وفد حكومي برئاسة خميس

لطالما اتسمت علاقة المواطن السوري بحكومته بأنها ملتبسة ويعتريها خلل مزمن، (الحديث لا يقتصر على الحكومة الحالية أو على حكومات الأزمة)، علاقة غير مبنية على أساسات ودعائم متينة، ينقصها الصدق والالتزام بالوعود والعهود من قبل الحكومة، كما تنقصها الثقة من جانب المواطن مهما كان الظرف ومهما فعلت الحكومة.

هي تتعامل معه على أساس أنه كائن افتراضي «يفطر ويتغدى» وعوداً ويتعشّى تصريحات، وهو بالمقابل يرى بأن حكومته لا تعمل لأجله، ويتهمها بالتقصير والإهمال وقلة الحيلة، وهذه الخطايا الثلاث أدت كما يعتقد لانفلات الأسعار وانفلات الوضع الأمني، والكثير من الإشكالات اليومية والمنغصات المعيشية.

في نهاية العام 2107 وقف وزير المالية مأمون حمدان تحت قبة مجلس الشعب السوري، ليرد على تساؤلات أعضاء مجلس الشعب (ممثلي الشعب)، حول الوضع المعيشي السيء الذي يعيشه المواطن السوري وسط ارتفاع كبير في الأسعار. كانت إجابة الوزير أنه لا يوجد جائع في سورية! وإذا كان هناك جائع فحاله كحال الوزير الذي يجوع لأنه لا يملك الوقت الكافي لتناول الطعام، ولتتحول الجلسة المخصصة لمناقشة الوضع المعيشي للمواطن السوري إلى جلسة نقاش حول المصطلحات التي ينبغي على أعضاء مجلس الشعب الحديث بها، كي يعبّروا بشكل يفهمه الوزير عن حال السوريين، وليتم في هذه المعمعة تجاهل العنوان الرئيسي للنقاش (الوضع المعيشي للسوريين)، من دون أن يوضح الوزير ماهي الآليات التي عملت عليها حكومته ووزارته على وجه الخصوص، لكيلا يجوع السوري، سوى التعليق على شماعة (نحن بحالة حرب)!

في الواقع، وفي العودة إلى البيانات الحكومية التي تم اعتمادها عقب كل تشكيل حكومي جديد، سنجد ومن دون كبير عناء أن الحكومات السورية عامةً تناوبت على استعارة عناوين بياناتها (تحسين الوضع المعيشي للسوريين ومكافحة الفساد والإصلاح الإداري) لتبقى هذه العناوين مجرد شعارات لم يُنفّذ منها إلا النذر اليسير، أما حكومات ما بعد الأزمة فقد أضافت على ما سبق من عناوين على بياناتها (مكافحة الإرهاب وإعادة الأمن والأمان إلى البلاد)، فهل استطاعت (حكومات الأزمة) عموماً، والحكومة الحالية والسابقة بشكلٍ خاص، نيل ثقة المواطن السوري، وهل كانت على مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقها؟!

نتائج مخيبة:

في استطلاع أجراه موقع «هاشتاغ سوريا» بالمشاركة مع «الأيام» حول العلاقة بين المواطن السوري وحكومته، تم طرح سؤال: (كمواطن سوري هل تعتبر أن الحكومة السورية حكومة للأغنياء أم حكومة فقراء؟) أجاب 87 بالمائة من أصل 942 شخصاً شاركوا بالاستطلاع بأنهم يرون الحكومة الحالية حكومة للأغنياء، فيما رأى 13 بالمائة أن الحكومة الحالية هي حكومة فقراء.
وتعلق نهال محمد (موظفة في إحدى الدوائر الحكومية) على التصويت، بأن الحكومة الحالية حكومة أغنياء، جلبت للمجتمع السوري طبقة جديدة من الأغنياء، لم تقدم شيئاً لمتوسطي ومحدودي الدخل، لتزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في البلد حتى أن هناك فئات باتت تحت خط الفقر، مضيفةً: لو أن هناك عدالة في البلد لما كانت هذه الفجوة، متسائلةً: هل الجميع في حالة حرب، أم أن الحرب على أشخاص دون أخرين؟!
وفي سؤالٍ ثانٍ، وجد 88 بالمائة ممن تم استطلاع رأيهم حول عمل الحكومة الحالية، أن الحكومة لم تنجح في مكافحة الفساد كما تعهدت في بيانها الحكومي.

أما السؤال الثالث والمتعلق بمدى التزام الحكومة الحالية ببيانها الوزاري، فقد رأى 90 بالمائة ممن تم استطلاع آرائهم، أن الحكومة لم تفِ بتعهداتها التي أوردتها في بيانها الحكومي.

وزيرة سابقة: ثقة غير متبادلة

الدكتورة لمياء عاصي (وزيرة الاقتصاد والتجارة سابقاً) تفسّر لـ «الأيام» سبب انعدام الثقة بين المواطن والحكومة بقولها: إن مشكلة الثقة بين الحكومة والجمهور، موجودة في معظم الدول ولا سيما النامية منها، حيث تتهم الحكومات بعدم قول الحقيقة، مضيفةً: لا أحد يدرك الحكمة من تصريحات وزارية متناقضة أحيانا، ومضحكة أحيانا أخرى، كأن يقول أحد الوزراء «إن السعادة غير مرتبطة بالإنفاق».

وتتابع عاصي «كيف ذلك إذا كان المستوى المعيشي الركن الأساسي لتعريف السعادة، بينما يعتبر الفقر أحد أهم عوامل زيادة الجريمة؟!»
وتوضح عاصي: يعلم السوريون أنّ الحرب على بلدهم طاحنة ومريرة، وأدّت إلى كثير من الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة جداً، جعلتهم يفقدون عملهم ودخلهم وأكثر من 70% من قدرتهم الشرائية، وباتوا يعيشون على قارعة الفقر، في حين أن بعض الوزراء يصرحون بشكل غير واقعي عن تحسين المستوى المعيشي من دون زيادة الدخل الشهري، متسائلةً: كيف ذلك؟!

وتتابع الوزيرة السابقة بأنّ ضعف الثقة بالحكومة ينشأ من تناقض كبير بين ما تحلم الحكومة به، وبين قدرتها الحقيقية على فعل ذلك، إضافة إلى عدد من العوامل أهمها: عدم وجود رؤية شاملة لتحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية في البلد «سياسة الحلول الإسعافية أو إطفاء الحرائق»، والإعداد غير الكافي لأيّ قرار، مما يجعل التعديل أو الإلغاء هو المخرج الوحيد، عدم وضوح الرسالة الإعلامية و»منطقيتها»، قبل وبعد القرار، وأخيراً التصريحات المتناقضة بين أعضاء الحكومة أحياناً، والاستفزازية للمواطنين أحيانا أخرى.

وتضيف عاصي إن هذه العوامل، تعمّق فجوة الثقة وتجعل التشكيك سيد الموقف حتى بالقرارات الجيدة.


المصدر : جريدة الأيام