هاشتاغ سيريا ـ فاطمة قاهر

يتزايد ازدحام الفقراء في أرصفة اللاذقية، مع أعمالهم التي لم يجدوا سواها: «تجارة البسطات»، خاصة مع حركة النزوح الكثيفة التي خلّفتها الأزمة من المحافظات الأخرى.

تلك «التجارة» تلاقي إقبالاً واسعاً من المواطنين بسبب انخفاض أسعار بضاعتها، وتنوعها في المكان الواحد.

ومع تردي الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وعدم توفير فرص العمل، اضطر كثيرون للبحث عن مصادر جديدة للرزق، وكان بينها أن يفترش أحدهم متراً أو نصف متر (حسب الإمكانات) ويضع عليها بضاعة ليصير بائعاً وسط المارة، واللافت أن عدداً كبيراً من هؤلاء هم من الأطفال الذين يفترض أن تضمهم المدارس في تلك الساعات من العمل.

رخصة نظامية

ربما يكون ما ليس معروفاً أن بعض الأرصفة يتم «تأجيرها» بالمتر، وأن هناك «بسطات» مرخصة «أصولاً»، وغيرها يعمل دون رخصة.

عدد البسطات المرخصة في اللاذقية يبلغ 269 بسطة، وهناك 200 بسطة بانتظار الترخيص، حسب مصادر في المحافظة، بينما البسطات غير المرخصة فعددها كبير جداً.

تكلفة الرخصة تعادل خمسين ألف ليرة تتوزع على رسوم بلدية وأخرى ضرائب للمالية .. وغيرها. وتقدر مصادر الأرباح التي تحققها المحافظة من البسطات بنحو خمسين مليون ليرة سنوياً.

وكما في أي نوع من العقارات، يخضع سعر المتر لاعتبارات عدة منها: الموقع، والمساحة .. وكذلك للشخص الذي يريد أن «يستثمر» في البسطة، فسعر المتر المرخص في منطقة الشيخ ضاهر مثلاً يبلع خمسين ليرة يومياً لذوي الشهداء، وغيرهم يدفعون مئة ليرة يومياً عن كل متر.

وطبعاً الرخصة تحمي صاحبها من المصادرة والملاحقة، لكن الرخصة غير متوفرة دوماً خاصة أن الأمكنة على الأرصفة لم تعد تتسع لمزيد.

…  وملاحقة

أبو أحمد يعمل دون رخصة. لماذا لم تتقدم بطلب للحصول عليها؟ يقول: البلدية لم ترخص لي، قالوا إنه لا توجد أمكنة، وكل ما أريده هو نصف متر!

جاء من حلب، يقول إنه لم يجد أي عمل يعيل به أسرته، بعدما خسر منزله في المعارك التي شهدتها المدينة، يقول:

لولا الجوع والفقر لما فتحت بسطة، أريد فقط أن أعيل أسرتي وأسدد أجرة المنزل التي تصل إلى 35 ألف ليرة، البسطة هي مصدر رزقي، والمعيلة الوحيدة لأسرتي.

ويتساءل: ما البديل أمام عاطل من العمل؟

يقول آخر: أنا عسكري مصاب وليس بمقدوري أن أعمل أي شيء، وعندما طلبت من المحافظة رخصة، أعطتني رخصة في الريف، وفي الريف لا يوجد عمل، ولدي طفلان، والراتب لا يكفي، ماذا أفعل، هل أسرق لأعيش؟!

وأضاف: أنا في خوف دائم من حملات البلدية، أحياناً أخفي البضاعة وأحياناً  تتم مصادرتها وما يزيد الأمر سوءاً أن صاحب المحل الذي أضع «البسطة» بالقرب منه، يتقاضى مني أجرة شهرية.

يؤكد آخر الأمر ذاته: أعاني كثيراً من حملات البلدية، وأحيانا أدفع ليغضوا الطرف عني. ثم يضيف بنوع من السخرية: البسطات أصبحت أيضاً مصدر دخل لبعض موظفي البلدية، وحجتهم «إشغال الأرصفة»، فهل إشغال الأرصفة منظر غير حضاري، بينما الفقر منظر حضاري!؟

محمد، يقول إن «البسطة» تؤمن له ما بين 900 إلى 1000 ليرة في اليوم، ويضيف: أرضى بالقليل لأعيل أسرتي، ولا أريد سوى أن تتركنا البلديات بحالنا، تقدمت بعدة طلبات للترخيص دون جدوى، إذ كانوا يقولون دوماً: لا توجد أماكن، ويتساءل: عندما يتم قمع البسطات غير المرخصة لماذا لا تؤمن المحافظة البديل!؟

نسأله: عند المصادر ماضا تفعلون؟ يقول: هناك ما تُعرف بـ «المصالحة» على البضاعة، في المحافظة، أي أننا نعود لندفع مقابل استعادتها.

هل إشغال الأرصفة منظر غير حضاري، بينما الفقر منظر حضاري!؟


الأولوية لذوي الشهداء

مصدر في محافظة اللاذقية أوضح أن العديد من أصحاب البسطات هم من غير المستحقين لها، ويقول إن الأولوية لذوي الشهداء وذوي الإعاقات، ونحو 90% من رخص البسطات تُمنح لذوي الشهداء.

وأضاف: أغلبية أصحاب البسطات يطلبون مركز المدينة، وفي الحقيقة لا توجد أمكنة، ونحن لا نستطيع أن نطلب من صاحب محل، يقدر سعر محله، بعشرات الملايين، أن يسمح لصاحب بسطة تكلفتها مئة ألف أن يفتح بجانبه وينافسه بالسعر!

ويقول: هناك مركز خدمات المنطقة الصناعية، ومركز السكن الشبابي، ومركز بوقا، وجميعها تشهد كثافة سكانية، فلماذا الإصرار على مناطق معينة؟، مثلا شارع أبو فراس الحمداني لا نستطيع تنظيمه بسبب كثافة البسطات المرخصة وغير المرخصة.

وعن مصير البضاعة التي تتم مصادرتها أجاب توضع في مستودعات المحافظة ويتم المصالحة عليها مع أصحاب المحلات مقابل خمسة آلاف ليرة سورية.

نسأله عن العوائد التي تحققها المحافظة من البسطات، يقول إنها تقدر بنحو خمسين مليون ليرة في السنة على الأقل.

هكذا تبدو الحال: الجميع مستفيدون من تلك التجارة، إلا أصحابها، أولئك الذين يقضي معظمهم أوقاتهم في قلق وخوف من المصادرة.

________________________________________________________________________________