المدن السورية تغرق

ساعات قليلة من المطر كانت كفيلة بأن تُسقط القناع عن الوجه الحقيقي لما يسمى بإدارة الكوارث، تلك الإدارة التي تبين أنها مفقودة، وأن جاهزيتها شبه معدومة للتعامل مع الحالات الطارئة، مع العلم أن الذي حدث ويحدث ويتكرر كل عام من مشهد طوفانات الشوارع في العاصمة وباقي المدن السورية لا يرقى إلى ميدان الكارثة بعد، فكيف إذا ما اشتد غضب الطبيعة يوماً ما واستمرت الهطولات المطرية لأيام أطول وبغزارة كبيرة، وتحولت تلك الأمطار إلى «كارثة» بالمعنى الحقيقي للكلمة، كارثة طبيعية تدمر المباني وتقطع الطرقات وتجرف السيارات، والبشر وتقتلع الأشجار وتحطم كل ما في طريقها؟ كيف سيكون الحال عليه لو أن إعصاراً مثلاً قد ضرب أحد المدن السورية مثل تلك الأعاصير الجبارة التي تضرب الكثير من مدن العالم؟! يبدو أن السوريين مسكونون بالأزمات، فإن لم تكن اقتصادية كانت سياسية، وإن لم تكن سياسية كانت طبيعية، لكنهم اليوم أصبحوا مسكونين بالأزمات كلها معاً.

ساعة مطر تكشف فشل الاقتصاد

قليل من المطر يكشف كل عام فشل خمسين عاماً من التنمية والاقتصاد، وقد بات واضحاً أنه لا يوجد هناك حالة من الاستعداد والجاهزية لمواجهة أبسط التغيرات المناخية وأقلها شدة، وبات من الواضح أكثر أن عمليات التخطيط للمدن والطرقات لم ترقَ بعد، إلى حالة من التطور والحداثة لتتعامل مع موسم أمطار واحد، والأهم من ذلك كله أن المسؤولية محمولة على أكتاف جهات عدة كنعش متجه إلى مقبرة، وأن المساءلة عما يحدث معدومة أيضاً، فلا أحد منا يعرف اليوم من هو المسؤول عن تحويل المدن إلى مستنقعات وأنهار كلما أمطرت، ولم نشاهد في يوم من الأيام أو نسمع عن مسؤول حوسب، أو أقيل من منصبه بعد تلك الظواهر، فحتى الشفافية معدومة في التعامل مع هذه الحالات، مثلما لا يعرف أحد اليوم من هي الجهة المسؤولة عن إدارة الكوارث الطبيعية ونتائجها إن حدثت، كل ما نعرفه أن هذا الاقتصاد قد عجز تماماً عن تأمين بنية تحتية من شوارع وشبكات صرف، تمنع تكرار حالات الطوفان ضمن المدن.

حكومات باعت الوعود ورحلت

تمتلك الحكومات السورية المتعاقبة على إدارة البلد مهارة كبيرة في إطلاق الوعود، لكن المهارة الحقيقية لديها هي مهارة التنصل منها والتبرير لعدم تنفيذها، فعندما تقرأ الخطط الوزارية أو الخطط الخمسية، تشعر وكأن ما يفصلك عن أرقى دول العالم مسافة سنوات فقط، وبعد انقضاء تلك السنوات نجد أنفسنا نتراجع للوراء أكثر وأن كل دول العالم قد تجاوزتنا، ويمكننا القول إن العبارة التي تقول بأنه «في سورية يوجد خطط، لكن لا يوجد تخطيط» هي عبارة دقيقة تماماً ولا غبار عليها، فكتابة خطة على الورق شيء والعمل على تغيير المجتمع والبنى الاقتصادية شيء آخر.

ولو عدنا 13 عاماً للوراء وقرأنا ما كتبته الخطة الخمسية العاشرة للسنوات (2006- 2010) عما سيحدث للطرق في سورية وقارنا ما حدث لها فعلاً، وفي المناطق الآمنة على الأقل، كي لا نعلّق الفشل على شماعة الأزمة، لوجدنا الهوة الكبيرة بين المخطط والمنفَّذ فعلياً، إذ قالت الخطة الخمسية العاشرة حرفياً: بالمقارنة مع الدول العربيّة المجاورة، نجد أنّ كثافة الطرق العامّة في سوريّة تصل إلى مستوى مقارب لأفضل حالات هذه الدول ذات الظروف الجغرافيّة المماثلة بحيث تربط شبكة الطرق جميع المحافظات بما يحقق مرونة عالية في نقل الركاب والبضائع بين المراكز المختلفة بالمقارنة مع أنماط النقل الأخرى. ويمكن بالتالي القول بأنّ البنية التحتية الطرقيّة السوريّة قد حقّقت تطوّراً ملحوظاً من حيث الكمّ خلال العقد السابق، إلا أن نوعية وديمومة الرصف الطرقي والصيانة الطرقية وجودة هندسة المرور، ما زالت بحاجة إلى المزيد من الاهتمام والدراسات الفنية.

وبحسب الخطة نفسها، سيتمكن قطاع النقل خلال الخطتين الخمسيتين القادمتين وحتى عام 2015 من إنجاز عملية التحديث والتطوير التي ستمكنه من ردف التنمية الاجتماعية والاقتصادية، من خلال توفير شبكة طرق بمواصفات ومعايير دولية تربط مراكز الإنتاج بالاستهلاك وببوابات التصدير والاستيراد، وتربط سورية بدول الجوار وتؤمن النقل بكفاءة عالية، من خلال استمرار الدولة في دورها المحوري في تطوير البنى التحتية الأساسية لقطاع النقل، واختيار المشروعات بما يتماشى مع سياسة الدولة في الإصلاح الاقتصادي وتشغيل البنى التحتية في ظروف اقتصاد منفتح تنافسي وشفاف.

لكن ما الذي تحقق من كل ذلك الكلام يا ترى؟! لا الطرق أصبحت بمواصفات ومعايير دولية، ولا البنية التحتية تحدَّثت وتطورت، ولا الاقتصاد أصبحَ شفافاً وتنافسياً، كل ما حدث أن ساعات قليلة من الأمطار أو موسم شتاء واحد متكرر سنوياً كفيل بأن يعرّي تلك الحقائق المعلقة على مشجب التخطيط، وكفيل بأن يقول لك إن كتابة مجموعة عبارات منمقة وجميلة ومشوقة لن تصنع فرقاً في الواقع وفي حياة الناس مثلما أنها لم تجعل مدننا وشوارعها حضارية.

رسوم بالمليارات وخدمات بالعدم

واحدة من أبسط قواعد الحقوق الاقتصادية للمواطنين هي أن يحصلوا على خدمات مقابلة في القيمة لما يدفعونه سنوياً من ضرائب ورسوم لها، وأن يشعروا بأن ما دفعوه لم يذهب هباء منثورا، أو أنه لم يتبخر في مطابخ الفساد المتعددة، فالمواطنة الاقتصادية تقتضي التزام الفرد بواجباته المالية تجاه الحكومة، مقابل أن تلتزم الحكومة بواجباتها الخدمية تجاه المواطن أيضاً، وإذا طبقنا هذه القاعدة على حقوق أصحاب المركبات أولاً والمواطنين العاديين المستخدمين لها ثانياً، لوجدنا أن هناك غبناً كبيراً يلحق بهم، فمن حق السائق ومركبته أن يحصلا على خدمات طرقية جيدة المواصفات مقابل ما يدفعونه من أموال، ومن حق المواطن أيضاً أن يحصل على جودة طرق ومصارف مياه مقابل ما يدفعه من ضرائب وما يتحمله من تكاليف نقل عالية، فلماذا يدفع السائقون والمواطنون الرسوم والضرائب، والطرقات ما تزال في أدنى مستوياتها خدمياً؟

وبلغة الأرقام نقول إن قيمة الرسوم المستوفاة من المركبات في عام 2013 وحسب بيانات وزارة النقل كانت حوالي 1.464 مليار ليرة، وقد اعتبرتها الوزارة في حينها بأنها واحدة من أسوأ سنوات التحصيل بفعل الأزمة، لكن تلك الرسوم قفزت في عام 2014 إلى حوالي 2.855 مليار ليرة، أي أنها زادت بنسبة 95% وهي نسبة كبيرة جداً في حينها، ولم تتوقف هذه الرسوم عن الارتفاع طيلة السنوات التي تليها، فقيمة الرسوم المستوفاة من المركبات في النصف الأول من عام 2016 كانت حوالي 6 مليار ليرة سورية في حين بلغت الرسوم المستوفاة عن كامل عام 2016 حوالي 17.123 مليار ليرة سورية، وإذا قارنا هذا الرقم مع رقم عام 2014 فقط، نجد أن تلك الرسوم زادت بنسبة 495% خلال سنتين، وفي متابعة لزيادة أرقام الرسوم نجد أن قيمة الرسوم المستوفاة من المركبات عن أول شهرين فقط من عام 2017 كانت حوالي 1.860 مليار ليرة سورية.

حوالي 21.4 مليار ليرة دخلت خزينة الدولة السورية خلال سنوات 2013 و2014 و2016 فقط من رسوم السيارات، والرسوم التي كانت تتصاعد باستمرار قابلها تراجع واضح في خدمات البنية التحتية للشوارع. وشبكات تصريف المياه كشفت عن هشاشتها أمام ساعات قليلة من الأمطار محولة تلك الشوارع إلى أنهار جارفة السيارات معها، والآن كيف يمكن إقناع المواطنين بأن ما دفعوه لم يذهب مع الريح؟ كيف يمكن إقناع من تضررت سياراته ومنزله أن ما يدفعه كل عام سوف يعود عليه بالنفع؟

إن ما يحدث لا يعدو كونه أكثر من استمرار في تدهور الحقوق الاقتصادية للمواطنين، وفشل في إدارة وتخصيص الموارد المالية من قبل الحكومات المتتابعة.

قروض ومنح خارجية لشوارع ومجاري محلية

ربما لم تكن موارد الحكومات السورية المتعاقبة كافية لتمويل تصميم وإنشاء شبكة الطرق بين المحافظات، أو ربما أن تلك الحكومات المتعاقبة لم ترغب في ضخ أموال موازناتها في مشاريع بهذا الحجم وفضلت تحويلها إلى مجالات إنفاق أخرى، رغم أن البيانات المالية للحكومة كانت تكشف عن عدم تنفيذ ما يخصص للإنفاق الاستثماري في موازنات الوزارات بشكل كامل، وبأن وسطي نسب تنفيذ ذلك الإنفاق لم تكن لتتجاوز 70% سنوياً، وعلى الرغم من ذلك فقد توجهت الحكومات السورية المتعاقبة منذ عام 1990 إلى الاقتراض من الخارج من أجل تمويل بعض مشاريع البنية التحتية الكثيرة كالكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والطرقات أيضاً، وقد فضلت الحكومات السورية التوجه إلى صناديق الاقتراض العربية لتمويل تلك المشروعات، لما له من مزايا جيدة كانخفاض معدلات الفائدة على القروض، والتي كانت تتراوح ما بين 3% إلى 5%، وطول مدة القروض التي تصل إلى 20 سنة أحياناً، ووجود فترات سماح تصل لـ5 سنوات، أي أن التسهيلات كانت مغرية للاقتراض والإنفاق.

لقد نالت شبكات الطرق ما بين المحافظات نصيباً جيداً من تلك القروض، فها هو مشروع طريق الرقة – دير الزور يمول في العام 1999 من الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الكويت، بقرض قيمته 6 مليون دينار كويتي من الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الكويت، ليتبعه مشروع طريق أريحا اللاذقية الذي مُوّل في العام 2000 من الصندوق ذاته بقرض قيمته 30 مليون دينار كويتي، وفي عام 2009 صادقت سورية على اتفاقية قرض جديد لتمويل طريق دير الزور – البوكمال بقيمة 16 مليون دينار كويتي من الصندوق ذاته أيضاً، أما في عام 2010 فقد صادقت الحكومة السورية على اتفاقية قرض من أجل إحداث صندوق دعم مشاريع البنية التحتية البلدية والبيئية في سورية، مع بنك الاستثمار الأوروبي بقيمة 100 مليون يورو، وقد وافق بنك الاستثمار الأوروبي على تقديم تمويل بقيمة 50 مليون يورو للحكومة السورية لدعم ذلك الصندوق.

أما في مجال الصرف الصحي فقد حصلت الحكومة السورية على العديد من القروض الخارجية لتمويل تلك المشاريع، منها على سبيل المثال مشروع مجاري حلب بقيمة 12.5 مليون دينار كويتي في عام 1990، ومشروع مجاري حمص وحماه بقيمة 9.5 مليون دينار كويتي في عام 1990 أيضاً، يضاف إليها مشروع الصرف الصحي لمدينة دمشق بقيمة 30 مليون دينار كويتي في عام 1990، وقد كانت تلك القروض ممولة كلها من الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الكويت، أما في العام 2010 فقد حصلت سورية ومن أجل تنفيذ مشروع إمدادات المياه والصرف الصحي في السيدة زينب، على قرض ومنحة من مصرف إعادة الإعمار الألماني قدرها 50.2 مليون يورو منها مبلغ 45.2 مليون يورو قرض ميسر و5 مليون يورو منحة لا ترد. قروض ومنح ومساعدات بالملايين لتطوير البنية التحتية وتحديداً الطرق والصرف الصحي، لكن تلك البنية لم تتطور من أسف، وبقيت متخلفة وقاصرة عن استيعاب فصل شتاء واحد، أو ربما عاصفة مطرية لمدة ساعات، فرص مالية قدمتها منظمات تمويل عربية وأوروبية وبشروط تمويل ميسرة جداً، لتطوير الطرق والصرف الصحي كانت كفيلة بتحديث الطرقات وجعلها بمواصفات قياسية عالمية فعلاً، لكن القروض كانت دولية والشوارع بقيت وطنية بامتياز.

لغز الطرقات السورية

طالما أن لدى الحكومة موارد مالية هائلة من رسوم نقل المركبات فقط، وطالما أن لها القدرة على الاقتراض الخارجي الميسر والمخصص لمشاريع الطرقات والصرف الصحي تحديداً، وطالما أن لديها القدرة على تخصيص مبالغ كبيرة للإنفاق على تطوير الطرقات، كالمبلغ الذي خصصته وزارة النقل لمحافظة حماه هذا العام من أجل تطوير طرقاتها وصيانتها وتجديدها والبالغ 21.7 مليار ليرة سورية، وطالما تتوافر لديها الخبرات الهندسية المؤهلة، وطالما أن لديها المعدات والتجهيزات الفنية اللازمة، فلماذا تبقى طرقاتنا رديئة إلى هذا الحد؟ ربما الفساد هو حلقة الوصل بين مليارات تُجبى ومليارات تُنفق.

 

صحيفة الأيام


مقالة ذات صلة:

الأمطار الغزيرة تكشف سوء البنى التحتية لمحافظة دمشق