المطلعين على هذا الملف – آثار سوريا- إلى الإجماع على أن ثقافة الارتجال التي تجرأ عليها الكثيرون كانت نابعة من ذات الجهة المسؤولة عن حماية هذه المواقع عبر اعتمادها على برامج وحلول إسعافية لا تخضع حتى لمعايير وطنية أو عالمية تهدف للحفاظ على ما يرمم، في ظل تسرب بعض مشاريع الترميم الخاطئة إلى الإعلام واعتمادها على مواد وآليات لا تمت للاحترافية بصلة وكل ذلك بحجة “الحلول الإسعافية”.

فما بين استعجال المواطنين المتضررين و”إسعافية” حلول الجهات المعنية يضيع الضائع ويدمر المدمر، بإنتظار الدول المانحة الغربية بأموالها ومناهجها الترميمية لإنقاذ الآلاف من التركات الأثرية!

“بلاوي” في حلب وغيرها

يقول المدير العام السابق لمديرية الآثار والمتاحف مأمون عبد الكريم: منذ تحرير مدينة حلب وحتى الآن مرت ثلاث شتاءات مطرية قاسية دون تقدم ملحوظ في حلول آنية تفضي بالمساعدة في ترميم إسعافي يمنع إنهيار الكثير من الأسقف والجدران الأثرية في مدينتها القديمة جراء مياه الأمطار التي تتسرب عبر أسطح مفتوحة، وتتغلغل في أساساتها مايهددها، بالإنهيار في أية لحظة.

ويشدد على ضرورة التحرك على المستوى الحكومي والشعبي لإنقاذ ما تبقى من آثار البلاد عبر وقف نزيف أعمال التدعيم والترميم الإسعافي الخاطئة والتي تشكل نسبة كبيرة من أعمال الترميم الحالية التي يأخذها المواطنون على عاتقهم دون أدنى مراعاة لنوعية المواد المستخدمة للترميم، ونجاعتها في المحافظة على حجارة المباني أو الأسطح، حيث يستخدم “البلوك” و”الإسمنت” في أعمال الترميم العشوائية هذه.

ويوافق وضاح محي الدين وهو أمين المتحف الإسلامي في متحف حلب والمسؤول عن المدينة القديمة سابقاً  على ماقاله عبد الكريم، ويؤكد محي الدين في تصريحات ل”هاشتاغ سوريا” أن الترميم يجري حالياً بشكل كيفي ومزاجي خاصة في حلب والسبب هو عدم وجود خبرات فاعلة في مديرية آثار حلب ومجلس مدينتها، بالتزامن مع غياب الرقابة أيضاً، ويضاف لما سبق عدم احترام المواطنين للتراث وغياب ثقافة قيمة الحجر المهدم، حيث أن 90 بالمئة من أحجار حلب الأثرية سرقت وتم نقلها إلى تركيا وغيرها من الدول، مبيناً: “لدينا أزمة وعي حقيقية  لا تقل خطراَ عن التخلي العالمي، حيث أن عمليات الترميم القائمة حالياً هي تدمير حقيقي للقيمة الأثرية لمدينة حلب ومعالمها بسبب إدخال مواد غير مناسبة في عمليات الترميم وذلك نتيجة حاجة الناس للترميم السريع في ظل غياب الرقابة الحقيقية على هذه العمليات، بالإضافة إلى الأخطاء المدمرة التي يقوم بها بعض المشرفين غير الاختصاصيين على عمليات الترميم”.

ويذكر محي الدين أن الأمثلة حول الترميم الخاطىء كثيرة ومنها أن أحد المستثمرين استأجر حمام الباب الأحمر الأثري في حلب من وزارة الأوقاف، وقام بطلاء القبة الأثرية باللون الأحمر باستخدام مادة لاصقة تلتصق بالحجر ولا يمكن إزالتها إلا بكسره لطلاء الجدران الأثرية أيضا..

كما قام مختار حي باب المقام بترميم سبيل الماء الأثري في الحي بمبادرة فردية منه، لكنه استخدم الصاروخ الكهربائي بطريقة “الجلخ” لتنظيف أحجاره الأثرية.

ويضيف محي الدين أن كنيسة “الروم الكاثوليك” وكنيسة “الأربعين شهيد” التابعة للأرمن الأرثوذكس في حلب تم ترميمها من خلال مبادرات فردية دون أدنى رقابة من مديرية الآثار والمتاحف في ظل عدم التصريح عن طبيعة المواد المستخدمة في عمليات الترميم هذه، أو منهجها.

وأردف أن هناك العديد من الطرق الخاطئة في الترميم مازالت تمارس حتى الآن، متسائلا عن السبب في عدم تعميم تجربة ترميم الجامع الأموي في حلب والذي تم ترميمه بطريقة احترافية تحت إشراف مديرية أوقاف حلب ومديرية الآثار والمتاحف، فأحجاره على سبيل المثال تم ترقيمها لتوضع بعد ترميمها في نفس مكانها السابق.

كما أن هناك العديد من الترميمات الخاطئة التي تم الكشف عنها في مناطق أخرى غير حلب، كالقيام بأعمال ترميم في واجهة البرج الأثري في صافيتا والتي أثارت حفيظة السكان آنذاك والذين قاموا بدورهم عبر حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لإيقاف الترميم.

ويشير محي الدين إلى أن هناك قانوناً وخططاً ترميمية خاصة بمدينة حلب وضعتها البعثات الأثرية الألمانية، وهي مناهج محترفة رائعة لا يلتزم بها أحد ولا حتى تعتمدها مديرية الآثار والمتاحف.

لاحول ولا قوة

بدوره يقول محمود حمود المدير العام الحالي لمديرية الآثار والمتاحف أن المديرية لا تعمل على مشروع ترميمي شامل على مستوى كلي، وإنما بشكل جزئي، حيث يقتصر عملها على التدخل لمنع وقوع بناء أو جدار، لافتاً أن الأعمال حالياً تقتصر على كل ماهو مهم وإسعافي، مشيراً أن الترميم ليس من مسؤولية الحكومة السورية وحدها وإنما هو واجب على كل المنظمات الدولية والعالمية.

فيما يؤكد المدير العام السابق لمديرية الآثار والمتاحف مأمون عبد الكريم أن الترميم في سوريا حالياً يكون بمجمله عبارة عن مبادارت فردية، فكل شخص يرمم منزله مثلاً حسب رؤيته ومسؤوليته الشخصية وهو مايشكل جريمة كبيرة منبعها الجهل بقيمة ما يرمم بحثاً عن المنفعة الشخصية أو المادية، بعيداً عن أنظار الجهات المسؤولة وفي ظل تقاعس المجتمع الدولي واليونسكو والمنظمات الدولية الذين لم يقدموا إلا مبادرات محدودة، ومبالغ مادية بسيطة مقارنة بحجم الكارثة الأثرية الموجودة والتي كان سببها الإرهاب الذي طال أجزاءاً من سوريا.

ويبيّن عبد الكريم أن هذه المشكلة بحاجة لتحريك الرأي العام العالمي فيها عبر تغطيات إعلامية عالمية تتوقف بعد البدء فيها بأشهر وذلك لاعتبارات سياسية تستهدف الدولة السورية التي من مسؤوليتها التوعية والرقابة الداخلية على الآثار.

الخبرات في منازلهم

وعلى سبيل اقتراح الحلول من أصحاب الاختصاص والمطلعين يقول مأمون عبد الكريم أنه لابد من تشكيل بعثات وجهات وصائية تشرف حتى على أعمال الترميم الإسعافية بالرغم من الكثير من الصعاب، وفي ظل غياب الموازنات المالية التي حرمت منها سوريا للترميم الصحيح والدقيق رغم أن سوريا تملك خبرات وطنية عالية المستوى وعلى قدر وطني عالي، إلا أن الكثير منهم -الخبرات- جالسون في منازلهم.

ويشير عبد الكريم إلى أن المديرية العامة للآثار والمتاحف بمهندسيها وشركاتها وخبراتها بحاجة أيضاً للاتفاق على معايير عالمية موحدة لتشجيع الدول المانحة على ضخ الموازنات المالية والخروج من إطار الارتجالات الفردية لتصبح مشروع وطني للترميم يخضع لمعايير وطنية وعالمية يلزم بها الجميع أفراداً ومؤسسات.

وأكد أن سوريا تملك الأدوات والإمكانات والفكر، لكن ماينقصها هو المعايير والقوانين والأنظمة التي لا تسمح بالترميم الكيفي عبر إشراف مباشر من الجهات المسؤولة بدءاً من المديرية العامة للآثار إلى المحافظة إلى الوزارات المسؤولة لحماية استثمار التراث ولرفع السوية الأثرية.

لسنا شحادين!

يضيف عبد الكريم أنه وللحصول على أرقام وميزانية عالمية لترميم الآثار في سوريا لابد لنا من القدرة على بناء ثقة عالمية للترميم، فنحن بحاجة لعلاقات دولية قوية وأموال في ظل موازنة حكومية ضعيفة لا يمكن لها أن تتحملها، كما أنه لابد لمنظمة اليونسكو العالمية وغيرها من المنظمات أن تتحمل مسؤوليتها، فآثار سورية هي ملك ومسؤولية عالمية، ونحن لا “نشحد” منهم.

ونوه عبد الكريم إلى أن التجاذبات السياسية لها إنعكاس مباشر على الدعم المالي واللوجستي المقدم من قبل المنطمات الدولية لترميم آثار سوريا وهو أمر لا يخفى على أحد، مبيناً أن مدينة الموصل العراقية على سبيل المثال ضخت فيها ميزانية فلكية تقدر بملايين الدولارات لإعادة ترميم ماتم تدميره ونهبه من أثارها، عدا أن المنظمات الدولية أرسلت مئات البعثات إليها بهدف سبر وتوثيق الإنتهاكات بحق الأثار العراقية.

حماية الإرث

لا شك أن تحسين الظروف المعيشية والاقتصادية للمواطن السوري هو على رأس أولويات الحكومة خاصة في ظل الظروف الحالية، ولا شك أن خطط إعادة الإعمار  ستظهر في وقت ما وتنتقل إلى مرحلة التنفيذ، لكن من الأولويات أيضاً – حسب المنطق – التركيز على حماية تاريخ وإرث ونسب هذا المواطن الوطني والقومي والاستماتة لمنع طمسه، ولابد أن يكون أولوية ومطلبا ملحا للجميع بالتزامن مع مطالب واحتياجات المواطنين المرحلية.

لمتابعة أخبارنا على التليغرام

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.