هاشتاغ سوريا – أنور محمد

يمتلك المخرج سمير حسين في أعماله التلفزيونية “قاع المدينة، بانتظار الياسمين” والآن في “فوضى” استراتيجية سردية بصرية مرتبطة بصورة ماضٍ/ حاضرٍ إنَّما مباشر- كأنَّه واقعة حقيقية تجري أمامنا الآن- فنبقى مع ديمومة زمنية للحدث الذي ينسجُ منها قميص أو ثوب حكايته للأسرة السورية التي فكَّكتها الحرب الدائرة منذ سبعة أعوام. إنَّها (عين) سمير حسين التي تُشرع الصورة في استكشاف المخفي والمستور من حياة شخوصه، ولو أنَّ (الحبكة) أو الخيوط الدرامية التي صنعها حسن سامي يوسف ونجيب نصير ما بين العائلات والشخصيات ضعيفة، ضعفها في مواجهة مصائرها، وحتى استسلامها كما أرادا معاً كمؤلفين، وهذا ضد مبدأ الحتمية، كما أنَّه لا يتفق مع العقل. فمعظم شخصيات العمل تختلف ولا تتنازع أو تتناحر على قضايا معيشية، فما بالك أنَّها لا تتصارع على مبادئ سياسية وأخلاقية وهي التي سبَّبت كلَّ هذا الخراب!
رغم ذلك فإنَّ سمير حسين تمسَّك بالنص فرسم لوحات من: أسطح، جدران، شوارع، فضاءات تتحرَّك فيها أجساد الممثلين بكامل انفعالاتها، إنَّه يذهب من تصوير المشهد إلى تحقيق اللقطة السينمائية، فينوِّع مصادر السرد لنحسَّ بجمال المشهد مهما كان مليئاً بالقبح، كاشتباك الولد ريمي سرميني مع نادين تحسين بك بصفتها أمه ورميها على الأريكة على خلفية شكِّه بعلاقة جنسية تقيمها مع المحامي راتب- سلوم حداد، فيحقِّق سمير ذروة درامية. عدا ذلك يشعرنا بحركة الزمن، فعينه ترصد وبسرعة مشاهد عامة، أغلب مشاهد المسلسل عامة في الشوارع، وباتجاهات متعددة: أفقي متمدَّد، عامودي محتدم، أفقي وعامودي مُتجمِّع، وحركة لمُمثِّل أو أكثر، بما فيهم المارة. فيلاحق الحدث ليستكشف ويكشف عن مكوناته، عن القوَّة المستترة فيه وهي تسرد، كمثال: بساطةُ وعفويةُ وحذق أبو الخيل – فادي صبيح- في تعامله مع أمثاله أو أضداده وأنَّه مركز الحدث، لا سيما حيويته في لقائه مع ديما قندلفت التي أحبَّته، والتي لم تأسف على اختفاء زوجها الذي ماتزال ابنتها هيا تبحث عنه. إنَّنا مع صورة حقيقية راهنة تنمو وتتطوَّر ولو بفطرية مقصودة. صورة مشبعة بالقسوة، ولكنَّها صورتنا وقد هجَّرتنا الحرب، بعثرتنا لكي تُعيدنا إلى الحتمية. فسلوكنا كلُّ حركة فيه هي من سبب، أو عن سببٍ مُحدَّد ناتج عن سبب، لكي نفعل ما نريده بحرية، حريَّة فقدناها، لكن علينا أن نحتازها لأنَها وعي الضرورة. فأبو الخيل غيرُ شرير، ولكنَّه كما أراده المُخرج وحشٌ بلا وعي يفعل الخير مع شركائه في الحي أو في الحياة، ولكنَّه يركب بغل الشر، وهو يروِّج لتعاطي المخدرات، على أنَّ فادي صبيح في هذا الدور يعيش حالة روحية كبطل حقيقي، وهو من أفضل أدواره. كذلك سلوم حداد الذي يؤدي دوره بتكثيف شعري، وهو يعيش فاجعة تخليه عن الشرف (القانوني)، مُرغماً تحت تهديد “مافيا” متخلِّفة تستمدُّ قوَّتها من مراكز أمنية. عموماً هذا حال البلد كان في الحرب أو في السلم، لكنَّ راتب- سلوم حداد- لم يفقد (الشجاعة) وإن بدا جباناً، فلقد كان كمن شيَّع القانون والحق والعدالة. سلوم هنا يؤدي دوراً، فعلاً واضحاً، أو شديد الوضوح، وهو في حالة نفسية روحية يحاول ألاَّ تخور قوَّتها.
رائق ولكنَّه كامد من هذه الفوضى التي حولتنا إلى أسماك لكننا لسنا أسماك قرش، بل سمك سلمون وسردين. أسماك كثيرة تسبح في “فوضى”، أسماك تشبه بعضها وهي في حالة خوف كأنَّها شخصياتٌ مُتخثِّرة: فتحية- رشا بلال- التي تمَّ اغتصابها من قبل الحربجية، والزوجة لشقيقين في آن واحد، سامر إسماعيل الذي تمَّ اعتقاله ولا أحد يعرف مصيره، فيتزوجها شقيقه عبد المنعم عمايري، هنا كأنَّنا مع حبكة (هندية). أشباحٌ، وخوف من الخوف. خوفٌ من أن يكون الإنسان شجاعاً فنرى وجوهاً تتلاشى في العدم، لتظهر من جديد، فأدوارها الاجتماعية في الأمكنة التي اختار سمير حسين التصوير فيها (الشوارع) كانت في أعلى درجات الغليان والانصهار لكنَّها لا تحترق. وجوه متشابهة وحتى متماثلة في آلامها وهمومها، وفي انكسارات أحلامها، وجوه غير مطرَّاةٍ بالمساحيق؛ مُتجهمة لا مشرقة، كامدة غيرُ لامعة، ولا شيء يخفي قلقلها وحزنها وخوفها من المجهول، سواء التي هاجرت إلى المنافي الاختيارية، أو تلك التي تعبرُ الحواجزَ الأمنية وتسقط على رؤوسها القذائف المعطَّرة برائحة الموت. وجوه “هيتشكوكية” لكنَّها ليست هيتشكوكية؛ وجوه متفرِّدة ومجتمعية. سمير يؤكِّد على الوجه وتعبيراته كما يؤكِّد على حركة الجسم، فأكثر من عراكٍ وتعارك ومعركة يخوضها الجسم في علاقاته مع الآخر كان قريباً أو بعيداً: ولد، أم، جار، عابر سبيل- خاصة معارك زيدان الدونكيشوتية حتى مع جسمه، هذا الفتى “الأزعر”، الطازج، العابر الذي لم يتخلى عن دوره الاجتماعي كمحرِّك لصراعٍ، وإن لم يُثمر تلك الثمار، مثله مثل الممثلة “ميري كوجك” السكرتيرة ذات التعابير غير المتحوِّلة إلى (فعل)، والتي تبذل ما بوسعها من جهد فيه إثارة وإراقة ماء وجه لتشبك علاقة أيَّ علاقة مع أيِّ كائنٍ إنساني، ولكنَّها الأنوثة غير الجارحة والقاطعة، إنَّه الخوف. وجوهٌ مسكونة بالخوف، هي وجوهنا وجوه صار لها نشاط إجرامي في مرافق الحياة السورية. السمك الكبير يبتلعُ السمكَ الصغير.
سمير حسين في (فوضى) مثلما وَضَعَنا أمام وجوه خائفة، وضَعَنا أمام مصائرنا التي ساقتنا الحرب إليها.


مقالة ذات صلة :

قريباً .. فوضى تزور الفضائيات الألمانية