سئم السوريون من التغيير الشكلاني للحكومات، ومن التعديلات الوزارية القائمة على إرضاء القوى السياسية والحزبية والمتنفذين، فهم اليوم أحوج ما يكونون إلى الوزراء الحقيقيين، وإلى رجالات الدولة الذين لديهم القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، والإصرار على تنفيذه. إذ لا نحتاج من ينتظر التوجيهات، أو من يقبل أن يكون متلقياً سلبياً لما يجري، أو أن يبرر عجزه، بأنه يعمل في زمن الحرب. ويحزننا أن بلادنا أمضت كل هذه السنوات بلا خطط اقتصادية واضحة.

وحكوماتنا المتعددة، لم تكلف نفسها، وترسم خطاً اقتصادياً يتناسب مع احتياجات البلاد التنموية. والاستثناء الوحيد الذي يمكن الحديث عنه، ما قدمه الراحل الكبير عصام الزعيم ( 1940 ـ 2007)، آخر وزير للتخطيط في سورية (2000 إلى كانون الأول 2001)، الذي وجد أن البلاد ينقصها الكثير، ومن بين أبرز النواقص التخطيط.

وضع الزعيم الخمسية التاسعة، وبدأ بمشروعه الأهم، سورية ،2020 الذي يمكن اختزاله بتحديد احتياجات سورية القادمة. هذا المشروع الذي كانت البلاد بحاجة إليه، وأده الفاسدون، ومنع تنفيذه من توقعوا أنهم متضررون منه، وحالت دون إكماله قوى متنفذة ومحتكرة للقرار الاقتصادي، وشنت عليه قوى مصلحية هجوماً شرساً، وبالنتيجة مات المشروع في جوهره، كما مات الزعيم وفي قلبه حسرة على المعاملة السيئة لحكومة ناجي عطري الأولى التي اتهمته بالفساد، وألقى حينذاك وزير المال محمد الحسين الحجز الاحتياطي على الزعيم وزير الصناعة الأسبق ( 2001ـ أيلول 2003)، الذي عرف عنه الكبرياء والشفافية وسمعة رجل العلم.

مات عصام الزعيم في كانون الأول ،2007 كما مشاريعه التنموية الكبيرة التي اقترحها، كهيئة مكافحة البطالة، وسورية ،2020 وإصلاح القطاع العام الصناعي، وزيادة الإنفاق الاستثماري العام. هذه المشاريع كانت في حقيبة الزعيم، رجل الدولة بامتياز، وأحد مفكري الاقتصاد ومنظريه، وصاحب التجربة في العمل الاقتصادي الدولي، والمستشار لعدد من الحكومات. والمهم في كل ذلك مشروع سورية ،2020 الذي كان الزعيم يرى أنه ـ أي المشروع ـ الوحيد القادر على صنع التنمية في البلاد، وتلبية مطالب الناس، إذ إنه وضع اللبنة الأولى على طريق التنمية الذي بُحّت حناجرنا من أجله، لكننا قتلناه بفضل الفساد المنظم، وقوى الشر والاحتكار. تحضرنا هذه الذكرى، ليس فقط وفاء للزعيم الذي مات بدير الزور محاضراً عن التنمية الإقليمية، بل ونحن على أبواب تشكيل حكومة جديدة، أمامها الكثير من التحديات، والمزيد من المصاعب، التنموية والاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن السياسية والعسكرية.

يحتاج السوريون إلى حكومة حقيقية، لا إلى أشخاص يخالفون القانون ويتحدثون عن مكافحة الفساد..وإلى فريق وزاري لديه خبرة في العمل حسب الاختصاص، لا إلى جوائز ترضية. وإلى برنامج إسعافي ينقذ أكثر من 14 مليون سوري من الفقر، وفقاً لتقرير منظمة الهلال الأحمر، بعيداً عن توزيع السلل الغذائية.

نحتاج إلى حكومة لديها رؤية واضحة في مجال الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية، لا إلى أشخاص يقفون ضد مصلحة المواطن. إلى فريق قادر على إدارة ملف الدعم، ومعالجة معضلة المحروقات، وليس من يزعم أنه يستهدف الفئات الأكثر فقراً. إلى متخصصين في تحديد موقف واضح من الزراعة والصناعة والتجارة، وليس من يسعى لاقتصاد ريعي.

تتعرض سورية لحرب منذ سنوات خمس، دمرت بناها التحتية، ومصانعها، وتهالكت قوتها الاقتصادية، وتراجعت إلى حدودها الدنيا قدراتها في التعليم والصحة. و تحولت الآن، للأسف الشديد، إلى بلد منكوب، لكنه قادر على النهوض، ولديه المزيد من الفرص ليستعيد عافيته، وتزيد هذه الفرص بكثير عن الفرص التي أودت به. وهذا يعكس مدى حاجتنا إلى حكومة قوية، بكل ما تعني الكلمة من معنى، لتكون الحكومة التي ستحمل الرقم 93 منذ عام ،1918 حكومة فاعلة، لا تنتظر وزيراً لبنانياً يصدر قراراً يمنع بموجبه دخول الخضار السورية إلى بلاده، لتبدأ التفكير بما يجب القيام به على صعيد تنظيم التجارة الخارجية.

نطمح لحكومة لا تنظر إلى ما ينفق على الصحة والتعليم على أنه هدر، بل من الباب التنموي. حكومة ترى في الكهرباء حقاً لكل مواطن، وليست عبئاً على الخزينة. حكومة تجد في الضرائب وتسديدها ملفاً وطنياً ملحاً، وليست قضية تتعلق بأداء وزير المال وفساد عدد من الموظفين. حكومة تنظر إلى السوريين كلهم بوصفهم مواطنين، شرفاء ونبلاء، لهم حقوقهم التي يكفلها الدستور.

حكومة تؤسس لفكر اقتصادي وسياسي جديد، ولمرحلة تطوى فيها الهنات والصغائر، وتُحاسب فيها القوى المعادية للمصلحة الوطنية. كم نحن بحاجة إلى حكومة تشق طريقاً، تنموياً وسياسياً، يريده السوريون.

“جريدة النور”