عن: صحيفة “الأيام” ـ لودي علي

لملم «أبو بتول» أنقاض بيته، الذي تعرّض لقذيفة صاروخية، بيديه ولم يجد من يعينه حتى في هذا، ولم يجد في جيبه ما يسمح لطلب مساعدة عامل ما!

القذيفة ضربت بيته في «ضاحية الأسد» منذ أكثر من شهرين، ولاتزال جدران هذا البيت المدمّرة تشهد على واقع أليم، جعله يتركها على حالها ويترك عائلته عرضة لبرد الشتاء وأسيرة لتلك الذكرى الأليمة، فليس باليد حيلة، لا راتب هذا المتقاعد قادر على إصلاحها ولا من جهة حتى الآن شاركته في ذلك.

القذيفة دخلت الغرفة واصطدمت بالحائط الداخلي، حسب ما يقول الرجل وتشهد الصور، على تدمّر الحائط والشبابيك والأبواب وأيضاً المقتنيات والأثاث البسيط.

أبو بتول قدّم طلبا للمحافظة لإعانته في الإصلاح منذ أكثر من شهرين، وحتى اليوم لم ترسل المحافظة لجنتها لتقييم الأضرار، وبالتالي لا تعويض قريب في الأفق.

أثرٌ لا يُمحى

يختم الرجل حديثه: «لم يكن يومها في المنزل إلا ابنتي، والحمد لله لم تتعرض لأذى كبير»، أما الأذى النفسي والصدمة التي لاتزال تعيشها تلك الناجية، ليس من أولويات أحد اليوم، ولا حتى والدها.

 ربما لأن أذيّتها تلك بسيطة، على سبيل المثال، بالمقارنة مع أذيّة جارتها في البناء نفسه والتي تعرضت منذ أربع سنوات لطلقة قناص بينما كانت عائدة من عملها كمذيعة في إحدى القنوات السورية الرسمية، ما سبّب لها أذية في النخاع الشوكي وهي اليوم لا تستطيع الوقوف على قدميها.

تلك الصبية التي فقدت، وهي ابنة 25 عاما، برصاصة حاقدة على طريق عام، كل شيء، بداية برغبتها في الحياة، وأخيراً عملها، فالعقد الذي كانت موظفة وفقه، عقد مؤقت، انتهى بإصابتها دون أن تجد من يمدّ لها يد العون لتستمر الحياة عندها، حتى عبر عمل إلكتروني في المحطة التي كانت تعمل بها، وهي التي لم تطلبه. فالرصاصة اخترقت جسدها، إلا أنها لم تأتِ على كبريائها، فلاتزال ترى نفسها تلك الصبية المميزة صاحبة الإطلالة والخبرة العالية، وما يحزّ بقلبها اليوم أن ما من أحد ذكرها، أو عرض عليها أي دعم بغضّ النظر إن كان ماديا أو معنويا.

 شظايا عالقة

وفي جهة أخرى من نفس المدينة، تئنّ أم محمد مثقلة بجراح تركتها شظايا لاتزال عالقة في ظهرها، فأثقلته وأرهقته ألما جسديا ونفسيا.

الساعة السابعة مساء، باتت بالنسبة لها ساعة يومية لاسترجاع لحظة رعب عاشتها عندما حطت قذيفة طائشة بالقرب منها بينما كانت عائدة إلى منزلها في ساحة الحمصي في جرمانا، أسعفت بداية مع اثنين آخرين إلى أحد مستشفيات جرمانا الخاصة، وهنا تقول: لولا العيب لما استقبلونا، إلا أنهم لم يقدّموا لنا إلا القليل من القطن والشاش، وتم تحويلنا إلى مشفى المجتهد، وهناك أيضا وجدنا الكثير من الجرحى في كل مكان… لم نجد فسحة لنا، واعتبروا حالتنا غير إسعافيه أو اضطرارية، ونظراً لأنني مريضة سكر لم يحاول أحد أن يخرج الشظايا من ظهري، أو أن يفعل شيئا حيال الألم الحاد الذي لا يفارقني.

 «فوق الموتة عصّة قبر»

سالم لم يكن أفضل حظاً، فخسارته كانت جسدية ونفسية وأيضا مادية… وتبدأ قصته عندما كان في أحد المنازل يزاول عمله «تركيب ديجتال» وبدون أية مقدّمات دخلت شظية مسرعة، ربما من الباب أو الشباك، لتستقر في رئته ويسقط مغمياً عليه، لتبدأ رحلة عذاب طويلة يرويها لـ”الأيام”  أحد أقربائه: استقرت الشظية في رئته وفي الفقرتين التاسعة والعاشرة من عموده الفقري، أُسعف فورا وهو ينزف بشدة، إلى مستشفى المجتهد ليضعوا له «المفجر»، ويخبروا ذويه أنه في حالة خطرة ويحتاج إلى «منفسة» فورا، إلا أن المستشفى لا يستطيع مساعدته فليس هناك «منفسة» شاغرة، ولا حتى سيارة إسعاف تساعد في نقله إلى مستشفى آخر.

ومن مستشفى المجتهد إلى مستشفيات جرمانا، بقي سالم يتنقل بحثا عن «منفسة» متحملا النزف الشديد دون فائدة، حتى استقبلته في النهاية أحد المستشفيات الخاصة في «باب مصلّى»، حيث بقي هناك ثمانية أيام في غرفة العناية المشددة، دفع خلالها ثمنا باهظا من الألم ومن المال، فقد كلّفت إقامته هناك مليون و200 ألف ليرة سورية، بين علاج واستئجار «منفسة» وعناية مشددة وأدوية.

فكل يوم في غرفة العناية ثمنه 120 ألف ليرة سورية، في النهاية ونظراً لارتفاع العبء المادي والذي بات خارج قدرة ذويه، طلبوا تخريجه تحت مسؤوليتهم الخاصة، ولايزال حتى اليوم يعاني من مشاكل صدرية ويتلقى العلاج ويحتاج إلى التصوير والأدوية بشكل مستمر.

 سالم موظف… وقد حاول أن يقدّم فواتير علاجه إلى مؤسسته علّها تعوضه شيئاً، حيث وعدت الأخيرة بذلك، إلا أنها بالتأكيد لن تستطيع تعويضه بشكل منطقي مقارنة مع المبالغ التي دفعها، لأن الأسعار التي تعتمدها المؤسسة، هي أسعار وزارة الصحة التي تتضمن، على سبيل المثال أن «البقاء في غرفة العناية يكلف كل يوم 3000 ليرة سورية فقط لا غير، بينما يدفع من يدخلها فعليا أضعاف هذا المبلغ.

ولا يلوم ذوو سالم تلك المؤسسة، خاصة وأن اعتمادها السنوي 3-4 مليون فماذا من الممكن لها أن تعوض؟

 صندوق الدعم

عشرات القصص المشابهة يعيش أصحابها في مناطق آمنة، ورغم ذلك لا يجدون الدعم المطلوب لا ماديا ولا معنويا، وزارة الشؤون الاجتماعية لم تقدم شيئا لهم، على الرغم من ضرورة أن يتم إيجاد آلية معينة للوقوف إلى جانبهم في مصابهم.

سواء عبر مؤسسة مستقلة مثل «مؤسسة الشهيد» أو حتى عبر صندوق خاص لدعم مثل هذه الحالات.

الدعم الوحيد الذي يحصلون عليه، هو من خلال المحاولات الخجولة التي تقدّمها الجمعيات والمنظمات الأهلية، حسب قدرتها، وبالتأكيد لن تستطيع هذه الجمعيات أن تصل إلى كل المتضررين ولا حتى لنصفهم، لأن الكثيرين لا يعلمون بوجود مثل هذه الجمعيات ولا ما يمكن أن تقدمه لهم.

وبهذا الخصوص تقول الاخصائية الاجتماعية والمسؤولة في الجمعية السورية للتنمية الاجتماعية، هناء نصير، لـ «لأيام»: في الأزمات ينشطُ عمل الجمعيات الأهلية، لدعم المتضررين من الحرب الدائرة في البلاد بمختلف المجالات، حيث تتوجه الجمعيات المعنية بالدعم لكافة شرائح المجتمع، ويشمل عملها تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من الأحداث، وخاصة الأطفال نتيجة الحوادث التي تعرضوا لها، أو شاهدوها، وما لذلك من تبعات نفسية قد يتعرضون لها، ويكون ذلك من خلال جلسات إرشاد جماعيّ وبرامج تعليمية يقدمها اختصاصيون نفسيون.

وبشكل خاص، فيما يتعلق بالمتضررين من القذائف في المناطق الآمنة، تحاول الجمعية تقديم الدعم لهم، سواء كان ماديا أو معنويا، من خلال مساعدة البعض في ترميم بسيط لمنازلهم، أو شراء بعض الأدوات المنزلية الضرورية التي حُطّمت أو احترقت، إلى جانب تقديم الدعم النفسي لهم، وخاصة في حال كان أحدهم قد تعرّض لصدمة نفسية، وفي بعض الحالات توصلهم الجمعية إلى الطبيب النفسي المختص لتعالجهم على نفقتها.

 هل تستطيع الوصول إلى الجميع؟!

وتضيف نصير: تستقبل الجمعية كل من يطرق بابها سواء من النازحين أو من المجتمع المحلي الذي يشكّل 30% من المستفيدين من عمل الجمعية، إلا أنها لا تستطيع الوصول إلى الأشخاص الذين لم يحاولوا التواصل معها.

 أما عن التعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، تقول نصير إن الوزارة تشرف بشكل مباشر على عمل الجمعية والجمعيات الأخرى، التي تعمل في نفس المجال، فهي تنظم حركة الجمعيات، خاصة، موضوع دخول وتوزيع الأموال عليها، مشيرة إلى أنه يوجد حوالي سبع جمعيات تعمل في هذا المجال بالتعاون مع المنظمات الدولية.

وترى الاخصائية الاجتماعية أنه يجب ألّا نقول إن الوزارة تستطيع أن تفعل أكثر، لأنه وخلال الأزمات من المعروف أن مؤسسات الدولة تكون في وضع غير جيد مادياً، حيث لا يسمح لها بتقديم الكثير من الدعم للمتضررين من تلك الأزمة، وهنا يكون دور الجمعيات والمنظمات الدولية والمحلية.

 «المحافظة» الحاضر الغائب

المحافظة وهي المسؤول الأول عن تعويض المتضررين من الإرهاب، تحت ما يسمى «إعادة الإعمار» تتأخر في كثير من الأحيان بتقديم هذا الدعم، دون وجود مبرر منطقي، خاصة في المناطق الآمنة «الواقعة تحت سيطرة الدولة»، حيث لا مبرر هنا من البطء في تقييم الأضرار أو تعويضها.

وعند التقدّم للمحافظة بطلب من “الأيام” لتبيان حجم التعويضات والأضرار المسجلة لديها، اكتفت بتزويدنا بنسب التعويض الذي تقدمه اللجنة الفرعية لتقدير الأضرار في محافظة دمشق، وفق تعليمات اللجنة العليا لإعادة الإعمار وهي:

الأضرار التي تتراوح بين 30000 ل.س – 250000 ل.س، يعوض المتضرر بنسبة 40%.

الأضرار التي تتراوح بين 250000 ل.س – 300000 ل.س، يعوض المتضرر بمبلغ مقطوع 100 ألف ليرة.

الأضرار التي تزيد عن 300000 ل.س – وحتى 5000000 ل.س، يعوض المتضرر بنسبة 30% على ألا تقل عن100 ألف ليرة.

الأضرار من مبلغ 5000000 ل.س – يتم تثبيت نسبة 30% للمبلغ المذكور ويمنح نسبة 20% على الأضرار التي تفوق هذا المبلغ وحتى 10000000 ل.س.

الأضرار من مبلغ 10000000 ل.س وحتى 20000000 ل.س، يتم تثبيت التعويض عن المبلغ الأساسي وهو 10000000 ل.س بنسبة 25% ويعطى المتضرر 15% عن الأضرار التي تفوق هذا المبلغ، وحتى 20000000 ل.س.

من مبلغ 20000000 ل.س وحتى 50000000 ل.س، يمنح التعويض بنسبة 20% عن المبلغ الأساسي وهو 20000000 ويعطى المتضرر 10% عن الأضرار التي تفوق هذا المبلغ وحتى 50000000 ل.س.

من مبلغ 50000000 ل.س فما فوق، يعطى المتضرر تعويضا بقيمة 15% عن المبلغ الأساسي وهو 50000000 ل.س ثم يمنح تعويضا بنسبة 5% عن المبالغ التي تفوق ذلك على ألا يتجاوز التعويض المستحق مبلغ 10000000 ل.س.

ويمنح المتضرر تعويضا عن الأدوات الكهربائية كالثلاجة والتلفزيون وفرن غاز والغسالة مبلغ 25000 ل.س عن كل قطعة متضررة.

أما جميع المسروقات وأعمال النهب «سيارات، أموال، ذهب، تجهيزات منزلية، مفروشات إلخ» لا يشملها أي تعويض.

 وحول آلية التعويض تقول المحافظة يجب أن يتقدّم المواطن بطلب أضرار، إلى لجنة استلام الطلبات في المحافظة، مرفقاً بالأوراق الثبوتية وهي صورة مصدقة عن ضبط الشرطة، أوراق الملكية، صورة عن الهوية الشخصية، وبعد تدقيق الطلب وتسجيله يحال إلى لجنة الكشف الحسي المختصة.

 لحياة مستقرة…

المتضررون من الإرهاب، خاصة في المناطق الآمنة، لا يحصلون اليوم على أبسط حقوقهم من الدعم المادي أو المعنوي، علماً أنهم بأمس الحاجة لدعمٍ يسند خسارتهم المادية، ويد تسند روحهم المتعبة.

ومن واجب الجهات المعنية أن تقدّم لهذا المتضرر الدعم اللازم من خلال آلية عمل متكاملة، تضمن له حياة مستقرة ماديا ونفسيا بعد المصيبة التي تعرض لها.

صحيفة “الأيام”

العنوان الأصلي:
(بين واجبات الإدارة المحلية والشؤون الاجتماعية ضاع العمر يا بلدي … ضحايا الإرهاب … لا دعم مادي يسند ولا اجتماعي يخفّف)

________________________________________________________________________________________