ثامر قرقوط

تتراخى وزارة التجارة الداخلية، في مواجهة الغش بالمواد الغذائية، وتحاول خوض معركة ضبط الأسعار وكبح جماحها، رغم أن الغش هو معركة أكثر شراسة وخطورة، وفيها موت محتم، ويغيب عنها الحياء والأخلاق، وتستخدم فيها كل صنوف التحايل وانعدام الضمير.

فأن تجد في سورية، لبن العصفور، ليس دليلاً على الانفتاح الاقتصادي والتجاري، أو أنه مسعى حكومي لتلبية احتياجات الناس. القضية، أن الرقابة على المواد الغذائية غير كافية، ويحكمها التقصير، والأدوات المستخدمة لمواجهتها ناقصة.

تدرك الجهات الحكومية والأهلية خطورة الغذاء غير الآمن، وستحتفل هذه الجهات، في 15 الشهر الجاري بيوم المستهلك، ببيان من وزارة التجارة الداخلية كالعادة، وربما ببعض النشاطات. لكن يستحق هذا اليوم، أن يكون محفزاً لتركيز الجهود، على المواد الغذائية المغشوشة.

لا أحد يسأل كيف تغولت هذه المواد في أسواقنا، ودخلت بيوتنا، والتهمها الناس؟

كما لا تنشر المشافي والمراكز الصحية إحصاءات حول الأمراض التي يصاب بها المواطنون، بسبب المواد الغذائية المغشوشة. التجاهل هنا سيد الموقف.

وتقدر منظمة الصحة العالمية، وفاة مليوني شخص سنوياً، بسبب الغذاء غير المأمون. وتحذر من أن الغذاء الذي يحتوي على الباكتيريا الضارة أو الفيروسات أو الطفيليات أو المواد الكيميائية، مسؤول عن أكثر من (200) مرض، تبدأ من الإسهال وتصل إلى السرطان. ويتحمل الأطفال دون سن الخامسة نسبة 40% من عبء الأمراض المنقولة بالغذاء، ويموت منهم سنوياً (125) ألفاً، وفقاً للمنظمة الدولية.

الغش في المواد الغذائية تجارة نشطة حول العالم، ولذلك تسعى الجهات الحكومية والأهلية، لمراقبة كل شركة تنتج مادة غذائية، والزامها بالدستور الغذائي، إذ لا يمكن استمرار الثقة إلى الأبد بهذه الشركات، لأن الغلطة الواحدة، تؤدي إلى كارثة. وعندما أُغلق محل بوظة بكداش العام الماضي، لم تشرح جهة معنية بحماية المستهلك للناس خطورة ما ورد في تقرير الشؤون الصحية بمحافظة دمشق، التي تراجعت فيما بعد عنه. فيما قاطع الأوربيون، الصيف الماضي، البيض الهولندي الملوث نتيجة استخدام مبيد حشري بالتعقيم، ولم يعاودوا استهلاك هذا البيض، إلا بعد تأكيدات رسمية بالتخلص من كل الكميات المصابة.

تقاذف المسؤوليات حول الجهة التي يجب أن تتابع هكذا قضية وطنية، لا يمكن فهمه على الاطلاق. وفي 2015، ضُبطت شركة مرتديلا بريف دمشق، تستخدم أنواعاً من اللحوم غير صالحة للاستهلاك البشري. سارع وزيرا الصحة والتجارة الداخلية آنذاك، لتسجيل المواقف، و(تلميع) جهودهما كل على حدة، في اكتشاف المخالفة. المفاجأة أنه بعد عدة أشهر حصلت الشركة على كتاب من مديرية التجارة الداخلية بريف دمشق يبين أن منتجاتها صحية. ألا يثير ذلك التساؤل؟ بالمقابل، أسست بريطانيا، قبل سنوات، وحدة الجريمة الغذائية، عقب فضائح تتعلق ببيع اللحوم، وهي تعمل بشكل أقرب ما يكون لجهاز الاستخبارات.

نُقل عن وزير الصناعة الأسبق الراحل عصام الزعيم، أن معلومات مؤكدة وصلت إليه، تتعلق بممارسة مدير شركة كونسروة تابعة للقطاع العام، الغش في تصنيع رب البندورة. ذهب الوزير للشركة، وبعد اجتماع، دخل إلى المستودع، وسأل المدير عن صلاحية المادة؟ فأجب المدير بالتأكيد الحتمي. فطلب الزعيم منه، فتح علبة، وتناول ما فيها! المدير الذي يعرف ما تقترفه يداه، طأطأ رأسه، رافضاً تناول رب البندورة الذي يدير عملية تصنيعه.

الغش في الغذاء جريمة، والروادع الأخلاقية غير كافية للحد من انتشارها، ما يستوجب إجراءات صارمة، تحارب كل من يتاجر ويصنع لبن العصفور.
_____________________________________________________________________________________________

Mountain View