هاشتاغ سيريا – أسامة يونس:

فجأة صار محمد كامل شرباتي بطلاً. صارت صوره مع الرئيس عبد الفتاح السيسي على وسائل الإعلام المصرية والسورية، وتخضع لكل التوظيفات السياسية وغيرها.

لكن جزءاً مهماً من حياة الرجل لم يشأ أحد أن يفتحه، وربما لا يعرفه كثيرون، وباختصار: هو الرجل الذي ألحق خسائر مباشرة بصناعة الغزول في سورية، واستطاع عبر العلاقات التي كانت تربطه بمسؤولين في الحكومة أن يبني ثروة ضخمة، على حساب خسارة الدولة.

ثروة هي التي يستثمر بعضها الآن في مصر وغيرها، وهي التي تقف خلف نجاحه، وليست تلك القصص التي بدأت تتداولها مواقع وصفحات، وتشبه حكايا الأطفال، عن العامل المجتهد الذي يبدأ العمل بمسح الآلات .. ثم يصير بغمضة عين مليارديراً.

بعض الحبر الذي أهدر على تغطية زيارة السيسي لمصانع الشرباتي، سلك ما يُعرف نفسياً بجلد الذات.

مجد شخصي

الواقع أنه غادر البلاد ليبني مجده الشخصي، لا مجد بلاده، وهو ما حققه الرجل، وهذا قد يكون حقه، لكن حق السوريين أيضاً أن يعرفوا جزءاً من سيرة حياته، ويكفي أنه وقف يوماً، عبر داعميه، في وجه واحد من أنظف وأكفأ الوزراء في الحكومات السورية المتعاقبة: الدكتور الراحل عصام الزعيم، بعدما تسبب الشرباتي بأزمة لقطاع النسيج السوري، وبأزمة بين سوريا ومصر:

القضية تعود لعام 2002، وكان الشرباتي عندها أمين سر غرفة صناعة حلب، قبل أن يصبح رئيساً للغرفة.

كانت الصحفية يسرى ديب، نشرت كثيراً من تفاصيل القضية في الطبعة السورية من صحيفة الكفاح العربي، (إذ لم يكن نشر ذلك متاحاً في تشرين بالطبع).

هنا أبرز ما جاء في ذلك التحقيق:

كانت شركة الشرباتي تصدر الغزول إلى مصر، في خرق لقرارات يفترض أن تكون صارمة تمنع ذلك. وكان يصدّر بأسعار أقل من أسعار الغزول المكدسة في المخازين، ما أدى إلى نتيجتين:

الأولى زيادة المخازين في المستودعات العامة، مقابل التصدير المستمر لشركاته.

الثانية أن مصر ـ التي كانت منذ ذلك الوقت قبلة شرباتي ـ بدأت تضع رسوماً على مستورداتها من الغزول السورية، وهو ما أدى إلى عقبة أخرى أمام الصناعة السورية.

شرباتي كان يصدر الغزول إلى مصر رغم أن ذلك كان ممنوعاً

إلا أن الرجل حقق مكاسب هائلة من وراء ذلك، خاصة أنه كان يعمل ضمن مناخ من التنسيق غير البريء مع القرارات (توصف عادة بأنها بيروقراطية، لكنها في الواقع تكون مفصلة على القياس، وفي تلك الحالة كانت مفصلة على قياس الشرباتي وشركاه):

الكارثة الاقتصادية التي كانت تعرف في الصحف باسم «أزمة مخازين الغزول»، بقيت مستمرة سنوات، تحت السمع والبصر، رغم أن كميات الغزول المخزنة في معامل المؤسسة النسيجية وصلت قيمتها إلى نحو 16 مليار ليرة، بأموال تلك الفترة، (كان الرقم يعادل ميزانية ثلاث وزارات على الأقل).

كان ثمة إصرار حكومي على عدم البيع بالأسعار الرائجة، أي عدم خفض أسعار الغزول المكدسة، بما يناسب السعر العالمي.

ولأنه كان عليها أن تفعل شيئاً ما، أمام تزايد كمية المخازين، وقيمتها، أصدرت الحكومة قراراً يمنع تصدير الغزول نهائياً، خاصة من القطاع الخاص، لإتاحة المجال أمام تلك المليارات المخزنة كي تتحول إلى سيولة، لكن الحكومة لم ترفق قرارها ذلك بالسماح للنسيجية بالبيع بالسعر الرائج (الذريعة في حالات كهذه تكون الحفاظ على المال العام دوماً، حتى لو على شكل مخازين، احترقت ذات مرة).

«ضب غراضك وارجع» هكذا قيل لرئيس لجنة التحقيق التي شكلها الراحل عصام الزعيم

فجأة علمت وزارة الصناعة أن مصر فرضت أول رسم على الغزول السورية، بنسبة 20% وأغلقت الأسواق المصرية أمام الغزول، وتوقف التصدير تماماً.

ثم، فجأة (أيضاً، فجأة) رفعت مصر ما يُعرف برسوم مكافحة الإغراق بنسبة 150% على الغزول السورية. (ذلك كان يعني أن ثمة غزولاً سورية تدخل من سوريا إلى مصر، رغم أن التصدير من القطاع العام كان متوقفاً تماماً، أما الخاص فهو ممنوع قانوناً من التصدير).

الزعيم يشكل لجنة

لحل اللغز شكّل وزير الصناعة آنذاك د. عصام الزعيم لجنة لاستقصاء الأمر، وكانت برئاسة مدير عام المؤسسة النسيجية نجاد حاج حامد. بحثت اللجنة، واستقصت، من الجمارك إلى غرف الصناعة، وطبعاً إلى حلب، ورغم أنه قيل له هناك: «ضب غراضك وارجع» إلا أنه عاد بالنتائج:

هناك شركتان سوريتان تصدران الغزول إلى مصر بأسعار منخفضة، الشركتان تابعتان لأمين سر غرفة صناعة حلب آنذاك محمد كامل شرباتي.

وكأي وزير يهمه شأن مليارات مكدسة في المخازين، خاطب د. الزعيم رئيس الحكومة آنذاك محمد مصطفى ميرو، بالأمر.

النتيجة:

إقالة مدير مؤسسة النسيجية نجاد حاج حامد، أصولاً طبعاً وبالقانون: وحسب المادة 147 من قانون العاملين الأساسي (صارت برقم 137 بعد تعديلات القانون): والتي تجيز لرئيس مجلس الوزراء «صرف» أي عامل من الخدمة دون إبداء الأسباب، ولا يحق لذلك العامل سلوك أي سبيل من سبل التقاضي.

في أحضان السيسي

زمن طويل مر، تغير الكثير، ومن ذلك الذي تغير: أن رجل أعمال يبني مجداً شخصياً خارج بلاده، وبأموال بلاده، يحوّله كثيرون من مواطني بلاده إلى بطل قومي، فقط كي يسجلوا موقفاً سياسياً.

كثير من الصناعيين بقوا في بلادهم، لا يحتفل بهم أحد.

كثير من الصناعيين هاجمتهم وعن سبق إصرار وترصد عصابات حقيقية، فككت معاملهم وباعتها في تركيا.

فقط ذلك الصناعي الذي هرب بأموال جمعتها له آلة فساد ضخمة، صار رمزاً للوطنية

يكفي أن تقرأ العناوين فقط، لتعرف حجم الكارثة الثقافية والسياسية:

• السيسي يزور معامل أبو كامل شرباتي الذي حاربه وهجره بشار
• رجل في الأخبار.. شرباتي من غرفة حلب إلى أضخم مصنع في إفريقيا
• أبو كامل شرباتي .. رجل أعمال خرج من سورية بسبب الحرب ليفتتح أكبر مصنع للغزل في مصر
• هرب من النظام السوري وافتتح أكبر مصنع للنسيج في مصر
• هرب من جحيم الأسد.. وافتتح أكبر مصنع للنسيج في مصر
…..
للتذكير فقط:

عبد الفتاح السيسي ليس جمال عبد الناصر.

والشرباتي مثال على المال الذي لا وطن له: يُجرف من حيث يمكن أن يجرف .. ويُوظَّف حيث يمكن أن يتزايد.

في حوار مع قناة مصرية من داخل معمله، يحاول شرباتي جاهداً ليس أن يتحدث باللهجة المصرية، فقط، بل أن يتحدث بلغة «نا» عن الكوادر البشرية والإمكانات في مصر «الفخر والاعتزاز بمهندسينا وعمالنا لما يشوفوا انتاجهم في أرقى الشركات العالمية»


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

Mountain View