هاشتاغ سوريا _ ثامر قرقوط

تترصد الحكومة الخبز، يزعجها حجم رغيف الخبز الكبير. وتحاول على مزاجها، ترتيب مائدة السوريين، بزيادة حصة المواطن، من 720 رغيفاً سنوياً، وفق احصاءات 2009، إلى رقم أكبر، شريطة المحافظة على الوزن.

رغيف الخبز الصغير ليس موضة، أو عبارة عن رغبة وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في خلق حراك خبزي. الهدف استراتيجي، وحدده الوزير عبد الله الغربي، في حال صدقت الدراسات، أي وقف الهدر. إذ تحتاج سوريا شهرياً إلى 40 مليون دولار ثمناً للقمح، وفقاً لتصريحات رئيس الحكومة في نيسان الماضي. فيما تصل كلفة إنتاج كيلو الخبز إلى 70 ليرة.

شعاراتياً، يمكن لهذا الهدف أن يدغدغ المشاعر، إذ أن محاولات الغربي وقف الهدر عن طريق تصغير حجم رغيف الخبز، تلبس لبوس محاربة الفساد، وهو الموضوع المحبب للناس.

لكن عمليا،ً وقف الهدر بالخبز بصفته ضرورة ملحة، لا يمر من هذا الطريق الضيق. ثمة أوجه أخرى للقضية، منها ضبط قنوات التوزيع، وتحسين جودة الرغيف، ومحاسبة المطاعم التي تبيع خبز المواطن وتتقاضى عليه سعراً مخصصاً لخبز السندويش، وغيرها من القضايا التي تجعل مادة أساسية كالخبز تستحق العناية الفائقة. فلماذا تضيع وزارة التجارة الداخلية وقتها، على أشياء بلا أهمية، وتتجاهل الأساسي والاستراتيجي؟ ربما وراء الأكمة ما وراءها.

تبيع الحكومة ربطة الخبز بوزن كيلو ونصف الكيلو (7 أرغفة) بخمسين ليرة، وستزيد عدد الأرغفة وتحافظ على الوزن والسعر، ما الجدوى؟ هكذا يصبح شكل الخبز (الميني) أكثر حضارة ورقياً، وأن الأفواه المنمنمة يناسبها رغيف صغير. فكل الصناعات تتجه إلى التصغير، السيارات والكمبيوترات والهواتف النقالة.

تتحول وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، إلى خبيرة تغذية، عيادة مجانية للمحافظة على رشاقة المواطن. ومنذ أن تلبس الوزير الأسبق حسان صفية مهنة طبيب حمية ورفع شعار (الدايت)، شارحاً للناس فوائد الخبز الذي ترتفع فيه نسبة الاستخراج، تمارس الوزارة دوراً رقابياً على بطون المواطنين. لكنها تتجاهل قصداً، أسباب ارتفاع استهلاك الخبز، لدى أكثر من ثلثي عدد السكان، الموسومين بالفقراء.

تعرضت سورية في ثمانينيات القرن الماضي لأزمة اقتصادية خانقة، أحد أشكالها نفاد مخزون القمح. وكانت إذا تأخرت باخرة لسبب ما، سيقضي السوريون يومهم بلا خبز.

اجترح الحل وزير الاقتصاد الأسبق محمد العمادي، بخلط القمح مع الشعير مناصفة. ما أدى إلى تردي صناعة الرغيف، وأن جيل الثمانينيات وما قبل، أطعمته الحكومة خبز الشعير. لكن النصف المملوء من الكأس كان بترميم المخزون الاستراتيجي من الطحين، وضمان ألا يوجد مواطن في سورية سيحرم من الخبز لأي سبب كان. ولم يخرج مسؤول يومذاك شارحاً القضية، تركت الأمور كأحد الأسرار، حتى تعافى الاقتصاد وصار لدى سورية احتياطي يبلغ 5 ملايين طن قمحاً.

مهلا أيها المسؤولون، موضوعة القمح عميقة، واستراتيجية، ومليارات الليرات التي تنفق على الخبز، لم تأت من فراغ، كما أن المحافظة على المادة مدعومة بأسعارها قضية رابحة بامتياز، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، خاصة أن السوريين يتعاملون مع الخبز كنعمة، بينما تنظر إليه الحكومة كقضية محاسبية دفترية، فيما أحد أركان الدولة القوية، أنها تطعم مواطنيها خبزاً.

ارفعوا أيديكم عن الخبز، وخيطوا بغير هذه المسلة، أي تصغير الحجم. فالبطون الجائعة لا تترك قطعة خبز يابسة، والمواطنون كالجيوش يزحفون على بطونهم، ويحتاجون إلى توسيع مروحة العناية، بذات القدر الذي تحتاج فيه الحكومة ـ أثناء اتخاذ قراراتها ـ إلى تكبير قلبها.


مقالة ذات صلة :

في اليوم ذاته: الصناعيون يطالبون .. والحكومة تستجيب


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام