المسؤول السوري نادي الأغنياء

يدخل المسؤول السوري إلى نادي الأغنياء المحلي ببساطة، إذ أنه بالعموم، ينظر للجهة العامة التي يديرها، سواء أكانت شركة أو مؤسسة أو وزارة، على أنها جزء من ممتلكاته الشخصية، وبعد مغادرته المنصب تفرش له سجادة حمراء مخصصة لأصحاب المليارات فقط.

المعادل الموضوعي لهذه الحالة، والتفسير المنطقي لها، يستند إلى التجربة التي تحولت إلى ذكرى تاريخية جميلة ومُبكية في آن واحد، عندما تجرأ الجهاز المركزي للرقابة المالية، ونشر في 2013 تقريراً تضمن خسائر الجهات العامة للدورة المالية 2011.

شكّل التقرير صدمة مرعبة، إذ كشف أن خسائر الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، والتي صدرت ميزانياتها، وصلت إلى 555.4 مليار ليرة، (خمسمئة وخمسةٍ وخمسين ملياراً وأربعمئة مليون ليرة سورية!) أيام الدولار بأقل من 50 ليرة. وبالمسطرة ذاتها يمكن القياس، على السنوات اللاحقة، مئات مليارات الليرات تضيع، وتصبح هباء منثوراً. لكنها حتماً، تغدو فيما بعد، مَحافظ مالية ضخمة، ذات نفوذ وتأثير كبيرين في السوق.

وإذا استثنينا قلة قليلة جداً من المسؤولين الذين يغردون خارج هذا السرب، من الطبيعي أن نجد مسؤولين سابقين يديرون مشروعاتهم الخاصة، التي أسسوها بمال الشعب، وليس بالنزاهة.

لا توجد جهة في سورية تسأل مواطناً عن ماله، كيف جناه؟ وبالتالي نجد أن تأسيس الشركات سهل جداً، ما خلا البيروقراطية الإدارية، التي يمر بها قرار التأسيس. والهدف من السؤال ليس الابتزاز، أو المقاسمة الإرغامية على المال، إنما الاستفادة من تجربة دول العالم، بأن هذا المال يجب أن يكون حصيلة عمل، وبالتالي لابد أن يكون صاحبه سدد الضرائب.

هل تريد الحكومة أن تبحث عن موارد تدعم خزينتها؟ لتفتح بعض الدفاتر، لتقرأ من يؤسس الشركات، لتنظر إلى من يعمل بالتجارة والصناعة، لتراقب حركة الأموال، لتتابع نشاط زوجات وأبناء المسؤولين لاسيما السابقين منهم، لتبحث في المديرية العامة للمصالح العقارية، وتقارن حركة تسجيل العقارات. في كل ذلك ستجد كنوزاً كبيرة، ولتترك جانباً متابعاتها الهزيلة لحركة سيارات الخدمة، وفواتير الاصلاح، والتوظيف الوهمي، ومهزلة المناقصات، برغم أهميتها القصوى.

ثمة ملفات نبشُها يعيد بعضَ المال المنهوب، والثروات المتراكمة بلا وجه حق. لكن لا توجد جهة يُسمح لها النبش، والتفتيش، والقراءة، وتوجيه الاتهام. والتقرير الإلزامي الذي يجب أن يصدره الجهاز المركزي للرقابة المالية سنوياً، ونشره للعلن، منعه رئيس الحكومة السابق وائل الحلقي، وتستمر الحكومة الحالية بالنهج ذاته.

من هنا، غدا الاستثمار في تخسير الجهات العامة، هو الوجه الآخر للشركات التي تُفرّخ، وتُسجَّل في سورية، برؤوس أموال قادمة من تحت طاولات القطاع العام. إضافة إلى حالة أمراء الحرب المتاجرين بكل شيء، والذين يمثلون شريحة رجال الأعمال الجدد.

يجد أمراء الحرب، وأمراء الفساد، الغطاء القانوني لتأسيس شركاتهم الخاصة. لا أحد يسأل من أين تنبق هذه المليارات فجأة؟ ويعلم أصحابها يقيناً، القنوات الاستثمارية المناسبة لها، وايجاد الصيغ القانونية الملائمة، لتخرج للعلن. إذ يسطع نجمها في مديرية الشركات بوزارة التجارة الداخلية، حيث الموطن الإلزامي لتأسيس الشركات، أو في المصالح العقارية، حيث يستظل مسؤولون سابقون.

لم يعد الفساد تهمة، والاختلاس لعنة، والسرقة جريمة، والابتزاز قلة أخلاق، والنصب والاحتيال فعل مذموم. تغيرّت المفاهيم، منذ أن مهدت الحكومات لمسؤوليها، طريق الخروج من المناصب بلا محاسبة، ومن ثم ترحب بهم في نادي الأغنياء، يتابعون جهودهم المثيرة في خدمة الوطن من جديد.


مقالة ذات صلة :

الرئيس الأسد يهاجم بحزم مواكب المسؤولين الضخمة ، ويصفهم بالخائفين!

لأخضر يملأ جيوب رجال الأعمال والمسؤولين الفاسدين


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

Mountain View