هاشتاغ سوريا

كل ما يخص سوريا

رغم إلحاق “البحث العلمي” باسم التعليم العالي .. الباحثون السوريون يواجهون الصعوبات بمفردهم!

من المتعارف عليه عالمياً أن مستوى البحث العلمي في بلد ما، هو الذي يحدد مدى تقدم هذا البلد ويعكس صورته الحضارية، ومدى نظافة تفكير سكانه وبحثهم الدائم للوصول للحقائق التي تحل مشكلاتهم بمختلف القطاعات بعيداً عن الرتابة واستيراد الحلول الخارجية الجاهزة، بل المشاركة في صنع حلول يمكن تصديرها عالمياً.

هاشتاغ سوريا- ليلاس العجلوني

رغم هذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها لم تسعى حتى الآن وزارة التعليم العالي و”البحث العلمي” كما أسمت نفسها مؤخراً، لتوفير ما قد يلزم لدعم البحث والباحثين، خاصة في ظل الأزمة التي مرت بها البلاد والتي نتج عنها آلاف المشاكل مجهولة الحل، ويتمنى الباحثون أن يكون تغيير الاسم خطوة فعلية للاهتمام بهذا المجال.

أبحاث السوريين في الخارج

قد ينفي البعض من باب “السوداوية ” المجتمعية احتواء سوريا على عدد كبير من الباحثين القادرين فعلاً على إنجاز بحوث علمية ذات قيمة حقيقية، إلا أنه فور الاطلاع على البحوث العلمية التي يقوم بها الطلاب السوريين في الخارج ومدى أهميتها نعلم تماماً أن المشكلة ليست في الباحثين السوريين وعددهم بل في نقص الدعم المقدم لهؤلاء الباحثين سواء المادي أو المعنوي أو الفكري الحقيقي.

وهو ما أثبته الدكتور والباحث في المجال الطبي بهاء الحفار الذي ناقش بحثه الأخير في محاضرة ألقيت في جامعة “King’s collage” في لندن والتي لخصت أهم الصعوبات التي يواجهها الباحثون العاملون في القطاع الصحي بسوريا، وبرأي الحفار فإن صعوبة اختيار فكرة جديدة قابلة للتحقيق، ونقص التمويل الفعلي للأبحاث هي أولى المشاكل التي يعاني منها الباحثون، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على مواد وأدوات وتقنيات من خارج سوريا بسبب الأزمة وصعوبة متابعة العينة المدروسة بسبب التغير الديموغرافي للبلاد في الفترة الأخيرة.

“الدعم المادي” هو أول الصعوبات

وتضمن بحث “الصعوبات التي يواجهها الباحثون في المجال الطبي” للحفار عينة مؤلفة من 480 أكاديمي (طالب ماجستير ودكتوراه، ومدرسين وأساتذة في الجامعات السورية)، وبعد تحليل البيانات استدلالياً ووصفياً خلصت النتائج إلى أن 94% من الباحثين أكدوا أنه لا يوجد دعم مادي كافٍ للأبحاث العلمية، 80.3% أكدوا أنه من الصعب الحصول على الموافقات للقيام بالأبحاث العلمية، 79.6% أكدوا أنه لا يوجد حيادية بالموافقة على الأبحاث العلمية ضمن مجالس الكليات أو الجامعات.

76% من الباحثين يؤكدون غياب الدعم الحكومي!

وأرجع 73.8% من الباحثين الصعوبات للمجتمع الذي لا يهتم بالبحث العلمي ولا يؤمن بأهميته، بينما أكد 53.1% من الباحثين أنهم لا يمتلكون أساسيات الكتابة الأكاديمية، ولكن رغم ذلك 70.1% لديهم دافع كبير للقيام بأبحاث علمية غير الأبحاث المطلوب منهم للدارسة الأكاديمية، ومن الصعوبات الجديدة التي نشأت خلال الأزمة أشارت الدراسة إلى أن  3.5% من الباحثين كان لديهم صعوبة بجمع البيانات أو الوصول إلى مصادر البيانات بسبب الحرب، و76.3% لا يوجد دعم حكومي كافٍ للبحث العلمي، ولكن رغم ذلك فإن 77.1% من الباحثين لديهم الدافع لتوثيق التغييرات التي حملتها الأزمة السورية أكاديمياً.

لتفعيل اسم الوزارة…!

وختم الحفار أن أهم الأسس التي يجب توفيرها لتطوير البحث العلمي ودعمه هي إنشاء قاعدة بيانات لكل الباحثين والأكاديميين بسوريا، والربط بين الباحثين السوريين في جميع المحافظات السورية والباحثين السوريين خارج البلاد، ما يسرع البحث العلمي، مشيراً إلى أهمية إنشاء موقع الكتروني ورفع الأبحاث السورية الكترونياً، والعمل على فهرسة المجلات السورية العلمية داخل المواقع العالمية ما يعيد الثقة للباحثين السوريين بالمؤسسات الحكومية والمجلات المحلية، خاصة أن جميع الأبحاث السورية لا يتم فهرستها وتذهب هباءً.

بالإضافة إلى تقديم تسهيلات للباحثين من خلال إنشاء مكتب يساعد على تأمين الموافقات الحكومية للقيام بأبحاث علمية وتنظيم مؤتمرات ومسابقات بمواضيع مختلفة سنوياً لتسريع الأبحاث العلمية ونشرها بسوريا، والرفع من ميزانية الدعم العلمي وخاصة البحث الطبي.

معدات من زمن الحرب!

من جهته، رأى مدير المركز السوري البيلاروسي للتعاون العلمي والتقني والأستاذ في كلية الهندسة المدنية عصام ملحم أن غياب المعدات الأساسية للبحث العلمي هي أولى الصعوبات التي يواجهها الباحثون، خاصة أن جميع المعدات المتوفرة حالياً تم شرائها قبل الحرب بسنوات وأغلبها لا يفي بعملية البحث العلمي ولا يمكن استخدامه، كما أن كثيراً منها تعطل وصيانته تحتاج لكتلة مالية كبيرة، بالإضافة إلى عدم وجود قاعدة بيانات تشير إلى آلية استخدام هذه المعدات وأرشفتها بالنسبة لكل جامعة.

بحث للشهادة فقط!

وأوضح ملحم أن سوريا تحوي على عدد كبير من الباحثين القادرين على إنشاء أبحاث ذات قمة عالية، إلا أنه للأسف لا توجد بيئة لذلك، خاصة أن المجلات المحلية التي تنشر فيها الأبحاث المحكمة باتت شكلية، وغير مربوطة مع العالم الخارجي وغير مؤرشفة الكترونياً، مبيناً أن نتائج هذه الأبحاث العظيمة تذهب هباءً، ما يصيب الباحثين بالإحباط ويجعل من إنشاء بحث علمي ورقة لكسب شهادة معينة فقط أو الترفع من منصب لآخر.

ويرى أن من أهم الخطوات التي يجب أن تتخذ هي التقدير المادي المتناسب مع عمل الباحثين، خاصة في فترة إنجاز البحث، والتشجيع على المشاركة في المؤتمرات العلمية العالمية والدولية للاطلاع على جديد الأبحاث في كافة المجالات، وأن يتم تغطية هذه المشاركات مادياً وتحمل نفقات السفر والإقامة، ما يغني الخزينة العلمية للباحث وينعكس ايجاباً على البلد.

المسؤولية المجتمعية غائبة

 الدكتور بالهندسة الزلزالية بالمعهد العالي للبحوث والدراسات الزلزالية سامر عقيل يحمّل مسؤولية دعم البحث العلمي للشركات الخاصة السورية التي من واجبها ومسؤوليتها المجتمعية تقديم مبالغ مادية وأفكار للباحث، بحيث يعمل كل باحث على مشكلة تواجه شركة، وبالتالي تدعم الشركة الباحث مادياً خلال عمله، ما يطور البحث العلمي ويرتقي به.

بالإضافة إلى دعم المخابر الموجودة، وزيادة عدد المواقع العالمية التي تشترك فيها الجامعات الحكومية، ما يمكّن الطلاب من الاطلاع على معلومات أوسع، وتسهيل النشر الخارجي في المجلات المهمة، ومساعدتهم من خلال تحسين العلاقات مع الدول التي تهتم بالبحث العلمي وفق اتفاقيات موقعة.

مقترحاً أن تقدم وزارة التعليم العالي راتب شهري للطلاب الباحثين لما له من أثر إيجابي على البحث الذي يقوم به الطالب.

بقعة ضوء

في النهاية ورغم كل التحديات والصعوبات التي واجهت الباحثين تبين أن البحث العلمي والنشر الأكاديمي بسوريا خلال فترة العشر سنوات الأخيرة ازداد ولم ينقص، كما أن عدد المنشورات الطبية خاصة المفهرسة باسم سوريا على موقع الـ pubmed زادت بشكل ملحوظ حسبما أكد الدكتور حفار.

ما قد يفسر بمعنى واحد وهو الدافع القوي، والمخزون العلمي النظيف في عقول الباحثين السوريين وإصرارهم على نشر المزيد من الأبحاث التي قد ترفع اسم بلدهم بالعلم فقط، رغم كل المعوقات.

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.