اللاجئون السوريون في مخيمات زحلة

لم يختاروا رحلة لجوئهم إلى لبنان طواعية، بل كانت رحلة قسرية بعد أن طحنت رحى الحرب، منازلهم وأقرباءهم ومصادر رزقهم، بل حتى أحلامهم طالتها يد الموت، عبرت قافلتهم الحدود، فظنوا أنهم سلموا من الجحيم إلى بر الأمان، لكن هذا البلد لم يكن شقيقاً لهم ولا حتى صديقاً ودوداً، فبنوا خيمهم على عجل، بعد صولات وجولات من الموافقات الأمنية، غير مدركين أن الخيمة أصبحت منزلهم الجديد الدائم، انطلقوا إلى سوق العمل في زحلة ملؤهم الأمل بمستقبل معيشي أفضل، لكن بيئة العمل هنا تشبه إلى حد بعيد المستنقعات، وأرباب العمل كالبعوض يلسعون ويمصون دم العامل السوري، الذي سيرضى مكرهاً مبتسماً بأي أجر، شاكراً ربه على هذه النعمة، لم يلقوا حتفهم هنا بل لاقوا أبشع أنواع الاستغلال وأسوأ ظروف العمل، في جو من العنصرية البغيضة، على شاكلة أغنية شربل خليل (يا عين ع السوريين بالأرض اللبنانية).

خيمة ضمن مخيم

سامي (18عاماَ) تحدث عن أوضاعه المعيشية في مدينة زحلة، يقول سامي: «تركت الدراسة في سورية، ولجأت إلى لبنان هرباً من الموت والحرب، و بسبب ضيق الأحوال المعيشية في إدلب، وتراكم الديون بعد وفاة أبي، بدأت أبحث عن عمل كي أحصل على بعض النقود وأعيل عائلتي، ولأنني لم أستطع استئجار بيت نتيجة غلاء بدل الإيجار بشكل كبير، بنيت خيمة ضمن مخيم للسوريين، حيث قاربت تكلفة بناء خيمة لـ 5 أشخاص حوالي 2 مليون ليرة لبنانية، ولم يحالفني الحظ في إيجاد عمل مناسب، فبدأت العمل في شركة توزيع «ويسكي» منذ عام 2013، وما زالت أعمل حتى اليوم براتب شهري مقداره 500 ألف ليرة لبنانية، في حين أن العامل اللبناني لا يقل راتبه عن 900 ألف ليرة لبنانية لنفس العمل، وهذا تمييز وعنصرية واضحة للعيان، اللاجئ السوري مضطر للعمل براتب أقل من 300 دولار، في حين يرفض اللبناني أداء نفس العمل مقابل مليون ليرة لبنانية، أي حوالي 700 دولار تقريباً، كما أن طبيعة عملي متعبة جسدياً، فمهمتي هي تحميل البضائع إلى الشاحنات، وتفريغها ثم توزيعها في مناطق مختلفة كل يوم، يبدأ عملنا في الشركة من الساعة 7 صباحاً حتى الساعة 5 مساء، بمعدل 12 ساعة عمل تقريباَ، من دون أي استراحة، باستثناء نصف ساعة للغداء، ولدي يوم عطلة وحيد هو الأحد، إن أي غياب في يوم آخر يعرضني لخصم نحو 20 ألف ليرة لبنانية من الراتب، حتى أن المدير يخصم من راتبنا مقابل كل غرض يكسر أثناء التحميل. ضحك سامي كثيراً عندما سألناه إذا ما كان هناك أي تأمين صحي أو تعويض أضرار جسدية ناشئة عن طبيعة العمل.

غير شرعي؟!

«تزوجتُ ابنة عمي لقاء مهر مقداره 2 مليون ليرة لبنانية، ومع تكاليف العرس والزفاف ارتفعت التكلفة لنحو 5 ملايين ليرة لبنانية» يقول مصطفى ويضيف: «زوجتي حامل الآن، وأنا لست مسجلاً على قوائم الأمم المتحدة للاجئين، لذلك أنا مضطر لدفع تكلفة عملية الولادة التي تزيد عن مليون ليرة لبنانية، ضمن المستشفيات الحكومية، في حين أن المسجلين ضمن القوائم يدفعون نحو 300 ألف ليرة لبنانية».

ويوضح مصطفى: أنا أعتبر مقيم بشكل غير شرعي، وكثير من الأحيان نتعرض لمضايقات أمنية، فمنذ فترة قصيرة داهم الدرك اللبناني مخيماتنا واعتقلني لمدة يومين وذلك لأنني مطالب بكفيل لبناني، فتكلفة الكفالة تقارب مليوني ليرة لبنانية، ومعظم اللاجئين لا يملكون مالاً كافياً لتجديدها في كل عام، لذلك قاموا بضربي وشتمي ثم أطلقوا سراحي، وهذا حال آلاف اللاجئين الشباب المقيمين بشكل غير شرعي، على الأرض اللبنانية»..

أما عن تكاليف الدراسة فيؤكد: تبلغ تكلفة دراسة الطفل في المدارس الخاصة اللبنانية نحو 3 مليون ليرة لبنانية سنوياً، في القرى النائية، أما في المدارس العامة الحكومية فالتكلفة تصبح نحو مليون ليرة لبنانية، من جهة أخرى يدرس الأطفال المسجلين لدى منظمة الأمم المتحدة ضمن مدارس وخيم خاصة، وغالباً ما تكون الحصص عبارة عن استماع إلى الأغاني والتسلية والألعاب.

أجر المرأة السورية 6 آلاف ليرة لبنانية

تتقاسم أم وليد (60 عاماَ) السكن في المخيم ذاته الذي يضم نحو 50 خيمة، أصغر واحدة تحتوي 3 أشخاص، ويرتفع العدد ليصل إلى 15 شخصاً في الخيمة الواحدة أحياناً، وتتحدث أم وليد لـ”الأيام” عن طبيعة الظروف المعيشية هنا: «نعمل في مدينة زحلة – منطقة الفيضة، حيث نخرج من الساعة 7 صباحاً حتى الساعة 1 ظهراً، أي نعمل لمدة 5 ساعات تقريباً بشكل يومي مقابل 6 آلاف ليرة لبنانية لكل امرأة، نقضي أغلب فصل الشتاء دون عمل، لنبدأ مع أول الصيف بعد أن نكون قد زرعنا البطاطا التي تستمر فترة زراعتها لمدة 3 أشهر، بعد ذلك نبدأ بجني محصولها خلال فترة شهرين، لننتقل إلى العمل في موسم العنب الذي يستمر لمدة شهرين أيضاً، ثم نعمل في موسم الكرز لمدة شهر واحد مقابل نفس الأجر، وهكذا مع موسم التفاح. نعمل في الجبال المجاورة أحياناً في قطف الكرز والمشمش والخوخ، وبعد ذلك نقوم بلم الحطب مقابل 10 آلاف ليرة لبنانية، لكن (الشاويش) يخصم 4 آلاف ليرة لبنانية منها ليبقى 6 آلاف ليرة لبنانية فقط».

اعتماد على المعونات الدولية

يعتمد معظم اللاجئين على مساعدات الأمم المتحدة بشكل كبير، إذ تحصل شهرياً كل أسرة مؤلفة من 4 أشخاص على 260 ألف ليرة لبنانية لمدة 4 أشهر من فصل الشتاء فقط، بالإضافة إلى (بطاقة معونة غذائية) حيث يحصل كل فرد على مبلغ 35 ألف ليرة لبنانية شهرياً، لشراء بعض الحاجات مثل السكر، والسمك، والزيت، والرز، من بعض محلات السوبرماركت المتعاونين مع منظمة الأمم، في حين تُقدم منظمات نرويجية معدات وأدوات للغسيل والمطبخ، وأحياناً تعطي هذه المنظمات مساعدات مالية لشراء مادة المازوت.

إيجار الخيمة 500 دولار سنوياً

يحمل أسعد (30 عاماً وأب لـ 3 أطفال) أعباء مادية كبيرة حيث يقول: «بناء خيمة جديدة الآن يحتاج إلى موافقة البلدية وأمن الدولة، أيضاً يبلغ الإيجار السنوي للخيمة الواحدة 500 دولار، أي حوالي 20 ألف ليرة سورية شهرياً، في حين أن بعض السوريين يبنون مخيمهم على قطعة من الأرض يملكها صاحب الأملاك الذي يعملون لديه من دون أن يدفعوا أي أجور سنوية مقابل السخرة في أملاكه الزراعية. يوضح أسعد: «لا تستطيع أن تعيش هنا يوما واحدا من دون عمل، وإلا ستموت من الجوع»، مضيفاً «جارتي أم علي عمرها 80 عاماً تعمل يومياً في الزراعة مقابل 6 آلاف ليرة لبنانية فقط».

 

المصدر: جريدة الأيام


مقالة ذات صلة:

قاصرات ضحايا للزواج المبكر في مخيمات الجوار


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

Mountain View