سوق السلاح «صاحي» :مئات المدنيين ضحايا فوضى السلاح ….«تجّار» لا تطالهم القوانين… وتشكيلة لا ينقصهــا إلا السلاح الثقيل… و”على عينك يا حكومة”!

تحاول عادلة المحمد ألا يغيب طفلها الذي لم يبلغ الحادية عشر من عمره عن ناظريها، وتقول: قبل أكثر من عشرة أيام حاول ابني الاستجابة لنداء رفاقه في الحارة، للعب بالكرة في ساحة المدرسة القريبة من منزلنا. لكن ابني كان معاقباً لينهي فروضه المدرسية، ولم أسمح له بالخروج لحين انتهاء واجباته المدرسية.

تتابع: ماهي إلا دقائق قليلة حتى سمعنا صوت انفجار، كان ضحيته أكثر من ثمانية أطفال توفي أحدهم، وتراوحت إصابات البقية بين متوسطة إلى خطيرة. تقول: “لا أدري أيّ قدر حمى طفلي من الخطر، وبأي ذنب قُتل من قتل وأصيب من أصيب”.

تحـــدّث أهــــل المنطقــة (جديدة الفضـل) لـ بأكثر من رواية عن الحادثة التي وقعت، فالبعض قال إن الأمر لا يتعدّى عثور الأطفال، على قنبلة من بقايا المعارك التي انتهت منذ العام 2013، في حين ذهب البعض إلى اتّهام أيادٍ خفية زرعت القنبلة داخل المدرسة كي تصيب أكبر عدد من الإصابات. لكن العدد الأكبر كان يتحدث بالهمس عن سرقة الأطفال للقنبلة من منزل أحد الأطفال، الذي ينتسب والده لأحد الفصائل الرديفة، وأثناء تباهي الطفل بالقنبلة انفجرت بين الأطفال. التحقيقات لم تنته بعد في هذه القضية وغيرها الكثير من القضايا المشابهة. حيث يكاد لا يخلو اليوم الذي نسمع فيه عن إصابة أو وفاة أحدهم، نتيجة للعبث بسلاح متروك أو بإطلاق النار العشوائي، فيما تغيب أخبار محاسبة المسؤولين عن إطلاق النار.

مظاهر متخفية!

تقول سوسن طالبة جامعية من سكان منطقة (المزة 86) إن مظاهر السلاح في المنطقة تراجعت عما كانت عليه في السنوات السابقة، لكن السلاح لم يختفِ أو يزول، إنما خفّت مظاهر استعراض السلاح الذي سرعان ما يظهر لأبسط خلاف يقع. قد يكون الخلاف من أجل ركن سيارة في مكان ما أو حتى بين أطفال في الشارع على لعبة كرة، وسترى لأجل ذلك أن كلا الفريقين سيحشدان العشرات من الأشخاص المسلحين خلفهم، ولن تنتهي المشاجرة بأقل من بضع رصاصات في الهواء للاستعراض.

من جهتها، تُنصت سناء (من سكان جرمانا) جيداً لصوت إطلاق النار، فإذا كان الإطلاق بشكل مستمر ويحمل أصوات أسلحة متفاوتة في القوة فهو تشييع لشهيد، أما إذا كان إطلاق النار متقطعاً وأصواته خفيفة فهو زفّة عرس، وتتابع مع الأسف بتنا نتباهى بأصوات إطلاق النار في المناسبات، ولم نعد نلتفت لقيمة المتوفي، وصرنا نقيس مكانة الشخص بكمية إطلاق النار التي نسمعها. تتابع سوسن: عند سماعي للأصوات، أدخل مع أبنائي إلى داخل المنزل، خصوصا بعد أن تلقّت شرفة منزلنا التي تطل على إحدى ساحات مدينة جرمانا عددا لا بأس به من الأعيرة النارية، أصابت إحداها ابنتي الكبيرة في يدها، لكن الجرح الذي تسببت به الرصاصة لم يكن خطيراً.

تشير الإحصائيات الصادرة عن عدد من المشافي العامة في سورية، إلى إصابة ما يقارب مائة شخص برصاص عشوائي ليلة رأس السنة، حيث استقبل المشفى الوطني في اللاذقية 36 شخصاً أصيبوا بالرصاص العشوائي ليلة رأس السنة. فيما صرّح، رئيس قسم الإسعاف في مشفى المواساة، الدكتور هيثم أباظة لـ   أن المشفى استقبل 15 إصابة بطلق ناري خلال الشهر الأول من العام 2018.

السويداء ترحب بكم وبسلاحكم!

يكاد لا يخلو يوم إلا وتردُ فيه أخبار من محافظة السويداء، عن إصابة بعض الأشخاص نتيجة إطلاق نار أو رمي قنبلة أو خطف. يقول فارس 22سنة (فضل عدم ذكر اسمه كاملاً): أغلقت محلّي الخاص ببيع الموبايلات في مدينة السويداء نتيجة سطو بعض المسلحين على محلي، وسرقة جوالات وجهاز محمول وإكسسوارات بملايين الليرات، وأضاف فارس، تقدّمت بشكوى للمخفر المختص لكن المخفر قيّد الحادثة ضد مجهولين، ففضّل أهلي إغلاق المحل بدلاً من أن يتم اختطافي أو قتلي، لأن الإنسان بات رخيصاً جداً، ولا يكلف أكثر من رصاصة، وقد شهدنا أكثر من حادثة قتل وقعت في وضح النهار وأمام الجميع، دون أن يتم اتّخاذ أي إجراء قانوني بحق الجناة.

تتحدث مصادر محلية عن تنوّع في مصادر السلاح الموجود على أرض المحافظة، لكن معظمها يصل عبر الحدود الأردنية – السورية تهريباً، حيث يوجد مجموعة من الطرق التي كانت تستخدم قبل الأزمة، ولا يزال بعضها مفتوحاً ليومنا هذا، أو عبر تجّار يتنقلون بين الفصائل المسلحة التي تقاتل في غرب السويداء، أو شمالها. وتضيف المصادر أن شراء السلاح لا يتطلب أي شروط سوى توفر المبلغ المالي، وتتابع المصادر حديثها بالقول إنه يمكن لأي شخص أن يقتني قنبلة يدوية مقابل 50 ألف ليرة سورية.

 أيهم عزّام يؤكد بأن السلاح أصبح بين المدنيين مثل الهواتف الخلوية من حيث الانتشار والإشهار في الأماكن العامة، فأغلب الأفراد وبسبب مرور فترة انعدمت فيها الثقة بقدرة المؤسسات الحكومية على حماية أمنها لجأت للأمن الذاتي، واقتنت الأسلحة، حتى أصبح السلاح ظاهرةً تهدّد أمن المجتمع وسط غياب واضح لأي إجراءات حكومية أو غير حكومية لردعها. يضيف: نحن في منظمة “جذور” نحاول نشر الوعي بمخاطر تفاقم هذه الظاهرة على مستقبل البلاد، بالإضافة إلى تسليط الضوء على أسباب هذه الظاهرة وكيفية إيجاد الحلول المجتمعية للحد منها، من خلال مشروع جلسات حوارية نعمل عليه، وينتج عنها ورقة عمل تتضمن الإجراءات والحلول الممكن اتخاذها، لوقف انتشار هذه الظاهرة بهدف تشكيل أداة ضغط على الجهات المختصة، للوقوف أمام مسؤولياتها وتفعيل دور المجتمع المدني في القضايا المتعلقة بهذا الأمر.

حمص .. سوق مفتوح!

في محافظة حمص التي شهدت أسوأ الأحداث خلال سنوات الأزمة، لم تعد عملية بيع السلاح تتم في الخفاء، أشخاص محددون هم من يتحكّمون بالأسعار والسوق، وغالبا ما يتم شراء السلاح عبر الحدود السورية – اللبنانية، أو عبر الحدود العراقية التي تتصل ببادية الشام التابعة إداريا لمحافظة حمص، حيث تنشط طرق التهريب القديمة.

وتقول مصادر مطلعة لـ   إنه لا يوجد سوى الأسلحة الثقيلة مما لا يتم بيعه في حمص، فأنت تستطيع أن تحصل على بندقية كلاشينكوف مقابل مبلغ 300 ألف ليرة، وقد بيعت الرصاصة الواحدة بـ 200 ليرة سورية، كما يمكنك شراء مسدس حسب مواصفاته بدءاً من خمسين ألف ليرة سورية، إضافة الى وجود باعة مختلفين هم من يقومون عادة بعملية “التعفيش”، ويجدون أسلحة خلّفها المسلحون أو غيرهم من العصابات، فيبيعون الأسلحة بأسعار بخسة جدا، قد يصل سعر القنبلة إلى 5000 ليرة لا أكثر وقد تحصل على قطع مجانية. وتتابع المصادر بأن عملية البيع تتم بمعرفة الجهات الحكومية التي تغض الطرف عن هذه المظاهر.

وتضيف المصادر بأن أكثر الطرق المعروفة، التي كانت تشهد عمليات تهريب للمواد الغذائية والدخان والحديد والمواد الكهربائية تغيرت وظيفتها اليوم لتهريب السلاح والبشر.

قوانين وعقوبات لا ينقصها سوى التطبيق!

 الحقوقية رهادة عبدوش تعتبر أن القوانين السورية في هذا المجال لا تزال قاصرة، وخاصة التفصيلات المتعلقة باستخدام السلاح المرخّص في الأماكن العامة.

ففي المرسوم 51 عام 2001، “لا يجوز استخدام السلاح دون ترخيص”، وله عقوبة خاصة، وفي المادة 13 يحظر صنع الألعاب النارية أو استيرادها، أو تصديرها، أو الإتجار بها، أو بيعها، أو تخزينها، أو إتلافها، أو نقلها من مكان إلى آخر بدون ترخيص، كما أن هناك عقوبة لحيازة السلاح دون ترخيص.. وفي المادة 41-أ- يعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى ست سنوات، وبالغرامة من عشرة آلاف إلى خمسين ألف ليرة سورية لكل من حمل، أو حاز سلاحاً حربياً أو ذخيرة له، غير قابل للترخيص بموجب أحكام هذا المرسوم التشريعي.‏

-ب- يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبالغرامة من 5 آلاف إلى 25 ألف ليرة سورية كل من حمل أو حاز دون ترخيص، مسدساً حربياً أو ذخيرة له.‏

أما في حالة الترخيص فيجب عدم استخدامه وفقاً للمادة 11 في المناطق السكنية والمناطق التجمعات مثل الحفلات والمخيمات، والمناطق الصناعية، والمناطق النفطية، وأي منطقة أخرى يحددها الوزير (وزير الداخلية) بعد موافقة رئيس الوزراء.‏

كما لا يجوز حمل الأسلحة المرخّص بها في مقرّات المؤتمرات والاجتماعات العامّة ودور المحاكم، الموانئ والمطارات، الملاعب والأندية الرياضية فيما عدا الأندية المرخص بها بالرماية، وأي مكان آخر يحدده الوزير بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء.‏

ويستثنى من حكم الفقرتين /آ/و/ب/ السابقتين من تستوجب طبيعة عمله حمل أو استعمال الأسلحة، على أن يكون استعمالها أثناء قيامه بمهام عمله أو بسببها.‏. بالإضافة إلى أن القانون منع بموجب المادة 15 إطلاق الألعاب النارية في الطرق وداخل المنازل والمحال العامة وأماكن التجمعات.‏

أما العقوبات، فجاءت وفقاً للمادة 43: يعاقب بالحبس حتى ثلاثة أشهر وبالغرامة من ألف إلى 3 آلاف ليرة سورية، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف أحكام أي من المواد 11 و15 الخ… من هذا المرسوم التشريعي

وتتابع عبدوش أن مشكلة القوانين الحالية هي اعتمادها على القرارات دون وجود تنفيذ لهذه القرارات، وبالتالي سنكون أمام أزمة حقيقية إذا لم يتم ضبط السلاح المنتشر، حيث لا يمكننا حالياً التأكد من أن كل الأشخاص الذين يحملون سلاحاً يمتلكون الرخص الحقيقية للسلاح الذي بحوزتهم. فعدد كبير منهم لا ينتمي لوزارة معينة أو جهات حكومية.

نفسياً… السلاح عامل جذب

 الاستشاري في منظمة الصحة النفسية الطبيب النفسي جميل الركاب يوضح أنه يوجد سبب نفسي وراء حمل الأفراد المدنيين للسلاح، ويضيف في حديثه لـ   أنه يجب الانتباه لأن هذه المظاهر كانت موجودة قبل الحرب، وكانت ملفتة للنظر أكثر حينها، فقد يكون مألوفاً اليوم أكثر من قبل رؤية هذه المظاهر، وخصوصاً أن بعضها يأخذ طابعاً دفاعياً في بيئة مهدِّدة. وبالطبع فإن شرائح عمرية محددة هي الأكثر ميلاً لفعل ذلك وخصوصاً المراهقين والشباب. والمشكلة بحسب الركاب أنه في الحروب الداخلية يصبح تعريف المدني صعباً، مع وجود العديد من التشكيلات والبنى التي يُقصد منها الدفاع أو الحماية، فما نراه مدنياً قد لا يكون كذلك بمفهوم ما. السلاح برمزيته يمثّل القوة والسلطة والسيطرة، وهذا جاذب للجميع وللشباب خصوصاً. وفي الواقع فإن السلاح يصبح أكثر جذباً كلما فقد الشاب القدرة على التحكم بحياته ومجرياتها، وفقد الأمل ببناء مستقبل أفضل. وبهذا المعنى هو نوعٌ من ترميم القدرة المفقودة، ودليلٌ على الفاعلية. وفي الحروب ومع تراجع الأمل وتزايد الإحباط، قد يمثل السلاح حالة من التمسّك بأداة يمكن لها أن تمنح حاملها شرف المشاركة في صناعة مستقبل ما، بدل الاستمرار بالعجز عن إحداث أي فرق في الحياة.

ويضيف ركاب: لا شك أن للموروث الشعبي كجزء من الثقافة -استمر من عهد القبيلة والغزوات بين القبائل- تأثيره الكبير في العديد من الظواهر الاجتماعية، ومنها حمل السلاح أو إطلاق النار في المناسبات، وفي بعض المجتمعات المحلية تعدّ قدرة الطفل/الشاب، على فعل ذلك دليلاً على النضج والرجولة. ونجد أن ثقافات أخرى تحتفل مثلاً بطرق أخرى تعززت داخل الموروث الشعبي مثل (فتح زجاجات الشمبانيا، طقوس روحية أو دينية محددة). وهذا يفتح المجال للتأثير بهذا الموروث وتوجيهه لسلوكيات تتناسب مع ما يراد للمستقبل أن يكون عليه. ومن المستبعد حالياً ومع وجود كل هذه الصراعات في منطقتنا أن يكون هناك دفع مجتمعي باتجاه الحدّ من هذه السلوكيات والمظاهر حيث تعد كجزءٍ من عدة المعركة القادمة.

نزع السلاح .. بناء السلام

من الأمور التي قد تواجه سورية عند انتهاء الحرب القائمة، هو كيفية نزع السلاح من المقاتلين التابعين لفصائل متعددة كما هو الحال في الساحة السورية. وهنا تطرح الأمم المتحدة برامج يتمّ اتباعها عادة في المراحل التي تأتي بعد توقف أي نزاع، كبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج. وتمثل أنشطة نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج عناصر بالغة الأهمية في كل من عمليتي تحقيق الاستقرار الأولية للمجتمعات الممزّقة، وعملية تنميتها طويلة الأجل. ويجب أن تدمج عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، في كامل عملية السلام بدءاً من مفاوضات السلام وانتهاءً بأنشطة حفظ السلام ومتابعة بناء السلام.

نزع السلاح هو جمع الأسلحة الصغيرة والذخيرة والمتفجرات والأسلحة الخفيفة والأسلحة الثقيلة من المحاربين، وفي أحيان كثيرة من السكان المدنيين، وتوثيقها وتحديدها والتخلص منها.

التسريح هو الإخراج الرسمي الخاضع لسيطرة المحاربين الفعليين من القوات المسلحة والجماعات المسلحة، ويشمل مرحلة “إعادة الإلحاق”، التي تقدّم مساعدة قصيرة الأجل للمحاربين السابقين.

إعادة الدمج هي عملية يكتسب بها المحاربون السابقون الوضع المدني ويحصلون على عمل ودخل مستدامين. وهي عملية سياسية اجتماعية اقتصادية ذات إطار زمني مفتوح تتم بصفة رئيسية في المجتمعات على الصعيد المحلي.

 

جريدة الأيام 


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام