لا تتعثر الابتسامة على وجوه من تبقى من أبناء دوما. هي لحظات وتجد الكبير والصغير قد تجمهر حولك. صفة واحدة تكاد تجتمع في أجسادهم، نحولٌ واضح. والأعين غائرة تختزل سنوات القهر والحرمان.

أم أحمد .. «يا خبزنا المشتهى»!

سبع سنوات كانت كفيلة بتحويل أم أحمد دياب من سيدة ممتلئة كاملة الصحة الى مسنة كهلة بالكاد يقوى جسدها على حمل الثياب التي عليها. تنزل أم أحمد من السطح المكان المخصص للخبز، حيث لايزال أهالي دوما يعدّون خبزهم في منازلهم بعد انقضاء أكثر من خمسة عشر يوماً على خروج المسلحين من دوما ودخول الجيش السوري.

تقول أم أحمد «سبع سنوات كنا نخبز فيها خبز الشعير» واليوم حصلنا على دفعة بسيطة من دقيق القمح الذي لم يكن بمقدور معظمنا شراؤه».

هجم الناس على مخازن الطعام التي احتكرها «جيش الإسلام» طيلة سنوات الحرب. لم يدخل الغاز الى مدينة دوما حتى الآن، ولذلك تستخدم أم أحمد الحطب كوقود لتخبز عليه الخبز وتعد الطعام والشاي.

سناء ..»العورة»!

تزوجت سناء قبل أربع سنوات من أحد أبناء دوما. تقول سناء التي تبلغ اليوم عشرين عاماً : «لم يُقام لي أي حفل زفاف أو خطوبة، ولم يتجاوز مهري المائة ألف ليرة سورية، بعت قبل سنة خاتم زواجي (المحبس)كي يتمكن زوجي من شراء الطعام لنا بعد أن توقف عن عمله في الحفر بسبب سجنه من قبل عناصر «جيش الإسلام» الذين ألقوا القبض عليه بتهمة السرقة «لم يسرق يومها زوجي سوى نصف كيلو من الشعير كي نتعشى به».

وتضيف السيدة الصغيرة: كنت أجيد الخياطة، لكن العمل كان ممنوعاً علي وعلى غيري من النساء، لذلك كنت أخيط أو بالأحرى كنت أقوم بتصغير وتكبير الملابس بشكل يدوي في منزلي، حيث لم يكن ممكناً أن احضر ماكينة خياطة، فثمنها غالٍ جداً، إضافة الى غياب الكهرباء.

وتتابع سناء: أصدر «جيش الإسلام» أوامره بمنعنا من العمل، مقابل إجبار الرجال على العمل. وتستدرك: عددٌ قليل من النسوة كن يعملن في منزلهن بمهنة تصفيف الشعر (الكوافيرة) حيث كان ممنوع علينا أيضاً ممارسة هذه المهنة أو غيرها داخل منازلنا، المهن الوحيدة التي كان مسموحاً للنساء العمل بها هي التمريض والتدريس وتحديداً لصالح «جيش الاسلام».

كانت مدينة دوما من المدن التي حاولت التنظيمات المسلحة فرض نظامٍ خاص عليها وإقامة مؤسساتهم الخاصة التي أحرقوا معظم وثائقها قبل خروجهم بساعات. وكانت هذه المقرات عبارة عن مدارس قديمة أو أبنية حكومية كما هو الحال مع سجن النساء(سفينة النساء )الذي كان في الأصل مدرسة ثانوية.

سميرة .. بلا ثبوتيات

تحتفظ سميرة بورقة تقول إن «جيش الإسلام» أعطاها إياها يوم ذهبت إلى المحكمة الشرعية لتسجل زواجها. وتضيف «كان ثمة محكمة شرعية عند الجامع الكبير قرب دوار البلدية، وكنا نسجل زواجنا وطلاقنا وتواريخ ولادة أبنائنا فيها، وكانت تحتوي هذه الورقة اسم الزوج والزوجة وأيضا أسماء الأبناء في حال وجدوا، لكني اليوم لا أعرف مصير الأوراق الأصلية بعد أن أحرق المسلحون مقارهم قبل خروجهم».

أجمع من التقتهم “الأيام” من أبناء دوما أن الفتيات كن يتزوجن بأعمار صغيرة دون ال18 سنة . وكان المقاتلون الكبار(ذوو المناصب) هم من يتزوجون أكثر من فتاة، لكن الأشخاص العاديين لم يكونوا يملكون المال الذي يمكّنهم أن يتزوجوا أكثر من واحدة. وزواج الفتيات في عمر مبكر كان لأسباب عديدة منها الأوضاع الاقتصادية السيئة والخوف من أن يأخذ عناصر «جيش الإسلام بناتهن فيتزوجون بهن لأشهر قليلة ويقمن بعد ذلك برميهن».

انتبه .. مدارس!

ينتشر عدد من اللافتات على بعض التقاطعات الطرقية لمدينة دوما تشير لوجود مدارس في المحيط. تقول سندس التي تبلغ اثني عشر عاماً: أدرس حالياً في الصف الرابع، بينما كان يجب أن أكون في الصف السادس. وتضيف سندس كنا ندرس يومياً ساعتين فقط، وتشمل مواد الدراسة الرياضيات واللغة العربية والاجتماعيات. لكن الدراسة كانت تتوقف أحيانا لفترات تطول أو تقصر حسب سخونة الأحداث.

كانت معظم مدارس دوما تعتمد المناهج السورية التي تصدرها وزارة التربية، ولا تعرف سندس من أين كانت الكتب تأتيهم، لكنها تعرف أن كتبها لم تكن جديدة بسبب وجود أسماء لطلاب غيرها.

أبو راشد من أبناء المنطقة، يقول لـ”الأيام”: لم يتلقَ أبناؤنا طوال السنوات الماضية أي منهاج تدريسي سوى المنهاج السوري، لكن المسلحين قاموا بإلغاء مادة القومية ومادة الديانة وكانوا يدرسون مواد تتعلق بالفقه والفكر الديني الذي يخصّهم.

أحمد .. «أشبال جيش الإسلام»

يتحدث أحمد(13سنة) لـ عن سجنه الذي دام شهراً، فيقول: ألقى عناصر «جيش الإسلام» القبض علًيّ بينما كنت أجمع الحطب من الكرم، قاموا بسجني في سجن الأحداث، وتهمتي كانت فعل اللواطة، علماً أني لم أقم بهذا الأمر ولم أكن أعرف شيئاً عنه، وبعد سجني لمدة شهر أتى إليّ أحد السجانين وأخبرني أنه إذا كنت أريد الخروج من هنا فعليّ أن ألتحق بـ»أشبال جيش الإسلام» وأتدرب على حمل السلاح، مقابل المال والطعام واللباس. يضيف أحمد تدربت معهم لمدة شهر كنت أتناول خلالها ثلاث وجبات، وهذا أمر نادر في ظروفنا، وتعلمت كيف أحمل البندقية وأطلق النار، لكن عندما أنهيت الدورة رفضت والدتي أن ألتحق بالمقاتلين، وقامت بإخفائي في منزل جدي كي لا يعثرون علي. ويتابع أحمد: هناك عدد كبير من الأطفال كانوا يلتحقون بالتدريب كي يحصلوا على المال من أجل عائلاتهم.

خالد .. «برزة السياحية»

يحاول خالد الضاهر إعطاءنا رقم زوجته التي خرجت قبل شهر من التسوية إلى منطقة الميدان بواسطة الهلال الأحمر كي تعالج ابنها الصغير، طالباً أن أتواصل معها لمساعدتها في العودة إلى دوما، ويقول: «إلى اليوم لم أتمكن من إدخالها إلى دوما رغم الوعود التي نتلقاها يومياً من الهلال الأحمر بعودة المدنيين» مضيفاً : لم أخرج من دوما طيلة السبع سنوات إلا مرة واحدة كانت قبل سنتين تقريباً، عبر أنفاق برزة، يومها – يوضح خالد – فتحت الأنفاق، وكنا نتلقى عبرها الطعام واللباس والأدوية، وكان الأشخاص المدعومين من قبل «جيش الإسلام» أو من يعملون معهم هم فقط هم من يُسمح لهم بالخروج إلى برزة. ويضيف: يومها خرجت الى برزة وبقيت فيها ثلاثة أيام كانت بمثابة السياحة لي حيث تتوافر فيها الكهرباء والماء والطعام. يبوح خالد : كنت وعدت زوجتي بالذهاب إلى سوق الحميدية إذا تمكنت من الخروج من دوما، لكنني إلى اليوم لم أستطع الخروج إليها ولم تتمكن هي من الدخول الى دوما.

أيادٍ بيضاء ..

تمتد أيدي نساء دوما بالسلام والترحيب، أيدٍ تعبت من الشقاء، صبغتها سنوات الحرب باللون الأسود، لونٌ سكن تلك الأيدي من كثرة إيقاد النار في المنازل التي أُريد لها أن تهدم.

تُناوِلُنا النساء كأس الماء كي نروي عطشنا بعد جولاتنا الصحافية، وعيون تعتب تريد منا البقاء لتناول فنجان قهوة. تعتذر النسوة عن سواد أيديهن بعد إعداد كأس شاي على بقايا من الحطب أو أكياس النايلون وقطع الثياب البالية، يسألن برجاء : ستعودون مرةً ثانية وسنعدّ لكم في المرة القادمة فنجان القهوة على غازٍ حقيقي، وستكون أيدينا ارتاحت وابيضّت من تعب الحرب.

المصدر: صحيفة الأيام


مقالة ذات صلة:

الطبابة الشرعية تعثر على مقبرة جماعية في دوما وتدعوا أهالي المخطوفين للتعرف على الجثامين


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

Mountain View