ألمانيا دائرة رعاية الشبابدائرة رعاية الشباب .. لها حق سحب حق الحضانة من الأهل

رغد البني ـ ألمانيا

«قصة درامية تصلح أن تكون فيلماً قصيراً مع بعض التعديلات» هكذا علّق الأستاذ في كلية الإعلام بجامعة هامبورغ ريشارد غايتنغر، حينما رويت له قصة صديقتي التي تركتها ابنتها سارة لتلجأ إلى «دائرة رعاية الشباب» في ألمانيا، منذ ما يزيد عن عام كامل، دون إثبات تعنيفها جسدياً، ودون السماح لذويها برؤيتها ولو لمرة واحدة.

والد الطفلة سارة، وكان يعمل أستاذاً جامعياً في دول الخليج، رحل بسكتة قلبية بعد نحو 4 أشهر على الحادثة، وبعد أن يأس من استرجاع ابنته.

غايتنغر الحاصل على أوسكار أفضل فيلم قصير، يقول: «رغم ذلك، لا يجب القول بأن الفتاة هي سبب وفاة والدها، وبالنهاية فإن دائرة رعاية الشباب تؤدي مسؤوليتها تجاه الطفلة التي طلبت العون، أما مسألة تدمير العائلة بعد ذلك فهو ليس من اختصاص دائرة رعاية الشباب»

لم أستغرب جوابه، خاصة أن عقلية الألمان تجاه انتزاع الطفل من حضانة أهله واضحة، بل إن كلامه يؤكده قانونياً المحامي في ولاية برلين «ديتمر أوباهايدي» (Dietmar Oberheide) الذي يقول لـ «هاشتاغ سيريا»: «وفق المادة 42 من (القانون الاجتماعي رقم 8)، يجب على مكاتب رعاية الشباب الالتزام برعاية الأطفال أو المراهقين عندما يطلب هؤلاء ذلك، أو حينما يكون هناك خطر طارئ يهدد رفاه الطفل أو الشاب»، ورأى أن «قانون رعاية الأطفال والشباب ينظم واجبات وحقوق مكاتب رعاية الشباب، ويقول القانون في هذا المجال أيضاً: يحق للطفل العيش في بيئة خالية من العنف والعقوبات الجسدية والنفسية كما يمنع منعاً باتاً تقبيل الأطفال أو تقديم الحلوى والألعاب لهم دون موافقة أهلهم وتنطبق هذه القوانين على جميع الأطفال المقيمين في الأراضي الألمانية دون العودة لجنسيتهم»

والد الطفلة سارة، وكان يعمل أستاذاً جامعياً في دول الخليج،

رحل بسكتة قلبية بعد نحو 4 أشهر على الحادثة، وبعد أن يأس من استرجاع ابنته

 

«باي باي لأهل لم يحترمونا»

والدة سارة التي تفتخر جداً باختصاصها العلمي الجامعي تكابد الأمرين جراء «المصيبة» التي حلت بها حسب تعبيرها، تقول: «زوجي كان الماء والحياة، بعده انطفأت الدنيا في عيني، لا أستطيع نسيان أنه مات قهراً، ولا أستطيع أن أسامح ابنتي على فعلتها، لكني مضطرة لتجاوز العتب واللوم إلى أن استردها وبعدها لكل حادث حديث»

وتؤكد أنها وزوجها الراحل لم يتعرضا بالضرب لابنتهما البالغة من العمر 15 عاماً، كما أن «دائرة رعاية الشباب» أيضاً لم تثبت تعرض الابنة للضرب.

لكن الموظفة التي تعمل وسيطاً بين دائرة رعاية الشباب والأم، تقول إن تقرير «دائرة رعاية الشباب» يقول بأن الفتاة ادعت على أهلها بأنهم ضربوها، وإن كان الأمر غير مثبت.

بطريقة ما، استطعنا التواصل مع الفتاة عبر تطبيق الواتس آب، لم تشأ الحديث عن هذا الموضوع للإعلام، ورأت أن ثمة حالات أخرى كثيرة يمكن الحديث عنها، واختتمت بإصرار: «حينما لا يحترم أهلنا قراراتنا وحياتنا، يجب أن نقول لهم باي باي»

لم تقتصر آثار «المصيبة» على فقدان الأب، وحزن صاحب الأم، بل امتد أيضاً إلى أخت سارة (7 أعوام) التي صارت تعاني وضعاً نفسياً سيئاً، وهي ترى البكاء المتواصل للأم، وصار هاجسها الوحيد عودة أختها.

من الحجاب إلى «الميتاليك»

سارة هي واحدة من أطفال كثر، سوريين وعرب، تدفع بهم أسباب كثيرة ليصلوا إلى حالة هجر المنزل والعائلة باتجاه «دائرة رعاية الشباب»، أو إلى أن تقوم تلك الدائرة بانتزاعهم من أحضان أهاليهم.

قد تشكل سارة نموذجاً، لبعض الأسباب عن الحالة الأولى، إذ وعبر متابعة حياة الفتاة وخاصة من خلال تتبع وسائل التواصل الاجتماعي، استطعنا معرفة بعض الأسباب التي دفعتها للتصرف بتلك القسوة مع أهلها.

تكفي المقارنة بين نمط حياة الفتاة الجديد، مع نمط عائلتها لنكتشف أن بعض أهم الأسباب هو رفض الفتاة للموروث الاجتماعي والديني، فالفتاة التي اعتادت على ارتداء الحجاب والاستيقاظ باكراً لأداء صلاة الفجر، هي ذاتها التي تحولت فيما بعد إلى إحدى أعضاء فرقة «الميتاليك» (Metalic: لون من ألوان موسيقى الروك، وتمتاز بقوة الموسيقى وحريتها من القيود، ويواجه الرفض من كثير من فئات المجتمع لزعمهم بأنه موسيقى شيطانية، وتتمحور بمعظمها حول الموت والجحيم).

حتى الأطفال الألمان يُنتزعون

سجلت دائرة الشباب الألمانية سحب أكثر من 84 ألف طفل ألماني وأجنبي من أسرهم في العام 2016 لأسباب مختلفة ووضعتهم تحت حماية الدولة، في إطار ما يسمى بالحضانة القسرية.

وطبقاً لمعطيات تناقلتها وكالات الأنباء نهاية العام الماضي، فإن دائرة الإحصاء الفدرالية الألمانية أوضحت أن إجمالي عدد الأطفال الذين تم سحبهم من أسرهم في ذلك العام بلغ 84 ألفا و230 طفلاً، بينهم نحو 23 ألمانياً، وستون ألفاً و864 أجنبياً.

كما انتشر تصريح صحفي لـ «كامل آطلاي»، رئيس جمعية «أوموط يلديزي» الناشطة في هذا المجال بألمانيا، يقول فيه: «ذوو الأصول الأجنبية في ألمانيا، يشكلون 10 في المئة تقريباً من إجمالي عدد السكان، لكن الأرقام المعلنة توضح أن الأطفال الأجانب المبعدين عن أسرهم يشكلون 3 أضعاف نظرائهم الألمان»

وإن كانت سارة قد تركت أهلها بمحض إرادتها، فإن هناك أطفالاً كثر آخرون تم انتزاعهم من أحضان أهلهم بالقوة، والكثير من حالات «إسقاط الحضانة» لم يكن سببه التعنيف الجسدي، بل إن الأسباب تتنوع، منها الإهمال، أو حتى نقص الرفاهية.
سيدة طلبت عدم الإفصاح عن اسمها قالت إن جارتها شكتها لدائرة الشباب كونها لا تخرج مع ابنتها لمدينة الألعاب، ولا تعطيها فرصة (لشم الهواء) خارج المنزل.

تقول السيدة إن «المشوار» خارج البيت بات الآن فرضاً عليها وعلى ابنتها، وأن الأخيرة غالباً لا ترغب بالخروج، بل قد تبكي حينما يأتي موعده، لكن الأم تضطر لتنفيذ ما تقوله الجارة حتى لا تعاود الاتصال مع دائرة الشباب!

الكامب السيء ولا البيت الدافئ

رغم مساوئه، إلا أن كثيراً من السوريين، يرون أن العيش في «كامبات» مؤقتة، هي على غاية من السوء، أفضل مما هو خارجه حين يسمعون قصصاً عن أهالٍ تم انتزاع أطفالهم منهم بالقوة بعد تحريض الجيران، إذ أن أي صوت يخرج من أحد البيوت يعتبره الألمان مصدر قلق لراحتهم، وخاصة إن كان صادراً عن طفل، بل ويعتبرون أن الإهمال سبب بكاء الطفل!

سيدة أخرى انتقلت منذ نحو 6 أشهر من إحدى أسوأ «كامبات» هامبورغ إلى بيت مستقل، تقول إنها ندمت على انتقالها، فحياة «الكامبات» على سوئها كانت مطمئنة أكثر لجهة الأطفال، تقول إن جارتها الألمانية أيضاً اشتكت عليها أمام «دائرة الشباب» بحجة أنها مهملة، وأن ابنتها تبكي صباح مساء، ما اضطر الأم لتلبية جميع احتياجات ابنتها دون أن تقول لها كلمة (لا) حتى لا تبكي.

هناك حالات كثيرة لأمهات انتزع منهن أطفالهن، بذرائع قد لا تكون مهمة بنظر الوالدين على الأقل:

حين ينام الطفل في المدرسة، قد يُعد ذلك مؤشراً على إهمال الأهل له، وأن الأم غير مهتمة بمواعيد نومه واستيقاظه، وأنها تسمح لها بالسهر لفترة طويلة، وبالتالي تعتبر هذه الأم مهملة ويسحب الطفل منها مباشرة.

النوم في الصف ..
«قلة المشاوير»
أسباب تؤدي إلى
«الحضانة القسرية»

تلعب المدرّسات دوراً كبيراً في تعليم الأطفال وتوعيتهم، وأحياناً تحريضهم على ترك أهاليهم إن تعرضوا لأي ضغط نفسي أو جسدي أو أي نوع من الإهمال، والكثير من الأطفال تركوا أهاليهم بناء على تحريض من المدرسات فقط.

حتى حق الرؤية

حالات سحب الأطفال من حضانة أهلهم، السوريين والعرب بشكل عام، في ألمانيا كثيرة، ولم تصدر بعد إحصاءات عام 2017 في هذا المجال، ولكن الأهل يعيشون على أمل استعادة أطفالهم مرة أخرى، لذا فهم يفضلون عدم نشر قصصهم بأسمائهم الحقيقية تخوفاً من أي استفزاز لدائرة رعاية الشباب، والتي ترفع شعار العامل الإنساني والاهتمام بحقوق الطفل على أولى اعتباراتها ما يجعل القانون دوماً معها.

القانون يقر بأحقية رؤية الأهل لأطفالهم أثناء فترة الرعاية، لكن «دائرة رعاية الشباب» قد تقرّر حرمان الأهل حتى من هذا الحق، إن رأت هي أن الطفل لا يرغب بذلك، وطبعاً لا يمكن الضغط عليه نفسياً إذ يُعد ذلك مخالفاً للقانون.

المحامي ديتمر أوباهايدي (Dietmar Oberheide) يقول إنه يحق لدائرة الشباب حسب الاستعانة بقرار مما يسمى «محكمة الأسرة» في حال كانت الرعاية هي ضد إرادة الوالدين أو الأوصياء، ما دام الخطر على رفاه الطفل قائماً، ويشير إلى أن الخطر الذي يستدعي فصل الطفل عن أسرته يجب أن يكون مهماً مثل الاعتداء الجنسي والعنف وما إلى ذلك، ليتم لاحقاً إيواء هؤلاء الأطفال في منازل أو أسر حاضنة.

دور ما

مبررات «احترام إرادة الطفل»، وعدم الضغط عليه نفسياً تبدو غير مقنعة لصديقتي التي خسرت ابنتها سارة. وهي تقول: لو شاءت «دائرة رعاية الشباب» لرأيت ابنتي واستعدتها، هم يتذرعون دوماً بأن البنت لا تريد ذلك، ولكن من المؤكد أن بإمكانهم أن يؤدوا دوراً ما في إقناع الطفل برؤية أهله، بطريقة وديّة ودون ضغط.


مقالة ذات صلة:

مخيمات الموت


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام