حجب المعلومة وتضييق الخناق عليها، قيدٌ وضع في معاصم الصحفيين، وسط حالة من التصريحات الرسمية المبهرجة التي تتشدق بالحرية والتسهيلات وتطالب بالنقد الموضوعي والبناء…

لتحصل كصحفي على معلومة أو رقم إحصائي من جهة عامة مهما كانت بسيطة، أنت بحاجة إلى معاملة لا تَعرف متى تبصر النور، فموافقة الوزير هي الشرط الأول والأصعب، والذي يتبعه سلسلة من التحويلات للوصول إلى الشخص المعني، والذي بدوره أيضا من الممكن أن يتريث طويلا بينما يزودك بها.

موافقة…

وإذا حاول صحفي ما، طلب هذه المعلومة بشكل مباشر سيكون الرد واضحاً ومعمماً، ولا يقبل النقاش «لا معلومة بلا موافقة»، وبانتظار هذه الموافقات الطويلة والتي من الممكن ألا يتم الحصول عليها أحياناً»، تتجرد المواد الصحفية من قيمتها، وتحرم المواطن من حقه في الاطلاع عليها.

وهنا يشير الدكتور فايز الصايغ أن المواطن بشكل عام والصحفي بشكل خاص، إذا لم يتم تزويده بالمعلومة سيبحث عنها في مكان آخر وربما يحصل على معلومة خاطئة، فحجبها لن يكون له نتائج جيدة.

حق كفله القانون…

قانون الإعلام السوري الصادر في المرسوم التشريعي رقم 108 للعام 2011، يحمي حق الصحفي في الحصول على المعلومة ويجبر الجهات العامة على تزويده بها.

وتؤكد المادة 9 من القانون، أن للإعلامي الحق في البحث عن المعلومات أياً كان نوعها، والحصول عليها من أي جهة كانت، وله الحق في نشر ما يحصل عليه من معلومات بعد أن يقوم بالتحقق من دقتها، وصحتها، وموثوقية مصدرها، بأفضل ما يستطيع.

وعلى الجهات والمؤسسات المعنية بالشأن العام، تسهيل مهمة الإعلامي في الدخول إليها والحصول على المعلومات.

وإلى جانب إعطاء الصحفي الحق في الحصول على المعلومة يحدد القانون للجهات مدة للرد على معلومة يطلبها الصحفي، إلا أن المعنيين لا يعترفون حتى بهذا القانون ويهزؤون به، من خلال ممارستهم اليومية، حيث جاء فيه «تلتزم الجهات العامة بالرد على طلب الحصول على المعلومات، المقدم من الإعلامي بعد إبراز وثيقة تثبت هويته، خلال سبعة أيام من تاريخ إيداع الطلب لديها، وفي حال امتناعها عن الرد خلال هذه المدة يعد ذلك رفضاً ضمنياً، وتختص محكمة القضاء الإداري بالنظر في الرفض الكلي أو الجزئي، لطلب الحصول على المعلومات، على أن تبت فيه بقرار مبرم، خلال مدة لا تتجاوز الشهر من تاريخ إيداعه لديها».

في السياق، تقول الدكتورة في قسم الإعلام نهلة عيسى، إن قانون الإعلام ينص على ضرورة تسهيل عمل الصحفيين للوصول إلى المعلومة، فلا قيمة لمهنة الصحفي من دون معلومة، والإعلام يعني نقل المعلومة، وعندما نفتقر إلى المعلومة سنفتقر إلى ما نقوله، حتى الدستور يؤكد حق الصحفي في الحصول على المعلومة، طالما أنها لا تهدد الأمن الوطني أو القومي، أما باقي المعلومات من المفترض أن تكون متاحة!

أسباب…

مضيفة: عدم سماح أصحاب المعلومة للصحفي بالحصول عليها، إما أن يكون بسبب تقصير في عملهم لا يريدون إظهاره، أو عدم ثقة بوسائل الإعلام، وواحدة من العيوب في سورية منذ أكثر من 50 سنة، أن أبواب المعلومات الحكومية موصدة، ونادراً ما يتم فتحها بما يخدم هذه الجهات.

لافتة إلى أن هناك نظرة أمنية للمعلومة، الجميع يعتقد أن لديه معلومات يُفترض حجبها، أو ممكن أن يكون نوع من الفوقية على الجمهور.

بدوره يقول إبراهيم زعير الدكتور في كلية الإعلام إن من المفترض على رئاسة الحكومة أن تدرك، بوصفها المعنية عن الإعلام، ضرورة أن يكون الإعلام السلطة الرابعة، التي تشير إلى الخلل والنجاحات في عمل المؤسسات، وأن تعلم أن حجب المعلومات عن الصحفيين سيفقد رسالتهم أهميتها وسيفقدهم أيضاً ثقة الناس بهم، وطبعا هنا لا نتحدث عن المعلومات التي تمسّ الأمن الوطني إنما المعلومات التي تتناول عمل المؤسسات.

مضيفاً: حجب أي معلومة من هذه يعني أن الجهة التي منعتها، تُسوّق لما تريد من معلومات عبر وسائلها الخاصة، وبشكل لا يعكس الواقع إنما يتستر عليه، فلو لم تكن هناك معلومات تُظهر فسادا وخللا لما حجبوها، ومن الممكن أحياناً أن تحجب الجهات معلومات غير ذات قيمة وبسيطة، وذلك بهدف تعويد الصحفي على أن المعلومات غير متاحة وبذلك يسهل حجب المعلومات التي تعرّي الفساد والتقصير.

فحجب المعلومة سببه بالدرجة الأولى التستر على الفساد، لأن إتاحتها قد يودي بالبعض إلى المحاكم والقضاء، وهو ليس إلا تهربا من المسؤولية تجاه الشعب والدولة والقيادة.

لافتاً إلى أن الرئيس بشار الأسد قال إن محاربة الفساد لا تقل أهمية عن محاربة الإرهاب، ومحاربة الفساد تبدأ من توفير المعلومات للصحافة لتشير إليه أولا.

معاناة…

الكثير من الصحفيين أكدوا  أن الجهات العامة تستغرق وقتاً طويلاً للرد على طلباتهم، وأنها في كثير من الأحيان تجبرهم على العدول عن طلب المعلومة نتيجة المماطلة غير المبررة والطويلة.

في مجلس الوزراء مثلا هناك من يقف خصيصاً لحماية الوزراء من الصحفيين، خوفا من تصريح مباغت قد يفرضه الصحفي في غفلة من الوزير، أما في جلسات مجلس الشعب فقد منع الصحفيون من تغطية هذه الجلسات إلا بموافقة حصرية من وزير الإعلام، حيث لم يعجب البعض أن يبقى المواطنون على اطّلاع حول ما يدور في ذلك المجلس، الذي عمله المفترض هو طرح مشكلاتهم والبحث عن حلول لها.

تصريحات غير مسؤولة

وحول الأسباب التي تدفع للقيام بهذه التصرفات غير المقبولة يقول الصايغ: بعض الإجراءات حديثة العهد صدرت مؤخراً، الهدف منها تنظيم عملية تصريحات الوزارات بما يتعلق بالوضع المعيشي والحياتي والاقتصادي، ذلك بسبب وجود بعض التناقضات في تلك التصريحات، حيث حدثت مواقف من بعض المسؤولين إما لأنهم وقعوا في أخطاء حقيقية، أو أنهم لم يجيدوا الصياغة الصحيحة، ما ترك المجال للتأويلات التي تعطي نتائج عكسية، موضحاً: أدلى بعض الوزراء و المسؤولون تصريحات أدّت إلى استنكار في الرأي العام كما فعلت عبارة «ما حدا جوعان»، التي قالها أحدهم، وأيضاً في موضوع زيادة الرواتب عندما قال أحد الوزراء «القرار مو من عندي» ، وهنا يشدد الصايغ: كان من المفترض أن تكون الإجابة بشكل آخر، فإذا كان فعلا ليس قراره، المفروض أن يقول اقترحنا على الجهة الفلانية «مع تحديد الجهة» هذا الموضوع ونتنظر ردها.

مؤكداً في الوقت نفسه أن الحل ليس بحجب المعلومة حفاظاً على أداء المسؤولين، إنما ينبغي أن يكون المسؤول عارفاً لخطة عمل وزارته أو منصبه ويمهد لها بما ينعكس إيجابا على الرأي العام، فالمسؤول الذي يتمتع بالمهنية في مجال اختصاصه ويتمتع بالانتماء والوطنية ويعرف تماماً الوضع الراهن، يستطيع أن يقول ما يريد وبشفافية ودون أن يسأل أحد، وعندما يُسأل عن أمر لا يعرفه يستمهل ليحصل على الإجابة ثم يجيب.. مضيفاً: في المعارك يُحشد الرأي العام بإيقاع انتصارات الجيش على الأرض، ويجب ألا يقوم الوزراء في هذا الوقت بتشتيت الرأي العام بتصريحات غير مسؤولة، إنما يجب أن تكون الشفافية واسعة، وأن يكون كل على قدر مسؤوليته، لسبب يهم المعركة السياسية والعسكرية مما يؤدي لتجميع الرأي العام وتوحيده بدلا من تفريقه وإثارة استنكاره.

خميس والتشديد

الوزارات حكاية أخرى فالحصول على رقم أو معلومة من أي جهة يتطلب أن يتقدم الصحفي بطلب رسمي للوزارة وللوزير حصراً، ومن ثم انتظار موافقة الوزير أو تريثه، ثم الحصول على التصريح الذي قد لا يحصل عليه أصلا!

محافظة دمشق على سبيل المثال وبعد موافقة المحافظ على طلب أحد الصحفيين خلال أيام، وبزمن قياسي، لايزال الصحفي ينتظر الرد من مديرية التخطيط منذ أكثر من شهر، وسط تأجيلات يومية غير مبررة.

وزارة الداخلية أيضا استغرقت مؤخرا حوالي 3 أسابيع للرد على سؤال بسيط.

وزارة الشؤون والتعليم العالي والتربية وغيرها من الوزارات لهم القصص الكثيرة مع الصحفيين والتي لا تنتهي…

اللافت أن التضييق والتشديد ظهر في السنوات الأخيرة بشكل أكبر، وبشكل خاص في ظل الحكومة الأخيرة، وحسب ما يبرره موظفو الوزارات أن التشديد المتبع هو نتيجة توجيهاتها، ذلك على الرغم من تصريحات رئيس مجلس الوزراء العديدة، والتي تتحدث عن ضرورة تسهيل عمل الصحفيين وتحسين أوضاعهم. رئيس مجلس الوزراء قال في وقت سابق إن الحكومة مستعدة لاتخاذ الإجراءات وإصدار التشريعات والقوانين والقرارات، الكفيلة بتحقيق نقلة نوعية في الخطاب الإعلامي، ليصل إلى مستوى الطموح، ويتناسب مع الجهود المبذولة في مختلف المجالات، إلا أن الصحفيين لم يلمسوا شيئاً من هذا على أرض الواقع!

وفي استبيان صغير قامت به الأيام على 20 صحفيا من مختلف وسائل الإعلام العامة والخاصة، حول الفترة التي شهدت فيها سورية التضييق الإعلامي الأكبر، يرى 60% من الصحفيين المشاركين في الاستبيان أن حكومة خميس كانت الأشد حجباً للمعلومات عن الصحفي، بينما يرى 20% من الصحفيين أن حكومة الحلقي هي الأشد تحفظاً، بينما يرى الـ 20% المتبقين أن جميع الحكومات كانت تضيق كثيراً.

ورفض الصحفيون الذين شاركوا في الاستبيان، ذكر أسمائهم خوفا من الانتقام وزيادة التضييق عليهم في الحصول على المعلومات من الجهات العامة، خاصة من أكدوا أن حكومة خميس هي الأكثر تضييقاً.

تفعيل للقوانين

وتعليقا على هذا تقول الدكتورة نهلة عيسى: القوانين غير مفعلة، لذا يكون أمر إتاحة المعلومات للصحفيين أو حجبها مرتبط بالأشخاص، وبعض الأشخاص لديهم توجس من الصحافة وقد يعتبرونها أحيانا عدواً يجب الحذر منه، ويبدو أن الحكومة اليوم لديها توجس من الصحافة، وتخوف من أن تكون الصحافة وسيلة ضغط وليس مساندة ودعم، وهذه مشكلة حقيقية.

مضيفة: وزارة الإعلام ونقابة الصحفيين يفترض بهما المطالبة بوضع القوانين الداعمة لحق الصحفي، في الحصول على المعلومة، موضع تفعيل، والضغط على الحكومة لتصبح هذه القوانين نافذة ومفعلة.

استقصاء صعب

في سياق آخر يلفت زعير إلى أن الاعلام الاستقصائي هو الإعلام الوحيد المطور ليكون قادراً على كشف مسائل تتعلق بالتنمية والتطور، وكشف الفساد، وهذا الإعلام يعتبر المعلومات هي زاده الأول، لذا نجد الإعلام الاستقصائي صعبا في واقعنا.

ومن جانب آخر تقول الدكتورة نهلة عيسى إن معظم الجهات الحكومية تفتقر إلى الأرقام، هناك عدم عناية بالحصول على الرقم، وأحيانا تكون فعلا، ليس لديها رقما لتعطيه لأحد، والرقم ضروري لبناء الفرضيات وغيابه مشكلة حقيقية. مضيفة: اليوم وسائل إعلامنا لا تشكل تهديدا للجهات المعنية، حيث تمارس النقد بالحدود الدنيا لكنها لا تحاسب، والجهات المعنية هنا لا تهتم لما تقوله الصحافة فهي ليست حتى الآن وسيلة ضغط، لسنا إلى الآن سلطة رابعة، رغم أن الإعلام في العالم بات اليوم السلطة الأولى.

تسهيلات حقيقية

في النهاية… تقديم التسهيلات للصحفيين من أجل القيام بعملهم وواجبهم تجاه المجتمع، هو العامل الذي يسمح بالإضاءة على نقاط الضعف والخطأ، للوقوف عندها وتجاوزها، وفي ظل الواقع الذي تعيشه البلاد اليوم لايزال دور الإعلام غير فاعل في المجتمع، نتيجة التضييق غير المبرر، ما يحتاج التدخل المباشر لتطبيق القانون وإعادة الحياة الصحفية إلى وضعها الطبيعي.

 

المصدر:صحيفة الأيام


مقالة ذات صلة:

ممارسات للسلطة الإدارية تقيد حق الصحفي


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

 

Mountain View