قدَّمت مديرية الزراعة في محافظة اللاذقية مؤخراً خطتها الزراعية للعام 2016 – 2017 وجرت مناقشتها من قبل اللجنة الزراعية الفرعية، بحضور محافظ اللاذقية اللواء ابراهيم خضر السالم، ورئاسته، وخلال المناقشة قدّم السيد منذر خيربك مدير الزراعة تقريراً شاملاً ضم فصول هذه الخطة بالكامل، ومن ضمنها فصل الغراس المثمرة.
وأوضح أن مجمل الغراس المثمرة المقرر إنتاجها بموجب هذه الخطة يصل إلى (409) آلاف غرسة مثمرة، أكثر من 50% منها للحمضيات، ونحو 40% للزيتون، و10% لبقية الأصناف..!‏

غراس الفشل:‏

وإن حاولنا عكس هذه النسب على الأرض لنرى مدى محاكاتها للواقع الموضوعي، نعتقد أنه بمقدار ما يمكننا تفهّم زيادة عدد غراس الزيتون، والتي أوضحت الخطة أنها تصل إلى (160) ألف غرسة، يكون من الصعب كثيراً أن يتفهّم أحد ما هي مبررات وضع خطة لإنتاج (210) آلاف غرسة حمضيات جديدة .. وسط صفعات قاسية لحال موسم الحمضيات الحالي وفلاحيه ومزارعيه .. والفشل المتلاحق لتسويقه؟!‏

فموسم الزيتون لا يزال قابلاً لاستيعاب المزيد من الغراس، مادامت أسعار زيت الزيتون تُحلّق بهذا الشكل الذي هي عليه، إذ قفزت الأسعار من 2500 – 3000 ليرة لصفيحة الزيت (20) ليتراً إلى 15000 – 20000 ليرة، ولا تزال قابلة للزيادة، وهذا يعني أن كروم الزيتون قد تحوّلت إلى ثرواتٍ حقيقية، في حين موسم الحمضيات يعيش ما يشبه الانهيار في أسعاره، ومشكلته معروفة للجميع، وفي هذا العام كانت وسطي الأسعار (50) ليرة سورية للكيلو غرام لأفخم الأنواع من الحمضيات، رغم أن كلفة إنتاج الكيلو تصل إلى هذا الحد وأكثر..! وهذا يعني أنَّ الموسم القائم هو عبء على نفسه ومنتجيه بمثل هذا الحجم، أمام العجز المريب في تسويقه.‏

من المفترض -على ما نعتقد- أن تقوم خطة الغراس في مديرية الزراعة على أساس واضح لما سيتم غرسه فعلياً، وبما يحاكي وضع المواسم على أرض الواقع، فتروّج الزراعة من خلال الغراس للأصناف التي يُقدّر بأنها ستحظى بإنتاج اقتصادي، فتزيد من مثل هذه الغراس، وتُقلل من الغراس التي تعطي -حسب الواقع- مواسم غير اقتصادية، أو لم تعد اقتصادية كما هو حال الحمضيات البائس اليوم.‏

إنتاج وفير .. وعبء أوفر‏

ففي الوقت الذي بدت فيه الحمضيات وكأنها وصلت بمواسمها المتعاقبة إلى حالة الإشباع وأكثر إزاء مآسيها على الصعيدين الزراعي والاقتصادي من خلال كميات الإنتاج الكبيرة التي وصلت في الموسم السابق إلى أكثر من مليون طن – حسب معطيات مديرية الزراعة – غير أن هذا الإنتاج كان وبالاً على المنتجين أمام صعوبات التسويق وضحالة الإجراءات التجارية والصناعية، التي كان يجب أن تتضافر لتُشكّل قنوات تسويقية قادرة على التعامل السليم مع هذا الموسم لمنحه القيم المضافة المشجعة على الإقبال عليه، اهتماماً وتعزيزاً.‏

المليون طن وأكثر من الحمضيات لا خطة عند أحد لتسويقها، والخطة الزراعية لمديرية الزراعة خالية تماماً من أي تصوّر تسويقي للحمضيات، وهذا بطبيعة الحال ليس أمراً مفاجئاً، فواقع الحال هو هكذا دائماً، وهذا خطأ سائد كان ينبغي أن يتغيّر، لا أن يصل إلى مرحلة العرف، فنعتقد أن مديرية الزراعة لن تتضرر إن أبدت اهتماماً بتسويق المنتجات الزراعية بالشكل الأمثل، لتثبت -على الأقل- أن اهتمامها بالتشجيع لهذا الصنف أو ذاك، عبر ما تطرحه من غراس هو في مكانه، فما الفائدة إذا انتعشت زراعة معينة بلا نفع..؟! أو بمكاسب ضحلة..؟!‏

الاختناق التسويقي إلى تضخّم‏

السيد منذر خيربك مدير زراعة اللاذقية أوضح أثناء مناقشة الخطة الزراعية، أنَّ الحمضيات تشغل 32% من الأراضي الزراعية المستثمرة، وهذه النسبة توازي 33 ألفاً و38 هكتاراً، فيها 10 ملايين و552 ألف شجرة حمضيات، منها 10 ملايين و37 ألف شجرة مثمرة.‏

هذا الكلام للسيد مدير الزراعة يعني أنَّ هناك 515 ألف شجرة مزروعة حديثاً وغير مثمرة بعد، وهي بانتظار الدخول تدريجياً إلى الإنتاج ليزداد العبء على المحصول تدريجياً أيضاً، بما لايقل عن 50 ألف طن إضافية، إذا كانت 10 ملايين شجرة تنتج مليون طن، فإنَّ نصف مليون شجرة تنتج بطبيعة الحال 50 ألف طن.‏

ورغم هذا العبء الجديد القادم على موسم الحمضيات، فإنَّ مديرية زراعة اللاذقية تمضي بخطة لا تخدم الواقع بل مغايرة له، وتعد العدّة في خطة 2016 – 2017 لإنتاج 210 آلاف غرسة حمضيات جديدة، في الوقت الذي بدأ فيه العديد من المنتجين للحمضيات بالتفكير في التخلص مما عندهم من أشجار حمضيات واستبدالها بزيتون أو أي صنفٍ آخر له جدوى اقتصادية، ومكان لائق في السوق، ولكن بعضهم الآخر أجرى عملية الاستبدال فعلاً.‏

أخيراً:‏

يمكننا القول بأن الخطة الزراعية لم تكن مقنعة من جانب غراس الحمضيات، فهي تُجافي الواقع، ولا تُحاكيه إطلاقاً، مثلها مثل موسم الحمضيات، فهو لم يعد مقنعاً بالفعل أيضاً، إن لم يتم إنقاذه فعلياً، تجارياً وصناعياً، بعيداً عن التنظير والكلام، فالاجتماعات وحدها لن تسوّق المحصول، ولابد من إيجاد حلولٍ تضمن التسويق، وبالتأكيد فإن زيادة غراس الحمضيات ستكون جزءاً من تفاقم المشكلة وليست حلاً.‏

“صحيفة الثورة”