اللغة الألمانية

ألمانيا ـ رغد البني

 بالدموع استقبلت «وفاء» وثيقةً واردةً من المصرف الألماني في ولاية هامبورغ، حينما عجزت عن فكّ حروفه وفهم مضمونه، وزاد تخوّفها أكثر حين قرأت أرقاماً لم تر فيها سوى الطلاسم، وهي تستقبل أغلب الرسائل التي تردها من المؤسسات الألمانية بشكل هيستيري.

الفتاة التي قدمت من حلب إلى ألمانيا منذ ما يزيد على الأربعة أعوام تعلّمت بالكاد الحروف الأبجدية الألمانية، بل إنّ جهلها باللغة تحول إلى خوف من المجتمع الألمانيّ بأكمله، فهي تخشى الدخول إلى المكتبة خوفاً من أن يطرح عليها أحد أي سؤال باللغة الألمانية، رغم أنّ عُرْف دخول المكتبة لا يتطلب سوى صعود الدرج والجلوس على كرسي دون الحاجة لأي احتكاك مع أي شخص كان.

الحِرَفيون أفضل

مشكلة وفاء مع اللغة الألمانية هي مشكلة أغلب اللاجئين أيضاً مع فارق الزمن، إذ أن فترة 4 سنوات تُعدّ كافية للتحدث بالألمانية بطلاقة في حال أراد اللاجئ ذلك، لكن هذه الفترة لم تكن كافية بالنسبة إلى وفاء لأنّها، كما تقول، لم تكمل دراستها في سوريا.

ولكن هذه الذريعة لا تبدو مقنعة للمجتمع الألماني، بسبب وجود سوريين تعلموا اللغة بفترة قياسية وهم لا يحملون حتى الشهادة الثانوية، كما يسجلّ السوريون في ألمانيا قصص نجاح كثيرة، إذْ شاع صِيتُ الطبيب ضياء العبد الله على نطاق واسع في ألمانيا، وهو شاب سوريّ قرّر إعطاء دروس مجانية للاجئين العرب على اليوتيوب، وساعد الكثيرين منهم في تعلّم اللغة بطريقة سلسة وبسيطة.

طبيب سوري آخر (س، د)، لم يرغب بذكر اسمه، استطاع خلال فترة قياسية لم تتجاوز العامين الوصول إلى المستوى الذي يسبق الذروة بخطوة واحدة في تعلّم اللغة الألمانية (ويسمى C1)، لأنّه كما يقول لـ «هاشتاغ سوريا» يريد أن يعود لمهنة الطب، ويرى أن تعلم اللغة ليس مستحيلاً لكنه يتطلّب الإرادة فقط.

ويتحدث س.د عن العوامل التي ساعدته على تعلم اللغة، وعلى رأسها لغته الإنكليزية الجيدة، إذ تتشابه الكثير من الكلمات بين اللغتين، إضافة إلى التواصل مع المجتمع الألماني. كما أنّه بالمقابل يُورد أمثلة عن العقبات أمام تعلّم اللغة، منها ما يخصّ مهنة الطب فقط، إذ يحتاج الطبيب لمستويات متقدمة من اللغة ويجب عليه الخضوع لامتحان في اللغة الطبية، إضافة لعقبات أخرى يواجهها بقية اللاجئين مثل العمر وعامل الخجل من الخطأ، وتواجد البعض منهم داخل «كامبات» مؤقتة هي على غاية من السوء، ومتابعة مشاكل عائلاتهم داخل سوريا، كما يعاني الكثيرون من ضعف التواصل مع الألمان إذ يعيشون في محيط سوري بحت، ما يجعل تعلم اللغة أمراً مربكاً جداً بالنسبة لهم.

وفي مفارقة غريبة، يبدو وضع أصحاب المهن الحرفية والصناعية التي لا تتطلب دراسة عالية، كالنجّار والدّهان والطبّاخ والحدّاد وغيرهم في ألمانيا، أفضل بكثير من أصحاب المهن التي تتطلب تلك الدراسة، كالطبيب والمهندس والمحامي والصحفي.. وغيرهم، والسبب الوحيد هو اللغة، فرغم أن أصحاب الشهادات العليا يتعلمون اللغة بشكل أسرع بكثير إلا أنّ هذا لا يؤهلهم للعمل ضمن نطاق اختصاصهم غالباً، فالطبيب مثلاً مهما ارتقى مستواه باللغة الألمانية سيقف عاجزاً على الأغلب أمام اللغة الألمانية الطبية مع بعض الاستثناءات، وكذلك الصحفيّ مهما ارتقت كتابته في الصحف الألمانية فإنّها لن تطال مستوى اللغة العليا التي يكتب بها الألمان، إذْ تبدو لغة المقالات الألمانية بالنسبة للصحفي السوري مثل لغة الشعر الجاهلي، أما المحامي فيبدو أنّ لا مستقبل لمهنته في ألمانيا أبداً، ليس بسبب اللغة فقط وإنما بسبب اختلاف القوانين وعدم صلتها بما درسه في بلاده، إلا فيما يخصّ القانون الدولي.

أما أصحاب المهن الحرفية والصناعية فيكفيهم تعلّم ألف باء اللغة وأساسياتها لكي يدخلوا سوق العمل بسرعة، إذ أنّ ممارسة اختصاصاتهم لا تتطلب منهم مستوى عال في الكتابة والحديث.

وبالمحصلة فإنّ اللغة هي مفتاح اللاجئ السوري على الأراضي الألمانية، إنْ ملَكها حصّل العمل والمكانة الاجتماعية، وإن لم يحصّلها فسيبقى رهن التوتر النفسي والضغط المادي.


مقالة ذات صلة :

أخطاء في التعامل مع اللاجئين في ألمانيا !!


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

Mountain View