خطرٌ يلوح كلما اشتدّت الحرب

مع كل تقدم يحققه الجيش العربي السوري على الأرض يعود الحديث عن التقسيم ليتصدر التصريحات الدولية والمخاوف المحلية، في محاولة للتخفيف من قيمة الانتصارت من جهة، وللتذكير بشبح هذا الاحتمال القائم من جهة أخرى.

سورية اليوم مقسمة فعلياً والجيش العربي السوري يعمل على إعادة وحدتها في حرب شرسة تدفعه دون هذا الهدف، وفي الوقت الذي تتوجه فيه الأنظار كلها نحو النتيجة، هل من الممكن أن تكون نهاية هذه الأزمة وحلها بتقسيم سورية وهو الحل الأشد سوءاً، أم أن الجيش سيقلب الطاولة على المحاولات البائسة للتقسيم لتعود سورية موحدة بكل أطيافها ومناطقها.

أمر واقع!

بعيدا عن التحليلات يرى عضو مجلس الشعب نبيل صالح أن سورية مقسمة فعلياً، والجيش السوري يعيد توحيدها، مضيفاً «أي كلام زائد في هذا السياق يشبه التنجيم».

المعارض وعضو ائتلاف قوى التغيير السلمي فاتح جاموس، لا يبتعد كثيراً في رؤيته لما أوجزه النائب صالح، فيقول: لا أعتقد أبداً بإمكانية قيام تقسيم في سورية له شرعية دولية، إنما هناك إمكانية فعلية بتقسيم صيغة الأمر الواقع، وهي شبه قائمة حالياً، تتعزز من خلال استمرار الأزمة ومزيد من التدخلات الخارجية، خاصة الأمريكية لفرض حصة سياسية في أي مشروع سياسي قادم.

تقطيب للجروح السورية

الخبير العسكري والاستراتيجي د. كمال الجفا يؤكد أن سير العمليات العسكرية المتسارع، في معظم الجبهات العسكرية يوحي بلملمة سريعة، وتقطيب للجروح السورية، وتماسك متسارع للجبهة العسكرية، والتفاف كبير من البيئة الحاضنة للمسلحين حول القيادة والجيش السوري، بالرغم من كل الجراح العميقة التي تركت آثارها عميقاً، في الجسد السوري. موضحاً أن انتصار الغوطة الشرقية وتطهيرها كان مفاجأة كبيرة لكل القوى التي تدير الحرب على سورية، وفشلاً للضغوط الكبيرة التي مارستها دول المحور الثلاث على سورية. وفشل الهجوم الصاروخي على سورية وثبات الحلفاء والقيادة السورية، وإصرارهم على الاستمرار في إكمال المهمة العسكرية مهما كانت التحديات، كل ذلك أنتج نصراً أكبر في القلمون الشرقي مما تم تحقيقه في الغوطة، فالعتاد الثقيل والمتنوع وآلاف الأطنان من الذخيرة والآليات العسكرية الذي تم تسلميها للجيش السوري، وانسحاب المجموعات المسلحة من القلمون بدون حدوث أي صدام ميداني على الأرض هو الرسالة التي تقرؤها بهدوء وروية كل المجموعات المسلحة في الجنوب والشمال السوري، وهي الكفيلة بإبعاد شبح التقسيم تماماً.

ورقة ضغط

التقسيم سيبقى صعب التحقّق طالما هناك رفض داخلي فعلي له، وهذا هو الواقع اليوم، لذا لابد من الثبات أمام جميع الضغوط، حتى لا تنتهي الأزمة التي نعيشها، وبعد كل التضحيات التي قُدّمت، بتقسيم سورية.

وعلى الرغم من أن الحديث عن التقسيم بدأ مع بداية الأزمة، إلا أنه لا يعدو في كثير من الأحيان كونه ورقة ضغط، تلوح بها الأطراف الدولية في محاولة لتغيير الموازين.

في هذا السياق يقول المتحدث باسم «هيئة التنسيق الوطنية – حركة التغيير الديمقراطي» المعارضة، د. منذر خدام إن التقسيم ليس كلمة تقال في سياق التجاذبات السياسية بين الأطراف الدولية وبسهولة لافتة، فالتقسيم ليس خياراً واقعياً لا دولياً ولا محلياً. موضحاً: على الصعيد المحلي لا يوجد طرف سوري يقبل بالتقسيم، وعلى الصعيد الدولي لا يتجاوز الحديث عن التقسيم حدود الابتزاز السياسي، أي للتأمين على مصالح معينة لبعض الأطراف، كـ «إسرائيل» في الجنوب وتركيا في الشمال، وربما أمريكا في الشرق… التقسيم يحتاج إلى توافر ظروف ومقومات اقتصادية وبشرية، عدا عن أن التقسيم إذا حصل في سورية فسوف ينتقل إلى دول أخرى…

ويلفت خدام إلى أن التقسيم يُطرح اليوم للتأثير على الحل السياسي خصوصاً لجهة شكل بناء الدولة، أي بناء نظام فدرالي يحافظ على مصالح ونفوذ بعض الأطراف الدولية والمحلية، عدا عن أن أغلب الأطراف السورية لا تقبل بالفدرالية بالشكل التي تطرح به. ربما سوف تكون سورية في المستقبل بحاجة إلى نوع من اللامركزية على مستوى المحافظات القائمة ونقل صلاحيات من المركز إلى المحافظات خصوصاً تلك المتعلقة بحياة الناس.

ويرى عضو هيئة التنسيق أن ترحيل الإرهابيين إلى الشمال كان جزءاً من الحل السياسي في مرحلته الأولى، وسوف يعود هؤلاء إلى مناطقهم بعد الاتفاق النهائي، فهم ورقة تفاوضية بيد مشغليهم، وبالطبع كان أفضل لهم لو قبلوا بالمصالحة والبقاء في قراهم وبلداتهم لكن هي إرادة المشغل مع الأسف!

شكل سياسي مختلف

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض التقسيم خياراً غير واقعي مرجحين فكرة اللامركزية أكثر، يرى آخرون أن ما من الممكن أن يحدث هو شكل سياسي مختلف للبلاد والمنطقة عموماً، حيث يقول الكاتب والمحلل السياسي مازن بلال إن التحول الديمغرافي غالباً ما يكون خطوات تمهيدية لإعادة رسم الحدود السياسية، وهو يحدث منذ بداية الأزمة السورية، ولكن في المقابل فإن التقسيم في الوضع السوري يعني إعادة رسم المنطقة، وحتى الآن ليس هناك حلول بالنسبة للولايات المتحدة بهذا الشأن، ما يمكن أن نقرؤه اليوم أن سورية ستتخذ شكلا سياسياً مختلفاً، وهي مرحلة من رسم ملامح الشرق الأوسط القادم.

ويضيف عضو «التيار الديموقراطي العلماني الاجتماعي» بأن التقسيم لا يعني اقتطاع أجزاء من سورية، فنحن نتحدث عن إدارات هشة وجغرافية تصل لولايات وليس لدول، فهناك درس تاريخي قاس تمر به سورية، تنشط فيه المحاولات لرسم جغرافيتها نتيجة وجود نفوذ إقليمي ودولي مباشر على أراضيها، والتقسيم هو نتيجة التوازنات القادمة وليس أمراً واقعاً، فالبحث عن توازن في المنطقة لم يتحقق حتى اللحظة، وربما على السوريين، النخب السياسية تحديداً، المساعدة لإنتاج هذا التوازن بدلاً من فرضه عبر التقسيم وغيره.

من جهته، الكاتب والمحلل فايز الصايغ يحيل ما يجري من محاولات للتقسيم، إلى العقل الاستعماري القديم الذي يهدف – كما يرى – إلى تفتيت المنطقة من جهة، وتصدير أزمات الدول الداخلية التي تستهدف المنطقة إلى الخارج.

أغرب ما في الأمر كما يقول الصايغ، أن وزير الخارجية الأمريكي الجديد وبأول زيارة خارجية يعتزم القيام بها ستكون إلى بروكسل لحضور اجتماعات الناتو باعتباره من صقور الإدارة الأمريكية، وجِيءَ به بهدف التصعيد. وبعد بروكسل سيتجه إلى السعودية والأردن وبعض دول المنطقة، بهدف زج هذه الدول عسكرياً في الأرض السورية لكي تنوب هذه القوات العربية عن القوات الأمريكية الموجودة على الأرض، فأمريكا ستخوض حرب التقسيم بواسطة عملائها العرب ومن يتم تشغيلهم، هذا قد ينجح هيكلياً، لكن في الواقع لا يمكن أن يحقق أي نجاح، إلا زرع أسافين في العلاقات العربية – العربية، وهنا سيدفع الموافقون على المخطط الأمريكي ثمنين، الأول سيواجهونه على الأرض السورية، والثاني جراء غضب شعوبهم عليهم ولو بعد حين.

الجنوب ينتظر طلائع الجيش

وعلى الرغم من وجود الكثير من الحقائق والمقومات التي تُبعد احتمال التقسيم إلا أنه لابد من الوقوف عند العديد من المعطيات، منها التطورات التي يشهدها الجنوب السوري، ومحاولة تحويله لساحة صراع جديدة. إلا أن تغيير الواقع الديموغرافي الذي يسمح بالتقسيم لم ينجح، ومن المستبعد أن ينجح، علماً أن التدخل العسكري الأمريكي لا يمكن أن يؤدي إلى تأمين ممرات برية، وفي حال كان التدخل العسكري لحماية الاحتلال الإسرائيلي، فهو ضرب من الوهم بل مجازفة بتوسيع الحرب في سورية إلى حرب إقليمية ومجازفة باستقرار الأردن الحامي الحقيقي لكيان الاحتلال الإسرائيلي وهذا من المستبعد أن يحدث.

عسكرياً يرى كمال الجفا أن معركة الجنوب ستكون المعركة الأسهل التي تنتظر القيادة السورية، فالمجموعات التي تحتل مناطق في الجنوب، لم تستطع تحقيق أي نصر ميداني يغيّر الواقع العسكري أو يوسع من سيطرة هذه المجموعات أو أن يلغي سيطرة الجيش على مثلث الموت أو مثلث الرعب، الذي استماتت هذه المجموعات على كسر أحد أضلاعه في الجنوب السوري خلال سنوات من الحرب، أيضاً لم تستطع هذه المجموعات توحيد قيادتها العسكرية ولا السياسية ولا الدينية ولا العشائرية وبقيت مفتتة متصارعة، يغلب عليها الطابع العشائري والشخصي، وبعيدة كل البعد عن العمل المؤسساتي أو التنظيمي، ولم تستطع إيجاد قيادات موحدة بالرغم من كل الضغوط التي مورست عليها، والإغراءات من دول الرعاية والتمويل التي تقف خلفهاً، مضيفاً أن تموضع هذه المجموعات في جيوب متفرقة جغرافياً ومتباعدة ميدانياً، سيمكّن الجيش السوري من أن يلغي عددا كبيرا من هذه الجيوب، عسكرياً أو عبر المفاوضات والتسويات، بمجرد بدء توجه القوات الضاربة في الجيش السوري إلى الجنوب لإنهاء هذه المجموعات، مؤكداً أن الجنوب السوري هو بعيد كل البعد عن أي إمكانية لإقامة كيانات مستقلة أو تقسيمات إدارية أو مناطق نفوذ لأي دولة.

«على الرغم من أننا لا نستطيع قراءة كافة التحولات، لكننا نستطيع على الأقل قراءة التقارير التي تتحدث عن مشاريع تقسيمية» كما يقول مازن بلال؛ ففي الجنوب يبدو المشروع شكلا من المواجهة للنفوذ الإيراني، فهو مشروع لكسر المواجهة المحتملة بين إيران و»إسرائيل» على الأرض السورية، وصاية دولية، أو إيجاد دويلة على النسق اليوغوسلافي.

إدلب… ورقة أمريكا

أما بالنسبة لإدلب والعزلة التي تعيشها فجبهتها ستشتعل عاجلا أم آجلا، كل ما في الأمر أن واشنطن تحاول الاستفادة من هذه الجبهة، بالإبقاء على المسلحين كأداة تخفيف عن «داعش»، وأداة ضغط على الحكومة السورية، ومثلهم مثل مسلحي الغوطة الشرقية وغيرهم ممن طلبوا اللجوء إلى إدلب أو جرابلس، هؤلاء سيتم التجارة بهم عند أول موقف تحتاج فيه أمريكا اللعب بهم كورقة ضغط ليس أكثر…

الشمال… الملف الأعقد

ولشمال سورية الشرقي، حكاية قديمة أيقظتها الحرب، فسيطرة (قوات سورية الديمقراطية) بدعم من الولايات المتحدة، ينذر بخطر من الممكن تفاديه، حيث تدعم أمريكا هذه القوات بالتسليح والمعلومات الاستخبارية، ومؤخراً بالوجود المباشر، وعلى الرغم من أن هذه القوات تعادي بشكل مبدئي القوات السورية، إلا أنها في الحقيقة لاتزال في معركة عنيفة مع «داعش»، وعلى الرغم من أن الحكومة السورية – حتى الآن – لم ترفض بشكل صريح مطالب الأكراد بإدارة ذاتية، إلا أن ذلك سيتغير كلياً فيما لو استطاع الجيش السوري تحقيق الانتصارات في الشمال على «داعش»، هنا ستظهر الحكومة السورية بموقع القوي ولن ترضى بالتخفيضات التي يعرضها الأكراد، والقبول بإدارة ذاتية بعد أن تكون الورقة التي بيدها هي الورقة الأقوى.

وما يؤكد ضعف الموقف الأمريكي وتخبُّطه، هو التصريحات الأمريكية المتداخلة، فبعد أن صرح ترامب بقرب خروج القوات الأمريكية من سورية، والبحث عن بدائل أوروبية وعربية لها، عادت أمريكا لتقول إنها لن تخرج قريبا من شرق الفرات. فهل سيكون قرار أمريكا الأخير في البقاء طويلا قابلا للتحقيق؟

هنا يقول الجفا إن الملف الأعقد هو في شمال شرق سورية، حيث تحاول الولايات المتحدة الأمريكية توريط عدد من الدول الأوروبية والعربية، في هذه البقعة الجغرافية من سورية، إذ لديها رغبة حقيقية في الانسحاب من سورية، لكن لن تقوم بهذه الخطوة إلا بعد توريط قوات فرنسية أو استرالية أو إنكليزية أو حتى سعودية وقطرية، كي لا تظهر أمام العالم أنها خسرت الحرب في سورية، وخذلت حلفاءها الأكراد، وستوكل هذه المهمة إلى حلفائها الأوروبيي%D