هاشتاغ سيريا ـ رولا السعدي

ازدحام خانق .. فوضى لافتة .. نقص في الأدوية .. وجوه تطالعك بحسرة .. وكأنها تقول: أنهكني المرض .. كما أرهقني الانتظار لوقت طويل.

هذا هو حال مركز الطب النووي الذي أقيم في المزة كبديل مؤقت عن مستشفى الطب النووي في حرستا. (مستشفى البيروني)

والمبررات: ظروف استثنائية وتحديات كبيرة .. كونه المركز الوحيد في سوريا.

اضطررت لبيع أثاث منزلي

شكاوى عدة استدعت زيارة مركز الطب النووي في المزة .. وبشق الأنفس وسط مشاهد الازدحام استطعنا أن نتجول في أرجائه، ونقابل عدداً من المرضى الذين أكدوا أن نقص الدواء أهم معضلة تواجههم، إذ يضطرون إلى شراء بعض الأدوية ذات التكلفة العالية والتي لا طاقة لهم بثمنها.

شاب في مقتبل العمر اختاره المرض ليبدأ صراعاً مبكراً معه قال: نعاني من نقص بعض الأدوية التي لا يستطيع المركز تأمينها، ما يضطرنا لشراء بعض الأدوية والأبر على نفقتنا، «بدأت أبيع أغراضاً من بيتي لكي استكمل علاجي».

ازدحام يزيد تعب الأجساد المنهكة
مجرد دخولك إلى ذلك المكان يلفت نظرك مشاهد الازدحام .. حشود من المرضى توافدت إلى المركز من كل أنحاء البلاد بعد أن دمرت الحرب كل شيء، وهو المستشفى الحكومي الوحيد المتخصص بمعالجة الأورام.

يوجد في مركز الطب النووي 32 سريراً، في وقت نستقبل فيه ما بين 600 إلى 800 مريض

تلك المرأة الستينية التي اتكأت على الكرسي بعد أن أخذت جرعتها قالت: انتظر هنا منذ الصباح الباكر وسط الازدحام الذي يزيد من تعب جسدي المنهك إلا أنه لا يسعني إلا أن اشكر المركز على تقديم العلاج المجاني .. فلا طاقة لدي بدفع تلك المبالغ.

سيدة أخرى جاءت مع شقيقتها من دير الزور، تقف بين «طابور» من المواطنين تنتظر دورها ليتم قبولها، تحدثت بصوت خافت: جئت من محافظة أخرى لتقديم طلب إلى المركز وتلقي العلاج، وها أنا انتظر منذ ساعات على أمل أن أنجز مهمتي اليوم وأعود من حيث ما جئت.

سيدة أخرى بدت أفضل حالاً، قالت: « الحمد لله عندي واسطة عن طريقها دخلت المركز، وقدمت طلبي بأسرع وقت»
ازدحام شديد، صار يفرض مشاهد قد لا تُرى في مستشفيات أخرى، كأن ترى مريضاً في الممر بعد حصوله على الجرعة، منهكاً وفي حال يرثى له، لكن الضغط الكبير، الذي يفوق حجم استيعاب المركز بأضعاف، جعل ذلك المشهد مألوفاً.

الإدارة: ليس هذا ما نسعى إليه

مدير المركز الدكتور إيهاب النقري تحدث بكل وضوح وشفافية، حتى أن معظم ما طرحناه من قضايا ومشاكل، كان يؤكده ويقول إن الواقع كان يحد دوماً من الرؤية التي كان يطمح إليها.

المركز مؤقت ويعمل في ظروف استثنائية وهو غير مؤهل لاستقبال عدد كبير من المرضى مثل مستشفى البيروني

يؤكد المدير أنه على دراية كاملة بكل الثغرات التي يعانيها المركز، وأنه لا يستطيع أن ينكر أو يتجاهل أياً منها «وللحقيقة أنا كطبيب وكمدير للمركز أرى أنه لا يقدم الخدمة التي ارتئيها للمريض»

لكن في الوقت ذاته ما تجب الإشارة إليه أن المركز مؤقت ويعمل في ظروف استثنائية ويواجه تحديات كبيرة، افتتحته وزارة التعليم العالي لتوفير الخدمات بالقدر المستطاع وبالإمكانات المتاحة، ولا يمتلك مقومات المستشفى، إضافة إلى أنه غير مؤهل لاستقبال عدد كبير من المرضى مثل مستشفى البيروني.

مدير المركز د. إيهاب النقري

وتابع: يوجد في مركز الطب النووي 32 سريراً، في وقت نستقبل فيه ما بين 600 إلى 800 مريض، وقد يصل العدد بداية الأسبوع إلى ألف مريض، فمن الطبيعي أن يكون الازدحام في قائمة المشاكل التي نعاني منها.

المركز صغير ومهيأ لاستقبال 50 مريضاً في حين يستقبل عشرة أضعاف هذا العدد.

ولا بديل لدينا إلا مستشفى البيروني الذي نستعد لترميمه واستقبال المرضى فيه كسابق عهده، علماً أنه لم يتوقف عن العمل ليوم واحد.

نقص الدواء .. والحلول خارج المركز

وعن نقص بعض الأصناف الدوائية، قال النقري: نطلب كل احتياجاتنا من الشركة الوطنية «فارمكس» التي تؤمن الدواء، وقد لا تستطيع تأمين جميع الأدوية، مشيراً إلى أن المركز عانى في الفترة ما بين 2014 ـ 2015 من انقطاع بالأدوية، إذ لم يتم تأمين سوى ما نسبتة 30 % من الحاجة، وذلك بسبب الحصار، لكن الوضع حالياً يُعد جيداً، فالأدوية اليوم متوفرة بنسبة 85%.

وعن آلية تأمين الأدوية أوضح النقري أن إدارة المركز تقوم بمخاطبة وزارة التعليم العالي، عندما يكون هناك نقص بالأدوية، «لترشدنا إلى خطة بديلة قد تكون مناقصة»، وتطرق النقري هنا إلى الخدمات التي قدمتها «الطاقة الذرية» والتي وفرت النظائر المشعة طوال تلك السنين.

**  شكاوى عدة تحدثت عن تأخير إعطاء موعد محدد ليحصل المريض على جرعة كيميائية؟

*** بمجرد الحصول على موعد لإعطاء الجرعة الكيميائية، فإن المريض يأخذها في اليوم المحدد، ومن النادر تأجيلها ليوم ثان، لكن تأخير العلاج الدوائي «الكيميائي» سببه الازدحام.

** الأمر ذاته بالنسبة للعلاج الشعاعي، ما السبب؟

*** هناك دور نلزم فيه المرضى، بسبب قلة عدد الأجهزة الذي لا يتناسب مع عدد المرضى، المركز لديه أربعة أجهزة، ونتعرض لضغط لا يُحتمل. مثلاً كنا نستقبل 100 مريض للأشعة، بينما نستقبل اليوم 300 مريض.

إضافة إلى أن مستشفى الكندي كان يختص بعلاج المرضى من المنطقة الشمالية والشرقية، لكن بعد توقفه أصبح مركز المزة مقصداً لكل المحافظات السورية.

الأجهزة في المركز كافية لتغطية دمشق وريفها، وحتى المنطقة الوسطى لكن لتغطية كل سوريا هذا أمر مستحيل! نحن بحاجة لأجهزة لاستيعاب أعداد المرضى.

** كثيرون تحدثوا عن «واسطات» سواء للدخول إلى المركز أم للحصول على الجرعة، ما رأيك؟

*** الازدحام قد يكون سبباً لكل شيء، حتى لو كنا ضد هذا الموضوع.

** هل لديكم من الكوادر الطبية ما يكفي؟

*** الكادر الطبي كافٍ، ولا يوجد أي تسرب منذ بداية الحرب، مشكلتنا بضيق المكان، وليست في عدد الأطباء.
نحتاج مستشفى .. والعودة قريبة.

اختتم مدير المركز حديثه بأن مطالبه كثيرة أولها مستشفى بديل، وتوفير أجهزة، وجميع أصناف الأدوية، «لكن نحن حالياً ننتظر العودة لمستشفى البيروني في حرستا، ومطالبي الحالية ترميم المستشفى بأسرع وقت ممكن، لنستطيع استقبال المرضى بالشكل الصحيح، مع العلم أن البيروني مستشفى متكامل: من عدد الأسرة، إلى التعقيم، إلى غرف العمليات..»
«البيروني عائد بطاقته الكاملة قريباً»، هكذا يؤكد النقري.

هل تكون حلاً؟

عودة، قد تحد من بعض المشكلات التي يعانيها المركز، إلا أن معطيات الواقع لا تقول بأن تلك العودة ستعني حلاً متكاملاً، فالازدحام سيبقى، لأن البيروني أيضاً سيبقى المستشفى المجاني الوحيد المتخصص بهذا النوع من الأمراض ذات الكلفة العالية.