الشطارة

الشطارة

ثمّة جدلية تكتنف مفهوم التاجر السوري في ظل المناكفات الدائرة حول منح إجازات الاستيراد من جهة، وترشيدها من جهة ثانية، وتحوّل كثير من الصناعيين إلى تجار من جهة ثالثة..!.

 

ما يثير هذه الجدلية حقيقة صفة الشطارة المتفق عليها –عرفاً- بارتباطها بالتجارة، وطالما تغنّى شيوخ هذا الكار بهذه الصفة عبر تاريخهم التجاري الطويل، وتمرّسوا بموجبها بأصول مهنة أُسّ رأس مالها الصدق والنزاهة، والالتزام بمواعيد ومواثيق قطعوها على أنفسهم أمام عملائهم المحليين والعالميين.

إضافة إلى تفعيل عجلة اقتصادهم الوطني ودعم ميزانه التجاري عبر التركيز على التصدير أكثر من الاستيراد من خلال البحث عن أسواق جديدة تستوعب المنتجات والصناعات المحلية، والوصول في نهاية المطاف إلى توطين التصدير كنشاط وركن أساسي في المشهد الاقتصادي الوطني.

 

يبدو أن مفهوم الشطارة في الوضع الراهن انحرف كثيراً عن جوهره الأصلي متخذاً مساراً جديداً خطَّهُ بعض التجار الجدد الذين لم يرثوا أصول مهنة الأجداد على أصولها،

معتمدين المعنى الأجوف للكلمة الذي لم يتعدّ حدود جمع أكبر قدر ممكن من المال بغض النظر عن أي أسلوب أو طريقة يبررها محبّو الثروة ولو كانت على حساب المستهلك الذي يعتبر الحلقة الأضعف في سلسلة العملية التجارية كلها..!.

تجليات تشويه هذا المفهوم بدت -منذ سنوات ما قبل الأزمة– واضحة للعيان برجحان كفّة الاستيراد على التصدير، وجاءت الأزمة لتزيد الطين بِلَّة، وبدلاً من اضطلاعهم بأعباء المسؤولية المضاعفة نتيجة ما أصاب اقتصادنا من تداعيات ضغطت باتجاه تأمين القطع،

أخرج هؤلاء التجار “التصدير” من قاموسهم بحجة تأمين المواد الأساسية للسوق وما شابه، وكانت النتيجة تخمة السوق بجميع المواد الكمالية ومن معظم الأصناف..!.

ليس هذا فحسب بل إن أغلب تجارنا تحوّلوا إلى وكلاء، واكتفوا باقتناء فاكسات يراسلون عن طريقها الشركات المتعاملين معها في الخارج، لتقوم الأخيرة بناءً على مضمون الفاكس بإرسال الطلبيات إلى المرفأ،

وعندها يأتي شيوخ الكار الجدد لاستلامها وتوزيعها على الأسواق المحلية دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السفر أو حتى معاينة البضاعة في بلد المنشأ، ما حدا ببعضهم إلى تسميتهم (تجار المراسلة)..!.

لن نبخس عمل بعض التجار الآخرين الذين آثروا البقاء في البلد واستثمار علاقاتهم التجارية الخارجية لتأمين المواد الأساسية وخاصة مستلزمات الإنتاج، ومحاولاتهم تنشيط التصدير،

إلا أن المشهد العام لخريطتنا التجارية ينمّ عن تدني نسبة هؤلاء وقلة عددهم، ويشي بأن تصدير المنتجات السورية وخاصة إلى دول الجوار ينشط في كثير من الأحيان طرداً مع نشاط التجار غير السوريين الذين يشحنون بين الفينة والأخرى البضائع السورية إلى بلدانهم…!.

على العموم… تجارنا اليوم على محكّ توضيح مفهوم التاجر السوري، وتحديد مسارات التعاطي مع مسألة الاستيراد والتصدير بشكل متوازن، ولا نقصد بـ”متوازن” المعنى الحرفي للكلمة وتساوي كفتَي هذا الركن ولاسيما في الظرف الراهن، وإنما ضبط آلية مسارات هذا التعاطي وفق مقتضيات المرحلة المرتبطة بالدرجة الأولى مع حاجة السوق..!.

 

“جريدة البعث”


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام