عندما يتضخم الفساد في مؤسسة ما، يصح القول وبدون تردد إن هذا الفساد يلقى الرعاية أو على الأقل يتم التغاضي عنه من قبل الحلقات العليا في المؤسسة أو في الوزارة التي تتبع لها “على الأقل”، إن لم يكن الحامي في حلقات ومستويات أعلى.

هاشتاغ سوريا – خاص

هذا الحكم “السريع” ينطبق كثيراً على ما نحن أمامه : فساد يزكم الأنوف في مشفى التوليد الجامعي بحلب، برعاية “كريمة” من وزارة التعليم العالي التي يتبع لها المستشفى، وللعلم فإن الرعاية هنا قد تعني التورط المباشر بالقضية، أو الصمت والسكوت عنها، وهذا نوع من التواطؤ لا يقل خطورةً عن المشاركة المباشرة.

البداية .. محاولة للفلفة!
أثار الزميل باسل محرز عبر إذاعة المدينة أف أم منذ أشهر، قضية وجود أدوية تخدير غير فعالة ضمن مستشفى التوليد و أمراض النساء بحلب، الأمر الذي كان صاعقاً للمستمعين و لمقدم البرنامج نفسه خلال شرح رئيس القسم المسؤول سابقاً الدكتور عبد المهدي حمود على الهواء مباشرة عن آثار هذا الدواء على المرضى، لكن سرعان ماتمت لفلفة الموضوع باستبدال أدوية التخدير بأخرى فعالة من قبل إدارة المشفى .
لم يمضِ على الموضوع بضعة أشهر حتى تم اكتشاف و محاولة إثارة موضوع أكبر من السابق، ويتعلق بأرواح المواطنين السوريين، و هو وجود أخطاء بالنتائج المخبرية، و فساد مستشري ضمن مخبر المستشفى نفسه، الأمر الذي كلف مثير الموضوع إعفاؤه من رئاسة القسم!!

ملايين .. ملايين!
بدأ صراع الخير و الشر ضمن المستشفى، حيث حاول بعض المعنيين “لفلفة” الموضوع و تشكيل لجان هدفها تمييع الموضوع، لكن تحرك الضابطة العدلية كان أسرع من محاولات الاحتواء، حيث تم إلقاء القبض على متعهد توريد المواد المخبرية للمستشفى ( وهو متعهد للعديد من المستشفيات الأخرى) المدعو عبد الرحمن أبيض، و شريكه نضال سمان، المسؤول عن مخبر المستشفى، وليبدأ التحقيق معهما بقضايا عدة، أهمها إدخال تجهيزات وهمية إلى مخبر المستشفى من بينها (جهاز كوبس) سعره الحقيقي 25 مليون بينما تم تسجيل قيمته على القيود بمبلغ 80 مليون ليرة، و تسجيل المستهلكات المخبرية و هي بمئات الملايين، بأضعاف سعرها الحقيقي ، وأيضاً استجرار مواد مستهلكة بكميات تفوق حاجة المستشفى بأضعاف.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث تقول مصادر خاصة إنه تبين خلال التحقيقات و”بالصدفة” أن مدير المستشفى متورط هو الآخر بصيانة منزله كاملاً على حساب المستشفى، بعد أن قام بإجراء صيانة للطابق الأول بالمستشفى وإخراج صرفيات مالية للمنزل تزامناً مع تلك الصيانة على أنها أعمال صيانة للمستشفى.

التحاليل الخاطئة .. ظاهرة!
يقول أطباء التقاهم “هاشتاغ سوريا” وفضلوا عدم الكشف عن أسمائهم، إن أخطاء التحاليل تكررت في عدة مشافي حكومية سواء مشفى حلب الجامعي أو الرازي أو مشفى أمراض النساء، وذلك بسبب المواد الفاسدة التي يتم استجرارها من قبل إدارات تلك المشافي، وعن طريقة كشفهم لأخطاء المخابر صرح الأطباء أنه لكل حالة مرضية نتيجة تقريبية متوقعة للمريض، كأن يكون لون وجه المريض أصفر وقد نزف كمية من الدماء، لتصدر نتيجة خضاب الدم مرتفعة فهذا أمر مستحيل وهذا ما حصل مع عدة أطباء، الأمر الذي جعلهم يطلبون إعادة تحليل في مخابر خاصة لتبيان النتيجة الحقيقية للمرض.
وعن خطورة الموضوع على المريض أفاد أطباء أن أي تحليل خاطئ يؤدي إلى تشخيص خاطئ وإلى خطة علاج خاطئة.

الطلاب .. ضحايا و معاقبون! 
يبقى في تلك الدائرة المحيطة بحيتان الفساد (طلاب الدراسات)، وهم خريجو كلية الطب الذين يتدربون في تلك المشافي وينهون سنوات اختصاصهم ضمن محيط غير صحي وغير مناسب “أكاديمياً) ، ويصف بعض الطلاب الواقع الموجود في مستشفيات وزارة التعليم بأنه أشبه بـ”صراع الجبابرة” بين أساتذة لا يريدون تعليمهم وإكسابهم الخبرات العملية اللازمة، وآخرين لا يريدونهم أن يروا هذا الفساد، وإدارة تتمنن عليهم بمنحهم العلم ضمن المستشفيات، وتحديداً مستشفى التوليد الذي قررت إدارته معاقبة طلاب الدراسات بتوجيه إنذار لهم رغم صدور تقرير بعدم مسؤوليتهم عن أخطاء المخبر الذي أكد التقرير نفسه على براءتهم بقوله “لا يوجد إشراف طبي مباشر للمخبر”.

زيارة مشبوهة! 
معاون وزير التعليم العالي لشؤون المستشفيات الدكتور حسن جبجي زار مدينة حلب للاطلاع على واقع مستشفى التوليد والنسائية، حسب الإفادات الرسمية، لكن زيارته لم تستمر سوى ساعات، ورافقته في زيارته إلى المستشفى زوجة المديرالمتواري (ليس لها أي صفة إدارية أو مهنية في المستشفى!) حيث اطلعا على بعض الوثائق الموجودة في مكتب المدير المتواري وعاد إلى الوزارة تاركاً الترهل والفساد الذي أصاب المستشفى وكأن شيئاً لم يكن!.

رئاسة الجامعة.. غير مسؤولة! 
رئيس جامعة حلب الدكتور مصطفى أفيوني أفاد في رد على سؤال “هاشتاغ سوريا” عما يحدث في المستشفيات التابعة لوزارة التعليم، وكم المتورطين في قضايا فساد غيره من المستشفيات الجامعية، أن لا ولاية له عليهم، فـ”هم مرتبطون ارتباطاً مباشراً بالوزارة حتى في أخذ الإجازات” بحسب قوله!

الصراصير .. هنا أيضاً!
في جولة لمراسل”هاشتاغ سوريا” إلى المستشفى، لاحظ حالة الإهمال وقلة النظافة وتدرة التعقيم في غرف العمليات. ومن الواضح أن غياب النظافة بات قاسماً مشتركاً في معظم مستشفياتنا الحكومية، ولم يكن مستشفى التوليد استثناءاً، خلال الجولة كان هناك العديد من الشكاوي ، حيث بادر أحد الموظفين في المستشفى بالحيث مع المراسل قائلاً “لا تعذب حالك، وهذه صورة وجبة المرضى البارحة ويريه صورة وجبة رديئة الصنع ممزوجة ب”صرصور” حيث باتت الصراصير ضيفاً دائماً ورفيقاً للمرضى في المستشفيات مع كل ما يعنيه ذلك من أمراض وأوبئة يمكن أن تنقلها هذه الحشرات.

 

ما بُني على باطل..! 
لدى محاولة “هاشتاغ سوريا” معرفة وجهة نظر معاون الوزيرالمعني بالموضوع، باءت محاولاتنا بالفشل، حيث رفض المعاون الحديث ، لكن مصادر أبلغت “هاشتاغ سوريا” أن الدكتور المذكور لم يكن من ملاك وزارة التعليم العالي سابقاً، وهو ليس أستاذ متدرجاً في التعليم الجامعي كما هو متبع بالنسبة لشاغلي مناصب وزارة التعليم العالي، بل كان يشغل منصب مدير صحة ريف دمشق أثناء ترؤس الوزارة من قبل الدكتور وائل الحلقي (قبل أن يصبح رئيساً للحكومة)، وتغمز المصادر بقولها : “نظراً لكفاءته” تم اقتراحه ليشغل منصب معاون وزير التعليم العالي لشؤون المستشفيات، وذلك بعد أن أصبح الحلقي رئيساً للحكومة، وليبقى رابط “الكفاءة” صامداً حتى بعد ذهاب الحلقي، لتبقى كفاءة المعاون ممتدة من الوزارة إلى كافة المستشفيات الجامعية في القطر، ومستشفى حلب الجامعي (الذي نشر هاشتاغ سوريا تحقيقاً عنه) نموذج عنها. ولا يختلف الحال في مستشفى التوليد و أمراض النساء الذي تستمر التحقيقات حوله منذ أسابيع، وتتشعب قضايا الفساد فيه بشكلٍ لم يعد خافياً على أحد، اللهم إلا ” الوزارة ” المعنية!.


مقالة ذات صلة : 

بالفيديو .. صراصير وفوضى وقرارات مجحفة في مستشفى الجامعة بحلب .. ومسؤول يرد كل المشافي فيها صراصير!