الفساد الملايين الهيئة العامة للضرائب

في يوم واحد.. قراران يهربان ملايين الليرات من حق الخزينة العامة

ما من ميدان يشاع فيه الفساد كالميدان الضريبي، وما من قطاع أصبح مفتوحاً لتجاذبات القرارات الخاطئة مثل هذا القطاع المفترض أن يكون الذراع القوية والمساعدة للحكومة في ترميم ما خربه الإرهاب، ولكن من يدقق في الملايين التي تضيع سنوياً على الخزينة يعتقد  أن قراراً هداماً يصاغ في الظلام ليهدر المال العام الذي لا نفع فيه ولا طائل من ورائه إلا خدمة للمال الخاص من أجل المال.

«تشرين» حققت في وقت سابق ببعض القرارات التي أصدرتها إحدى لجان إعادة النظر في الهيئة العامة للضرائب والرسوم برئاسة عبد الكريم الحسين مدير عام الهيئة، وفيها استفادت إحدى الشركات الخاصة المكلفة ضريبياً من استبعاد ما لا يقل عن 156 مليون ليرة كرسم إنفاق استهلاكي من التكاليف المباشرة للشركة تترتب عليها ضرائب فيما لو أضيفت إلى رقم عمل المكلف، وباعتراف كل من التقتهم «الصحيفة» فقد أكدوا أن القرارات خاطئة ولا تتوافق مع المعالجات الجارية بهذا الخصوص، إذ تستمر «تشرين» بالكشف عن مثل هذه القرارات التي تتسبب في هدر المال العام وبالمنوال السابق نفسه، ولكن بمعالجات مختلفة وبطرق غير خافية على أحد…!!!ا

حظوظ الكبار

الملابسات المحيطة بالتحقيق والتفاصيل تتحدث عن شركة مصنفة في فئة كبار المكلفين في مديرية مالية دمشق، ويتعلق نشاطها بالتأمين، وكغيرها من الشركات الراغبة بالاستفادة من عطاءات لجان إعادة النظر في هيئة الضرائب، فكان لها ما أرادت عندما حالفها الحظ وتم عرض ملفها إلى اللجنة التي يرأسها مدير عام الهيئة، وهو الحظ نفسه الذي يقف دائماً إلى جانب كبار المكلفين عندما تعرض أضابيرهم إلى اللجنة نفسها، فأصدرت قرارات ضيعت 60 مليون ليرة على الخزينة في يوم واحد ولمصلحة الشركة موضوع التحقيق.

في التفاصيل

تلجأ المصارف وشركات التأمين عادة عند إعداد بياناتها الحسابية والضريبية إلى حجز مبلغ محدد، غالباً ما يكون بعشرات الملايين كنفقة لمواجهة أخطار محتملة الحدوث، وهذه النفقة يتم حجزها من الأرباح وتسمى بالعرف المالي «احتياطيات»، ولكن إذا لم تتم الاستفادة من هذه النفقة، بمعنى تحولها من محتملة إلى محققة تتم إضافتها إلى أرباح السنة التالية لسنة التكليف الضريبي ويستوفى عنها الضريبة لمصلحة الخزينة، أي ضريبة أرباح حقيقية، ما حدث أن الدائرة المالية المختصة في مديرية مالية دمشق وأثناء إعدادها لإحدى تكاليف الشركة المعنية والعائد لعام 2004 لجأت إلى عدم قبول المبلغ المحتجز من قبل الشركة كاحتياطيات والبالغ حوالي 75 مليون ليرة ورأت إضافتها إلى الأرباح على اعتبار أنها مرفوضة ضريبياً، ولكن الشركة اعترضت على هذا الإجراء إلى لجنة الطعن في قسم كبار المكلفين وطلبت تنزيلها من الأرباح لكونها تعدّ نفقة يتم حجزها وإيراداً عند الإفراج عن هذه الاحتياطيات، مستندة بذلك إلى تعميم وزارة المالية– مديرية الدخل رقم 7624/8/24 الصادر بتاريخ 30/3/1978 والمتعلق بقبول الاحتياطيات الخاصة بشركات الضمان، وكان رد اللجنة أنها ردت اعتراض المكلف لعدم تمكنها من معرفة طريقة احتجازها بشكل يمكنها من متابعة العملية وبما يبين أيضاً أنها عبء حقيقي يتعلق بالسنة المالية موضوع التكليف، فرفعت تقريرها إلى لجنة إعادة النظر في هيئة الضرائب متضمناً ردودها على جميع النقاط المثارة في اعتراض المكلف، لتجتمع بعدها لجنة إعادة النظر وتصدر قرارها رقم /254/2/2011/ تاريخ 12/7/2011، وفيه وافقت على الأسباب الواردة بقرار لجنة الطعن ومطالعة الدوائر المالية وردت اعتراض الشركة بخصوص الاحتياطيات معللة ذلك بأن «احتياطيات إعادة التأمين لا يمكن قبولها ضمن النفقات المقبولة لأنها تقديرات مسبقة لمواجهة أخطار محتملة الحدوث وليست نفقة متحققة فعلاً، مع إشارة اللجنة إلى أنه في السنوات السابقة تم اللجوء إلى عدم قبول تنزيل احتياطيات وقبل المكلف بذلك، وتمشياً مع مبدأ الاستمرارية بالنهج المنسجم مع الأسس القانونية والمحاسبية تمت إضافة الاحتياطيات المدورة من عام 2003 التي لم تستخدم في هذا العام من الإيرادات الإجمالية للشركة»، وهو ما أوضحه أيضاً تقرير لجنة الطعن المرفوع إلى لجنة إعادة النظر بما يخص خلاصة تكاليف سنوات خمس سابقة من عام 1999 إلى 2003.

مثير للشكوك

وبعد عام على إصدار لجنة إعادة النظر قرارها المذكور، تعود لتنقلب على قرارها وعلى كل ما جاء في تقرير لجنة الطعن ومطالعات الدوائر المالية المختصة في خطوة مثيرة للشكوك والقلق من آلية عمل هذه اللجنة بالذات التي يرأسها الحسين، ففي تاريخ 29/7/2012 أصدرت قراراً آخر حمل الرقم /227/1/2012 بناءً على طلب تصحيح للقرار الأول كانت قدمته الشركة بتاريخ /27/9/2011، وفيه اعتمدت اللجنة عدم قبول احتياطيات إعادة التأمين وقامت باستبعادها من الأرباح الصافية وذلك عملاً بقرار الهيئة العامة للجان إعادة النظر المثبت بكتاب وزارة المالية برقم 7624/8/24 الصادر بتاريخ 30/3/1978، الذي انتهى إلى قبول مبدأ احتجاز الاحتياطي الحسابي لفروع التأمين على الحياة، واحتياطي التعويضات تحت التسوية واحتياطي الأخطار السارية لبقية فروع التأمين، وعدّ هذه الاحتياطيات الثلاثة من الأعباء الواجب تحميلها لحساب الأرباح والخسائر، وأن المكلف كان محقاً بطلبه لأن العمل بالقرار المذكور لايزال قائماً، وبموجب القرار تم استبعاد مبلغ 75 مليون ليرة كاحتياطيات محتجزة، والسؤال الذي قد تنطوي وراءه غايات لجنة إعادة النظر من تبديل قرارها، هو أنه لماذا لم تبن اللجنة قرارها الأول ذا الرقم /254/2/2011/ تاريخ 12/7/2011 على مضمون كتاب وزارة المالية المذكور رغم أن الشركة استندت إليه في اعتراضها على تكليف عام 2004، أي إنه كان واضحاً في تقرير لجنة الطعن المرفوع إليها، ولماذا انتظرت عاماً كاملاً لتصدر قراراً آخر بالتصحيح للتكليف نفسه، هل لأنها لم تقرأ تقرير لجنة الطعن وأصدرت قرارها جزافاً، أم أن كتاب وزارة المالية كان ضائعاً ووجد بعد عام من البحث، أو لغايات أخرى تتعلق بتخفيض ضريبة الشركة بشكل أو بآخر…؟

لبس وفيه «إنّ»

ولدى عرض القرارين على رئيس قسم الدخل في مالية دمشق يحيى علولو أكد أن القرارين يشيران إلى لبس ما، ويطرحان إشارات استفهام بشأن قيام لجنة إعادة النظر بتصحيح قرارها الأول بقرار آخر بنته على النقطة نفسها التي استندت إليها الشركة في اعتراضها للجنة الطعن، وهي كتاب وزارة المالية المذكور إذ كان من الممكن أن تتخذ اللجنة قرارها بناءً على الكتاب المذكور بدلاً من تصحيحه بقرار آخر أصدرته بعد عام وهو ما لا يمكن فهمه وفيه «إنّ» على حد تعبيره. وقال علولو: إذا افترضنا أن القرار الثاني للجنة هو الصحيح، فهل قامت لجنة إعادة النظر بإضافة تلك الاحتياطيات إلى الأرباح في تكاليف السنة اللاحقة على اعتبار أن  كتاب وزارة المالية أكد أن الاحتياطيات المذكورة يتجدد تشكيلها في كل سنة مالية، بحيث يتم في كل سنة إلغاء ما احتجز في سنة سابقة ليحل محله مؤن جديدة تكون في آخر السنة المالية الجارية وتحدد تبعاً للبوالص الصادرة والبوالص الملغاة والتعويضات التي تم دفعها أو تسويتها خلال السنة الجارية…؟

تبديد 60 مليون ليرة

وبالعودة إلى تكاليف الشركة والقرارات الصادرة عن لجنة إعادة النظر نجد أن اللجنة  المذكورة لم تكتف بقرارها الذي استبعد 75 مليون ليرة من تكليف عام 2004 العائد للشركة المذكورة، بل في اليوم نفسه أصدرت قراراً قطعياً آخر حمل الرقم /228/1/2012/، و«يلاحظ التسلسل في الرقم»، وفيه قامت بتخفيض أرباح الشركة 76 مليون ليرة وهو احتياطي محتجز عن تكليف عام 2005، رغم اعتراض الدائرة المالية على ذلك التخفيض، وعدّت اعتراضها في غير محله مستندة بذلك على قرار الهيئة العامة للجان إعادة النظر، وبذلك يصبح مجموع المبالغ المستبعدة من الأرباح كاحتياطيات 151 مليون ليرة من تكليفين فقط، وهذا يعني أن اللجنة لم تقم بإضافة ما قبلت به من احتياطيات محتجزة لم تستخدم في السنة المالية التي تم حجزها بها إلى أرباح السنة المالية التالية حسبما أشار إليه قرار لجان إعادة النظر وأكد عليه رئيس قسم الدخل يحيى علولو، وهذا يعني أن قرارات لجنة إعادة النظر كان يترتب عليها ضريبة تصل إلى 60 مليون ليرة عن تكليفي 2004 و2005 فقط ذهبت إلى الشركة، بدلاً من الخزينة التي أصبحت آخر ما يفكر فيه أصحاب القرار في إدارتنا الضريبية، ومن جهته أكد خبير في شؤون التشريع الضريبي أنه من الملاحظ في التكليف المؤقت للشركة عن عام 2004 أنه لم يتم قبول تلك الاحتياطيات لعدم وجود نص قانوني واضح، وهو ما استند إليه أيضاً قرار لجنة إعادة النظر رقم /254/2/2011/ قبل أن تصدر قرارها بالتصحيح، وبمعنى آخر كان لابد من إضافة كل ما تم احتجازه من مبالغ إلى الأرباح لعدم تحول تلك المبالغ من نفقة محتملة إلى نفقة محققة.

تهريب الضرائب

ومن جهة أخرى رأى  الخبير أن قرارات اللجنة لجأت إلى تخفيض أرباح الشركة، وهذا يبدو واضحاً بين قرار لجنة إعادة النظر المعتمد على مطالعة الدوائر المالية الذي ثبت أرباح تكليف عام 2004 بمبلغ 171 مليوناً و466 ألف ليرة، وقرار اللجنة الثاني عندما استبعد الاحتياطيات من الأرباح وأعادها إلى الشركة لتنخفض الأرباح إلى 970 مليوناً و57 ألف ليرة، وليبدو الفرق شاسعاً في تكليف عام 2005 حيث ثبتت لجنة إعادة النظر أرباح الشركة بواقع 35 مليوناً و92 ألف ليرة، وهذا يدل على أن الاحتياطيات المحتجزة في كل عام بددت ملايين الليرات على الخزينة، والمتتبع لتكاليف الشركة منذ عام 1999 يجد أن الاحتياطيات المحتجزة وصلت إلى 500 مليون ليرة، وهو أمر يدعو إلى التحقيق والتدقيق بقرارات اللجنة، لافتاً إلى أنه من الخطأ أن يتم احتجاز احتياطيات في كل عام لأننا في هذه الحالة سنصل إلى مرحلة لن تكون فيها أي أرباح خاضعة للتكليف الضريبي، ناهيك أن الاحتياطيات مرفوضة ضريبياً والدوائر المالية تعلم ذلك وتعمل وفق هذا المبدأ، ويتساءل  الخبير: ما هي الحالة التي اعتمدت عليها لجنة إعادة النظر في تصحيح قرارها رقم /254/2/2011/ بالقرار /228/1/2012/، ولاسيما إذا علمنا أن المادة /37/ من قانون الدخل رقم /24/ لعام 2003 نصت على أنه يجوز للدوائر المالية وللمكلف تقديم طلب التصحيح إذا كان القرار مبنياً على وثائق مزورة، وإذا حكم على أحد الطرفين لعدم تقديمه مستنداً قاطعاً كان في حوزة خصمه، كذلك إذا لم تراع في التحقيق والحكم الأصول المعنية في هذا القانون، وإذا لم تبت لجنة إعادة النظر في أحد الأسباب القانونية التي بيّنها خطياً أحد الطرفين، وأخيراً إذا تضمن قرار لجنة إعادة النظر خطأً مادياً يؤثر في الحكم، وبحسب الخبير فإن تلك الحالات لا تنطبق على ما قامت به لجنة إعادة النظر برئاسة الحسين، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن لجان إعادة النظر كان يجب عليها الأخذ بالنصوص القانونية، وليس بالتعليمات فهي غير ملزمة لها.

رفضوا الإجابة

أما مدير عام هيئة الضرائب عبد الكريم الحسين ولدى توجهنا إليه للاستفسار عن قانونية القرارات موضوع التحقيق فقد أعلن وبغضب رفضه التعامل مع الصحيفة وقال: اكتبوا ما شئتم، ولا يختلف رد مدير عام الهيئة عن ردود كل من ميساء الشاطر رئيسة شعبة في قسم كبار المكلفين عندما توجهنا لسؤالها عن الحالة المثارة وقالت إنها لا تريد أذية أحد، كذلك نهلة ريحاوي رئيسة دائرة في القسم نفسه رفضت إجابتنا أيضاً عن أي تساؤل، مع الإشارة إلى أن توقيعي كل من الشاطر وريحاوي موجودان على تقرير لجنة الطعن المرفوع إلى لجنة إعادة النظر..!!!

وخلاصة القول، كم من مدرسة وكم من مستوصف ومستشفى يمكن أن نبني بالأموال المهدورة سنوياً، أليست المناطق المتضررة من تخريب الإرهاب أولى بهذه الأموال، إن اللوحة التي تمثل مساهمة الضرائب في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية وحتى التعليمية والاجتماعية مازالت تزين أحد جدران الهيئة العامة للضرائب والرسوم، والمؤلم أن الهدر وشفط المال العام مستمران ولن يوقفهما إلا المحاسبة.

المصدر : صحيفة تشرين


مقالات ذات صلة :

أخطر ملفات الفساد أمام رئيس الحكومة !


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.