عن: صحيفة “الأيام” ـ زينة شهلا

«إن لم تقتلنا الحرب، ستقتلنا الأسماك والأطعمة الفاسدة!»، تتمتم أم عابد وهي تروح جيئة وذهاباً في أروقة أحد المراكز الصحية في مدينة جرمانا بريف دمشق، بانتظار نتائج تحاليل ابنها الصغير وسام الذي أصيب بآلام شديدة في البطن ظهر اليوم نفسه.

السيدة البالغة من العمر 40 عاماً تقول في حديث لـ”الأيام” إن طفلها البالغ العاشرة من العمر، شعر بتلك الآلام إثر تناول وجبة مكوّنة من السمك بشكل أساسي، ولدى عجزه عن التحمل، نقلته الأم بسيارة أجرة من منزل العائلة في حي الدويلعة إلى جرمانا، ليشخّص الأطباء إصابته بتسمم غذائي حاد.

ولدى سؤالها عن مصدر تلك الأسماك، تحتار أم عابد في الإجابة، لتشير إلى حصولها عليها من سيارة اعتادت التجوال في حيّها وغيره من الأحياء الشعبية لتبيع أسماكاً مكشوفة، وغير مخزنة بطريقة صحية بطبيعة الحال.

سيارات جوالة تصعب ملاحقتها وتعقّب وجهاتها المتنوعة كل يوم، لكنها تنشر الأمراض في كل مكان تحطّ فيه، حيث يستغل أصحابها فقر حال سكان الأحياء العشوائية، والذين يفضلون شراء أطعمة أقل سعراً، وإن كانت أسوأ حالاً. وأقل سعراً قد تكون فوارق لا تتعدى بضع مئات الليرات السورية، لكنها مبالغ تعني الكثير لآلاف العائلات التي تعيش حياتها يوماً بيوم، دون أن تعرف ما سيكون عليه حالها في المستقبل القريب.

 أسماك بنصف القيمة

تباع الأسماك في دمشق بشكل أساسي في أسواق باب سريجة وشارع الثورة والمزة شيخ سعد، وأيضاً في مراكز التسوق «المولات» كتلك الموجودة في المالكي وكفرسوسة.

وتتفاوت الأسعار بين هذه الأسواق التي يُعدّ باب سريجة وشارع الثورة أرخصها، ومراكز التسوق أغلاها. لكن الأقل سعراً على الإطلاق هو تلك السيارات الجوالة التي يحصل أصحابها على بضائعهم من سوق الأسماك الأساسي المعروف بساحة المزاد في منطقة الزبلطاني، وهي بضائع كاسدة على الأغلب، لتباع في الأحياء الأكثر شعبية بأسعار منخفضة، مضافاً إليها أمراض وآفات لا تحصى.

بعض أصحاب المحال في تلك الأسواق أفادوا لـ”الأيام”  بأن مالكي السيارات يعتمدون على شراء الأسماك التي مضى على وجودها في السوق الأساسي أو الأسواق الفرعية عدة أيام، أو الأسماك ذات الجودة المنخفضة، وذلك «بنصف القيمة»، مستفيدين من احتمال كسادها، فالسمك لا يعتبر بضاعة مرغوبة إلى حد كبير في دمشق اليوم مع غلاء سعره مقارنة بأصناف غذائية أخرى.

ووفق حديث أحد بائعي الأسماك في شارع الثورة – والذي رفض الكشف عن اسمه – فإن الرقابة التموينية والصحية تغضّ الطرف عن تلك السيارات وتكتفي بملاحقة أصحاب المحال، وهو أمر ضروري دون شك لكنه غير كاف لتجنيب مئات العائلات خطر التسمم بأسماك، غير محفوظة بطرق صحية.

وينوّه البائع لـ”الأيام” بوجود مشكلة أكبر تكمن في وجود بضائع مجهولة المصدر، وهي ظاهرة ازدادت خلال السنوات الأخيرة مع انخفاض الإنتاج المحلي من الأسماك كالسلمون، نتيجة خروج العديد من مزارع الأسماك عن الخدمة بسبب وقوعها في مناطق ساخنة، أو بسبب ارتفاع أسعار المواد اللازمة لتربية الأسماك كالوقود والأدوية والأعلاف.

«أنا أتجنب شراء هذه البضائع وأعتمد فقط على تلك المحلية»، يضيف المتحدث.

 ماذا عن الرقابة؟

عبد المنعم رحّال معاون مدير مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق أقرّ في حديثه لـ”الأيام” بضبط العديد من المحال والبسطات والسيارات التي تبيع الأسماك المخالفة للمواصفات، حيث تم تنظيم 10 مخالفات بهذا الشأن خلال شهري كانون الثاني وشباط الفائتين.

آلية هذا الضبط تتنوع، فللمديرية دوريات جوالة وثابتة تابعة لها، وهي تعمل على مراقبة الأسواق الأساسية وأيضاً المناطق، التي يحتمل ضبط بسطات وسيارات تبيع بضائع مخالفة فيها. كما تتلقى المديرية كافة الشكاوى ذات الصلة على هواتفها وموقعها الإلكتروني.

وتتنوع مهام هذه الدوريات، فعند العثور على بضائع معروضة بشروط غير صحية كأن تكون مكشوفة للهواء الطلق أو محفوظة دون التبريد المطلوب، أو مجهولة المصدر، أو دون إيصالات شراء نظامية، تتم مصادرة المواد والبسطة أو السيارة في حال وجودها، ويغلق المحل لثلاثة أيام على الأقل، مع فرض غرامات مالية وعقوبات قد تصل حد سجن البائع، وذلك بحسب درجة الجرم أو المخالفة.

أما البضائع المعروضة بشكل صحي ووفق المعايير المفروض اتباعها، فتسحب منها عينات بشكل دوري وتفحص للتأكد من عدم فسادها ومطابقتها للمواصفات.. ويضيف رحال في ختام حديثه: «المخالفات موجودة في كل وقت، ونحن نعمل على ملاحقتها ضمن إمكانياتنا المتاحة، وأينما كانت».