زلزال ترامب

يبدو أن زلزال “ترامب” الأمريكي يتردد صداه في فرنسا، فقد أحدث رئيس الوزراء الأسبق “فرانسوا فيون” مفاجأة ” ترامبية ” في الانتخابات التمهيدية لتياري اليمين والوسط ، من أجل اختيار مرشح رسمي للتنافس على رئاسة الجمهورية ربيع العام القادم .

تمثلت المفاجأة في انتقال فرانسوا فيون من مرشح هامشي يحتل المركز الرابع في استطلاعات الرأي، إلى مرشح كاسح خلال أسبوعين و تمكن ليس فقط من احتلال المركز الأول في الدورة الأولى من الرئاسيات التمهيدية ، وإنما أيضا من توسيع الفارق بنسب كبيرة بينه وبين الفائز الثاني آلان جوبيه، إذ بلغ أكثر من 15 نقطة، وحاز على ضعفي الأصوات التي نالها المرشح الفاشل نيكولا ساركوزي.

لا يتمتع “فيون” بمزايا استثنائية فهو محافظ وليبرالي حتى العظم ويعد ب بفصل 500 ألف موظف رسمي من وظائفهم في الدولة ويناهض الإصلاحات القانونية التي وقعت في عهد فرانسوا هولاند ولا يحبذ زواج المثليين ويعتقد أن الإجهاض خاطيء.. الخ

آلان جوبيه وعد ناخبيه بمفاجأة في الدورة الثانية للانتخابات التمهيدية الأحد المقبل، لا تقل أهمية عن مفاجأة فيون في هذه الدورة، معتبرا أن موجة الأصوات التي حصل عليها خلال أسبوعين، ليست راسخة بل متحركة إلى حد يمكن أن تصب في صالح غيره.ويراهن جوبيه على انكشاف “فيون” أمام الناخبين بصفته المحافظة وبوعوده الليبرالية التي قد لا تحظى بتأييد واسع لدى الرأي العام الفرنسي.

ويعتقد أنصار جوبيه أن “فيون” لم يكن هدفا في الدورة الأولى للاقتراع لهجوم المتنافسين، فقد انصب الجدل الانتخابي حول ساركوزي وآلان جوبيه فكان هو المستفيد الأكبر من صراع القطبين ولاسيما أنه لم ينخرط بسجالات فئوية وظل بعيدا عن المشادات والاتهامات فصار مرشحا جذابا .

أضف إلى ذلك أنه لم يفصح عن كامل برنامجه الانتخابي وفضل إضفاء الغموض على بعض نواياه في الحكم، معززا الشائعات التي تقول إنه سيكون أشبه ب “تاتشر فرنسا”، وتصرف بطريقة شعبوية محببة للناخبين الذين زارهم في كل أنحاء البلاد بل هو المرشح الوحيد الذي زار كل المحافظات الفرنسية وتجول في أقاصي الأرياف، وهذا السلوك يترك في العادة تأثيرا محببا لدى الناخبين، ولاسيما أن التنافس يتم بين شخصيات يمينية أفكارها ورؤاها متقاربة الأمر الذي يتيح المجال للتصويت وفق لطف المرشح وجاذبيته وروح الدعابة التي يتمتع بها .

وكما في ظاهرة “ترامب” يبدو أن استطلاعات الرأي لعبت دورا مهما وغير مباشر لصالح “فيون” إذ صبت اهتمامها على الثنائي جوبيه ساركوزي واعتبرت أن الرجلين سيترشحان للتنافس في الدورة الثانية هذا إلى حد بدا معه أحيانا وكأن لا حاجة للاقتراع، وأن النتيجة محسومة سلفا، فإذا بالناخب يفاجيء الجميع ويعطي أجهزة الاستطلاع وسبر اتجاهات العمليات الانتخابية درسا في التواضع، وبالتالي الاقتراب أكثر من مشاعر الناس ومشاغلهم بل الغوص أعمق للتعرف على اهتمامامتهم وهواجسهم.

وكما في الولايات المتحدة الامريكية يبدو أن المشرفين على أجهزة الاستطلاع في فرنسا فشلوا أيضا في التعرف على نوايا الناخبين الذين شكلوا موجة كاسحة في بحر “فيون” .

الواضح أن نسبة المترددين عشية الاقتراع وصلت إلى أكثر من 22 بالمئة من الجسم الانتخابي. هذا التردد حسم القسم الأكبر منه لصالح المرشح الفائز لسبب بديهي هو أن الثنائي جوبيه ــــــــــــ ستاركوزي يدافعان عن برنامجين انتخابيين لا لبس في عناصرهما في حين بدا برنامج فيون مفتوحا ويمكن تأويله، فانصبت الأصوات عليه ولاسيما أن أحدا لم ينتقده كما لاحظنا من قبل وبالتالي هو الأقرب إلى إغراء الناخبين المترددين يضاف إلى ذلك أن الناخب اليميني يعرف أن الرئاسيات التمهيدية ليست حاسمة، وأن المرشحين السبعة لا يختلفون على الأساسيات، فلماذا لا يجرب الناخب مغامرة جديدة مع مرشح موهوب وقريب من الناخبين، وغير ملوث بالفساد. طبعا لا بد من لفت الانتباه إلى ردود الفعل الغاضبة بصمت على سلوك المرشحين التقليديين الذين غالبا ما يصورون الأمور وكأنها محسومة ولا تحتاج حتى إلى الاقتراع وفي هذه الحالة ربما وجدت قلة من الناخبين أنه لا بد من وضع حد لمثل هذا التعالي وهذه الغطرسة عبر التصويت العقابي وبالتالي اختيار المرشح الذي “لا يعول عليه ” إعلاميا.

يبقى جانب أخر في هذا الاقتراع متعلق بناخبين يساريين وآخرين من اليمين المتطرف، وقد ساهم هؤلاء في تعديل النتائج. فالثابت أن اليسار أشار ضمنا إلى قطاعات من ناخبيه بوجوب المشاركة في الاقتراع لقطع الطريق على نيقولا ساركوزي، ومثلهم فعل اليمين المتطرف. عندما تصب أصوات خارجية في صناديق الاقتراع اليمينية يصبح الجسم الانتخابي اليميني مخترقا وتضيع بالتالي كل محاولات استشراف نتائج الاقتراع .تجدر الإشارة هنا إلى أن الهيئة المنظمة للرئاسيات التمهيدية أقرت بحق كل الفرنسيين في التصويت لاختيار مرشح يميني للرئاسة وبالتالي لم تحصر هذا الحق باليمين حصرا .

الأسبوع المقبل قد يكون لفرنسا “ترامبها” ممثلا ب فرانسوا فيون ، الذي قد يجد بولفارا واسعا أمامه للفوز بقصر الإليزيه ذلك أن اليسار خرج من عهد هولاند محطما واليمين المتطرف لم يجد بعد مصداقية كافية لتولي الرئاسة الأولى إلا إذا نجح آلان جوبيه في اختراق كل التوقعات واجترح مفاجأة أخرى على غرار فيون ،في مثل هذه الحالة لا بد من حديث آخر.

فيصل جلول – موقعه الشخصي..


اقرأ ايضا:

السيناتور غابارد تطالب الكونغرس بتشريع عدم محاربة سورية فيرشحها ترامب للخارجية!!

ترامب يقترب من تشكيل فريقه الأمني ويقترح بومبيو المتشدد مديراً للسي إي إيه .

 


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام