يبدو من المستغرب جداً، وبعد كل ما عانته الصناعة الوطنية والاقتصاد الوطني، إصرار وزارة الصناعة على الاحتفاظ بمجموعة من الصناعات التي بات القطاع الخاص يتكفل بها منذ عقود طويلة جداً، وينتجها بكفاءة عالية، ومنها على وجه التحديد صناعتي الزيوت والألبان، فالقطاع الخاص منافس قوي جداً للصناعة الحكومية في هذين المنتجين، سواء من حيث السعر أو من حيث الجودة، يضاف إلى ذلك أن باب الاستيراد لمادة الزيوت تحديداً مفتوح على مصراعيه للقطاع الخاص أيضاً، وهناك منتجات منها ومن دول كثيرة تدخل السوق السورية كالمنتجات التركية والماليزية والعربية، مثلما أن صناعة الألبان باتت صناعة شعبية واسعة النطاق أيضاً ومنتشرة بكثافة.

هاشتاغ سوريا – خاص


والسؤال الأكثر علمية في هذا المجال هو: ما هي الفائدة الاقتصادية من ناحية التكاليف والأرباح التي تدفع الحكومة للاستمرار بالاحتفاظ بمعامل الزيوت والألبان؟ هل تحقق تلك المعامل أرباح كبيرة وتدعم الموازنة العامة للدولة؟ أم أنها تستنزفها بفعل شفطها لكتلة كبيرة من الرواتب والأجور وتكاليف الصيانة والإصلاح والاستبدال للمعامل مهترئة؟ هل تلقى منتجات تلك المعامل مستهلكين راغبين بشرائها فعلاً لأنها ذات جودة عالية وسعر تنافسي؟ أي هل لها سوق تنافسي باختصار شديد؟


عندما تتفق وزارة الصناعة مع وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك على أن تقوم الأخيرة بتسويق منتجات الأولى ضمن صالاتها وبهامش ربح قليل جداً، فهذا يعني أن الإنتاج بات مكدساً في مستودعات معامل الزيوت، وأن هناك أزمة تصريف حقيقية لدى وزارة الصناعة، وأن هذا الامر سيؤدي إلى مزيد من الخسارات، فلماذا لا تتعامل وزارة الصناعة مع بعض القطاعات الصناعية التي باتت عبئاً على كاهل الحكومة مالياً وإدارياً بعقلية اقتصادية بحتة؟ ولماذا لا تتخلى الحكومة عن بعض شعاراتها الآيديولوجية وتكون منطقية في إيجاد حل لمثل هذه المعامل؟ وبمقابل ذلك يمكن القول بأنه حتى لو استجرت وزارة التجارة الداخلية كميات الزيوت من مستودعات وزارة الصناعة فهل ستستطيع تسويقها عبر صالاتها؟ او بشكل آخر هل ستكون قادرة على إقناع المستهلك للقيام بشراء تلك الزيوت؟ هنا تماماً تكمن المشكلة المركبة، مشكلة في نوعية السلعة المنتجة أولاً وفي طريقة تسويقها ثانياً، فلا الإنتاج مقنع للمستهل ولا التسويق سيكون قادراً على إقناعه.


ولا بد من القول بأن هناك بعض الصناعات التي من الممكن أن تبقى بيد الحكومة لأهميتها الاستراتيجية والمالية، وهذه بالطبع يجب الحفاظ عليها وتحديثها، وهنا يمكن تحويل الأموال المنفقة على صناعة خاسرة وغير تنافسية إلى صناعة ناجحة واستراتيجية، وهذا بالطبع لا ينفي فقدان سيطرة الحكومة على قطاعها العام، لكنه بالوقت نفسه يعزز من قوة ذلك القطاع ويزيد من عائداتها الاقتصادية، فالمنطق الحاكم هنا هو المنطق الاقتصادي المبتعد عن الشعور والعواطف، لذلك بات من الضروري أن تم اتخاذ قرار حاسم بشأن الصناعات الخفيفة المستمرة في الخسارة منذ زمن إما باتجاه اغلاقها نهائياً أو باتجاه تصفيتها ونقل ملكية أراضيها وأبنيتها لوزارات ثانية للاستفادة منها.


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام