تحقيق لبنى شاكر –  هاشتاغ سيريا ـ (خاص)

 

(محكومٌ بالتأويلات)… هكذا يمكن وصف الحديث عن غياب مزاج درامي واضح لدى صناع الدراما السورية، فمع الافتقار إلى معرفة ما يرغب السوريون بمشاهدته مع حلول الموسم الدرامي السادس خلال الأزمة المستمرة، تتسع مساحة المحتمل والمفروض، وتصبح القابلية أكبر للتجريب والتقليد، ولا مبالغة في القول إنّ كثيراً من درامانا تبحث عن شيء من المتابعة، وقليلٌ منها ما يُوجد لنفسه مكاناً في الذاكرة السورية.

الإحاطة بالواقع في عمل درامي هي دوماً جزئية، تتخذ لنفسها زاوية ما تنظر من خلالها إلى الواقع، وفي حالة كالتي نمر بها يصبح الفارق أكبر بين الواقع وأقصى ما يمكن أن يقدمه عمل درامي أو أدبي فهل قاربت الدراما السورية على تنوعها، وللعام السادس من عمر الأزمة ما يعيشه السوري، وكيف يمكن للكاتب أن يكون حال الناس مع اختلاف آرائهم ومواقفهم؟.

1كيفية تصوير الواقع وإعادة إنتاجه، تحتمل مزيداً من القراءات لواقع حدثٍ مستمر وفيه من السيولة الكثير، ما يعني إبقاء الباب موارباً تجاه مقاربة تفاصيل الأزمة والاشتغال عليها. يشرح السيناريست حسن م يوسف، وجهة نظر تقول “إن تصوراً خاطئاً تم تكريسه على مدى سنوات طويلة، هو أن الدراما التلفزيونية يجب أن تكون مرآة للواقع تعكس صورته بالمعنى المادي للكلمة، والحقيقة أن الواقع لا يقتصر على ما يقوم به الناس في حياتهم اليومية وحسب، فأحلامهم وأفكارهم وأشواق أرواحهم جزء من الواقع أيضاً، كما أن الواقع الفني يختلف تماماً عن الواقع الموضوعي، إذ ليس كل ما يجري في الواقع الموضوعي يصلح لأن يستخدم في الفن”.

لذا يعتقد كاتب “أخوة التراب” أن “المهمة الأساسية للدراما التلفزيونية هي أن تضيء بشكل ممتع ومقنع الجوانب الخبيئة في أعماق تركيبتنا الاجتماعية والبحث عن جذور مشاكلنا فيها، فكشف القوانين التي تتحكم بأفعالنا وردود أفعالنا، من شأنه أن يعري الأسباب العميقة للمشاكل التي نتخبط فيها وأن يساعدنا على التصدي لها والتخلص منها، فمعرفة أسباب المشكلة هي نصف الطريق إلى حلها”.

وإن كانت الدراما السورية بدأت منذ وقت مبكر بمواكبة الأحداث التي تشهدها سورية وانعكاساتها منذ 15 آذار 2011، فأنتجت كما يشرح الناقد الدرامي ماهر منصور أول عمل في هذا السياق هو “فوق السقف”، بعد ستة أشهر فقط من بداية الأحداث لتصل في الموسم الدرامي الفائت إلى 21 عملاً، يضاف إليها المسلسلات المنتجة لرمضان 2016، والتي لا يمكن الجزم بعددها، إلا بانتهاء عرضها، فمنها من غلف حكايته بما يحدث في سورية دون أن يدل بالعمق، وبالتالي لا يمكن أن يعده منتمياً إلى دراما الحدث السوري الساخن.

لكن، يضيف صاحب كتاب “دراما النار والقلق”: تبقى السمة الغالبة لما أُنتج من تلك المسلسلات، لا كلها بالتأكيد، نزوعها نحو تقديم خطاب درامي جامع، أثبتت ردود فعل المشاهدة تجاهه أنه فشل في أن يجمع أحداً، لكنه رغم ذلك ظل الخطاب الأكثر شيوعاً وتفضيلاً من قبل صناع هذه الدراما. وقد تمسكت بإظهار طرفي النزاع في سورية، أما مساحة ظهور كل منها، وسيادة ظهور أحدهما على حساب الثاني، فتلك مسائل بدت رهن طبيعة الجهة المنتجة للعمل بالدرجة الأولى وخطابها السياسي، تالياً حدود السقف الرقابي المسموح به، واشتراطات التسويق.

البحث في مضمون ما قدمته الدراما خلال الأعوام الماضية، يكشف الكثير فهي ورغم ما حملته من تنوع لكنها لم تنج من الوقوع في مطبات كثيرة وتساؤلات لم يستطع صناعها إيجاد مبررات لها أو انعكاسات في الواقع السوري المعيش بما فيه من صخب.

5يقول الكاتب أسامة كوكش: الدراما السورية في تراجع مطرد مع تراكم سنوات الأزمة حالها كحال كل شيء يعيشه الوطن، بالتالي هي لم تقارب ما يعيشه السوري إلا من بعض الجوانب “ظروف معيشية صعبة، انقطاع كهرباء، غلاء، فقدان بعض أفراد العائلة، تهجير وغيرها”، لكن الخوض في عمق الأزمة والتغيرات الجذرية التي طرأت على تركيبة المجتمع والفرد لم يحدث بعد، ولست واثقاً إن كان سيحدث يوماً ما!.

ما سبق، كان سمة عامة لكثير من الأعمال، وسبباً في تصنيفها ضمن دائرة المتشابه، وهنا يؤكد منصور ما بدأه من أن “معظم تلك المسلسلات تتشابه على نحو ما بالمضمون، لناحية ميلها لرصد انعكاس الأحداث الساخنة على علاقات السوريين الإنسانية وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وقد حافظت بمجملها على شعرة معاوية في خطابها الدرامي حول ما حدث ويحدث اليوم في سورية، بعيداً عن تجاذبات مع أو ضد، ولو بشكل ظاهري”.

وقد يبدو هذا الخيار هو الأقرب للمنطق، إذا ما قورن الأمر بمتطلبات اللعبة الفنية، واشتراطاتها عند مقاربة الحدث الواقعي بضرورة انتهائه ووضوح أبعاده، وسيكون الخيار الآمن أيضاً إذا ما قيس بردود فعل المشاهدة واصطفافات أصحابها في الصراع، والقراءات النقدية للأعمال التي لم تنج هي الأخرى من الخلفيات السياسية لمواقف أصحابها، وقد شكلت بمجملها ما يشبه حالة “هلع” عند صانعي هذه الدراما، عبّرت عن نفسها في تصريحاتهم التي غالباً ما كانت تنتهي عند المعنى ذاته دائماً: “نقدم عملاً يتناول ما يحدث بعيداً عن منطق (مع) أو (ضد)”، والكلام هنا للناقد.

لكنّ أعمالاً أخرى أعلنت عن موقفها بشكل أكثر تحديداً، وهنا كان المطب أقوى، لأن مساحة ما يتوقعه المشاهد باتت أكبر مقابل المسموح به، وبالتوازي أيضاً مع إمكانيات الكتّاب الذين “استكتب” عدد منهم خلال سني الأزمة. يتحدث الكاتب فايز بشير: حاول البعض إظهار مهاراتهم بذكاء في الحبكة، لكن كانت جلّ الأعمال ضعيفة ومستخفة بالعدو الشرس المتمثل بالإرهاب مستخدمين سذاجته، لذا فإن تصويره من خلال الدراما بهذه الطريقة يسيء إلينا ويظهرنا ضعفاء، التركيز أيضاً على بعض البطولات الفردية “السوبرمانية” أحياناً يؤكد أن تلك الأعمال اهتمت بالقشرة الخارجية فقط.

تالكاتب فايز بشير 3أويل ما سبق وبلورته في عمل درامي، يضع كتّاب الدراما أمام احتمالات لا تنتهي، ولا سيما أن أحداً لم يسأل عبر استبيان مثلاً أو أي طريقة أخرى، ما الذي يرغب السوريون بمشاهدته، كيف تبدلت اهتماماتهم وهواجسهم، وكيف أصبحت علاقتهم بالدراما أو بالصورة عموماً، والأهم كيف يمكن للكاتب أن يكون حال الناس مع اختلاف آرائهم ومواقفهم، هل يمكن له أن يعزل مواقفه ليفسح المجال لنفسه ليقدم مواقف الآخرين ما دمنا نفترض أن العمل الدرامي يقدم الواقع؟.

يقول حسن م يوسف: الكاتب هو مواطن أولاً، والفن ليس نظرية بل هو وجهة نظر، لذا فإنه من الممكن للكاتب أن يرصد ما يجري في وسطه الاجتماعي، لكنه محكوم بالمعلومات التي يعرفها عن المشكلة التي يتناولها كما أنه محكوم بثقافته وأهوائه ووجهات نظره، لذا أرى أن الكاتب لا يقدم مواقف الآخرين، بل يقدم طموحاتهم ومشاكلهم من وجهة نظره، وقد يقدم موقفه من تلك الطموحات والمشاكل، سبق لي أن قلت قبل سنوات: “بالصدق وحده يستطيع الكاتب أن يحول فحم حياته اليومية إلى ألماس”.

الناقد ماهر منصورفي حين يؤكد الناقد الدرامي منصور حتمية مرور موقف الكاتب في المسلسل التلفزيوني، ولكن بالضرورة يجب ألا يكون على حساب الدراما ومعادلتها، فالدراما بمفهومها الأولي كما يصفها صراع بين قوتين متناقضتين متساويتين، وبالتالي “سيكون حكماً على الكاتب منح طرفي الصراع مبرراتهما المقنعة، التي من شأنها أن تضطرم صراعاً شيقاً وجذاباً ومتعادلاً، وصولاً إلى نهاية الحكاية حيث يتغلب طرف على آخر، وهنا يمكن أن تظهر قناعات الكاتب وتوجهاته ورسائله، ودون ذلك فالعمل يعاني من مشكلة فنية قبل أن نقول فكرية، بالعموم سيظل كتّاب الدراما، بوصفهم يقدمون دراما لكل السوريين، محكومين بخطاب جامع لمسلسلاتهم حتى لو لم يجمع أحداً، فدراماهم مادة تجارية للاستهلاك والنسيان.”

إذاً ليس شرطاً أن يكون الكاتب الدرامي حال الناس بالمعنى الضيق، فهو أيضاً عنصر من عناصر المجتمع له أحاسيسه وملكاته العقلية التي يحاكم ويوازي بها الأحداث، ولا يستطيع أيضاً أن يبقى على الحياد لأن المسألة، والكلام هنا للكاتب فايز بشير، لا تحتمل الحياد ولا الرمادي من الألوان، هي مسألة وطن وضمير، لكن يمكن له المقاربة بين التباينات دون ابتذال بحيث يقدم واقعاً حياً يعيشه الجميع على اختلاف أهوائهم وتجسيد المعاني والقيم الرائدة والتركيز على ما يجمعنا كسوريين لا على ما يفرقنا.

بالمحصلة يضيف بشير: العمل الدرامي، عمل إبداعي، ولحظة الإبداع موجودة في الواقع، والمبدع الحقيقي هو من يلتقط اللحظة ويوظفها، فكيف للكاتب إذاً أن يعزل نفسه عن ذاك الإبداع!، ثم إنه يعيش الواقع بآلامه وآماله لذا لا يستطيع، ولو حاول، أن يفسح المجال لآراء الآخرين على حساب أرائه، لكن قد يتشارك معهم للوصول إلى الغاية المطلوبة.

لكن هل يمكن لعمل درامي أن يقدم الاختلافات الموجودة على الساحة السورية حقاً إذا ما تجاوزنا النص إلى ظروف الإنتاج والتسويق؟

يقول الكاتب أسامة كوكش: “في سورية لكل فرد رأيه الخاص، ولديه الرغبة بفرضه عنوة على الآخرين وهذا من تجليات الحرب، لكن هناك أفكار متقاربة بين المجموعات، والكاتب قد يمثل بعضاً منها، بالتالي لا يمكن أن يكون حيادياً بالتأكيد، وإلا تحول عمله إلى “تقرير صحفي” يحاول أن ينقل حدثاً ما بأمانة، مع أنه حتى هذا التقرير الأمين بات مشكوكاً بوجوده، إذاً تقديم اختلافات الرأي في عمل درامي ليس صعباً لكنه غير ممكن للأسف، الوطن يمر بزمن الرداءة والدراما السورية ليست بمنأى عنها”. ومع أنه لا تباشير تُنبئ بموسم درامي مختلف عما سبقه، لكن بانتظار أن يقدم صناع الدراما ما لديهم توازياً مع سخونة اليوميات السورية.

Mountain View