المخطوفون المحررون

عن صحيفة الأيام _ لودي علي

لم أر الشمس منذ تاريخ 15-8- 2017 حتى اليوم الذي خرجت فيه 26-3-2018، مات أبي بين يدي هناك.. وفقدت ساقي… جعت، تألمت، وعشت الذل والقهر، لكنني لم أفقد الأمل في الخروج يوماً.

أبو جوليا «وائل العبيد» الرجل الخمسيني حُرِّر من مختطفيه في الغوطة الشرقية، قبل أيام، ليروي لـ”الأيام” قصة ألم انتهت على يد الجيش العربي السوري.

«كنت أحضر الدواء لأبي في عدرا العمالية، سمعنا أن المسلحين دخلوا المدينة، لكن لم أكن أملك خيار المغادرة فأبي عاجز، خطفنا معا من قبل «جيش الإسلام» يومها 11-12-2013، وأخذونا مع عدد كبير من المخطوفين إلى دوما «سجن التوبة»، وزعونا فيما بينهم فكنا من حصة «فيلق الرحمن» الذي نقلنا إلى زملكا.

لم يتحمل أبي المسن تلك الظروف القاسية، فارق الحياة بعد عشرة أيام، ما حرق قلبي أنهم لم يسمحوا لي بدفنه بل انهالوا علي بالشتائم والضرب لأنني طلبت ذلك.

مهمات الموت

وعن تفاصيل الحياة في الأسر يقول «أبو جوليا»: حُكم علينا بالإعدام من قبل «أبو سليمان طيفور» من دوما، لم ينفذوا الحكم إلا أنهم كان يزجون بنا بالمهمات القاتلة.

كنت مهتماً بتذكير نفسي بالتاريخ كل يوم، لم أكن أريد أن انفصل عن الزمن، وعن تفاصيل الحادثة التي فقد فيها ساقه يقول: كنا نحفر نفقا بين عربين وإدارة المركبات مهددين بالسلاح، فُجّر النفق وبدأت الألغام التي زرعها المسلحون فيه بالانفجار ما أدى الى إصابتي، نقلت إلى مستشفى لأترك هناك حتى الصباح، وأنا غارق بدمي وأوجاعي وبعد عدة أيام نُقلت إلى مستشفى آخر، وخُيرت إذا كنت أريد أن يقطعوا ساقي من تحت الركبة او يتركوها عرضة «للغرغرينا»، قررت في تلك اللحظة قطعها… وعدت إلى السجن في عين ترما دون أية عناية أو دواء، العناية الإلهية تلطفت بي.

غنائم تُباع وتُشترى

في قصة أخرى يروي «عهد السلوم» الذي خرج أيضا منذ أيام حكاية خطفه المريرة، يقول الفتى الذي خُطف وهو ابن 16 عاما مع أمه وأخته : خُطفنا من عدرا العمالية، أمي وأختي سبقتاني بالخروج منذ حوالي سنة، أصعب ما عشته هو رؤية أمي وأختي تتعذبان أمامي، وتعانيان القهر والجوع والذل والمرض، وأنا عاجز عن فعل أي شيء، كنت أراهما هناك بالصدفة، حتى أني علمت أنهما خرجتا أيضا عن طريق الصدفة.

يتابع عهد: المخطوفون هناك يعاملون على أنهم غنائم، ويتم بيعهم وشراؤهم من قبل الفصائل المختلفة، ذلك بعد أن قُسّموا على تلك الفصائل في الأيام الأولى لخطفهم. كنّا في البداية مع «جيش الإسلام»، ثم تم بيعنا إلى ما يسمى «الاتحاد الإسلامي» التابع لـ «فيلق الرحمن»، المجموعة التي أمضيت معها سنوات الخطف مؤلفة من 19 شابا استشهد منهم أربعة.

وعن حياته هناك يقول الشاب: مرت السنوات مليئة بشتى أنواع العذاب والقهر، إلى جانب المهمات التي كانوا يجبروننا على تنفيذها، أبرزها حفر الأنفاق وزراعة الألغام، كنا نحفر 12 ساعة في اليوم، ونمضي بقية وقتنا تحت الأرض مع طعام سيئ «رغيف خبر والقليل من المرق»، والأوقات التي لم نكن نحفر فيها، كنا نلهي أنفسنا بقراءة الكتب التي نحصل عليها من بعض بيوت الغوطة حيث كان يطلب منا المسلحون أن نسرقها لهم، تحت ما يسمى «التعشيب»، على اعتبار أصحابها كفار، ومن غير طوائف وهذا كذب طبعا، الحقيقة أنهم سرقوا بعضهم وسرقوا أهلهم المدنيين ولم يوفروا أحداً.

ويضيف: ضربوني بسبب طائفتي، وعذبونا وحاولوا إحباطنا وإيهامنا أن الدولة والجيش وأهلنا تخلوا عنا ، إلا أننا لم نفقد الأمل، ولم يستطيعوا تشويه صورة الجيش والرئيس في ذهننا مهما حاولوا.

بالانتظار …

أما «ولاء محمد» وهي المختطفة المحررة منذ حوالي العام، فلاتزال تنتظر وصول أمها وأخيها المخطوفين، عند المعبر وكلها أمل أن يعودا إليها سالمين، ولاء عاشت بعمر التسعة عشر عاما، ولمدة ثلاث سنوات وسبع أشهر، في الخطف، تنقلت خلال تلك الفترة بين مناطق الغوطة الشرقية، وبيعت لـ «جبهة النصرة» لتمضي أغلب سنوات خطفها تحت رحمة أولئك القتلة، الذين لم يتوانوا عن تعذيبها وذويها بشتى أنواع العذاب. خرجت ولاء بظروف جسدية ونفسية صعبة، تاركة وراءها أمها وأختها وأخيها، ليصلها بعد 7 أشهر من خروجها، خبر استشهاد أختها الذي كان الأصعب في حياتها، لايزال الأمل عند ولاء في أن يحمل اليوم أو غدا خبرا لطالما انتظرته، وهو أن تعود إلى عائلتها ويجتمعون معا مجددا.

عملية الغوطة من الداخل

بدأت أخبار تقدّم الجيش تصل إلى آذان المخطوفين، حاملة معها إثباتا أن ثقتهم بالجيش لم تكن في غير محلها، يؤكد «عهد»: لم نفقد الأمل يوما في الخروج، وكاد الجيش يصل إلينا عدة مرات، إلا أنهم وفي كل مرة كانوا يهرّبوننا عبر أنفاقهم إلى مناطق أخرى. كنا في عين ترما في سجن 77، نقلنا بعدها إلى زملكا، في النهاية تم تسليمنا للأمم المتحدة وعدنا إلى الجيش وأهالينا، في يوم لن يمحى من ذاكرتي قط.

عندما بدأ الجيش تحرير الغوطة، انتشرت الأخبار في أن المخطوفين في كفربطنا كانوا على وشك الإعدام بشكل جماعي، إلا أنه تم التوقف عن هذا القرار في آخر لحظة، ومع تلك الأخبار هرب شابان، وبعد أيام تم تحرير 8 مخطوفين، أحس المخطوفون حينها أن الفرج بات قريباً.

الرضوخ للتسوية هو الأمر الذي لم يسمع المخطوفون نقاشا فيه البتة، فجأة أخبروهم أنهم سيخرجون بعد أيام، فالمسلحون ينفذون الأوامر فقط، ولم يتناقشوا بشيء حسب ما أكده المخطوفون.

المعنى الحقيقي للتسامح

أبو جوليا ورغم كل الخسارات والقهر طلب في نهاية لقاء”الأيام” معه، أن يعمل كل المعنيين على إعادة المسلحين إلى رشدهم، من خلال معالجة مشكلة جهلهم وفراغهم الفكري، الذي لمسه بشكل مباشر. يقول «وائل العبيد»: اليوم نحن أمام مواجهة تستحق الاهتمام، حيث يجب أن يتم العمل على إعادة التعبئة الفكرية لهؤلاء الشباب فهم في النهاية سوريون، منهم السيء ومنهم الجيد، غرّر بهم، ونظراً لجهلهم انقادوا خلف ما قيل لهم أنه الاتجاه الصحيح، لذا يجب ألا نخسرهم ونسمح لمشايخ الفتنة بالاستمرار بتعبئة عقولهم، يجب علينا تعبئتها، بالفكر والعلم والثقافة لإبعاد الفتن والجهل، في النهاية نحن سوريون وسورية ومستقبلها لنا، وعلينا الحفاظ عليها.

يضيف أبو جوليا: المسلحون عندما هممنا بركوب السيارة التي ستقلّنا إلى الحرية طلبوا منا أن نسامحهم، وأنا شخصيا سامحتهم، أحدهم عندما طلب ذلك بكى، وأشاح وجهه وذهب رغم أنه قتل وأجرم وعذّب. في النهاية هذا يدلّ على أن الأمل بمستقبل مشترك وآمن وجيد، لايزال موجودا وعلينا جميعا أن نعمل على بنائه.

لا شيء يمكن أن يقال بعد كلام هذا الرجل، فبعد كل ما حل به، بقي الوطن أولا ومصلحته هي المصلحة العليا، وجهل أبنائه وضلالهم هي مسؤوليه العاقلين فيه.


مقالة ذات صلة:

دوما: المخطوفون إلى أهاليهم و المسلحون إلى مصيرهم


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام