مصر تطرح قضية

د. فؤاد شربجي:

مع نهاية العام 2017، تثار في مصر قضية تهم الأمة العربية كلها، هي قضية (جمود الأزهر) الأمر الذي ترك الساحة لأفكار متشددة ومتطرفة، ويستذكر د. جابر عصفور، المثقف الكبير، يستذكر ما قاله الشيخ محمد عبده في بداية القرن العشرين: (إن جمود الأزهر هو سبب تخلفنا) ويبدو أن المؤسسة الدينية الأصل (الأزهر) تعاني من الجمود منذ بداية القرن العشرين، ومازالت على هذا الجمود في نهايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

وفي قراءة إعلامية، وجد أحد اعلامي مصر، أن جمود الأزهر، أنتج حالة اجتماعية في المجتمع المصري، تعكس وتترجم هذا الجمود، وأورد الزميل الإعلامي، خبراً مؤرخاً في الأيام الأخيرة من العام 2017 ــ يقول الخبر (جامعة القاهرة، ولأول مرة في مصر، تعين “مسيحي” عميداً لكلية علمية، حيث عينت د. عاطف شاكر عميداً لكلية طب الأسنان) ــ ويستغرب الإعلامي المصري، كيف يمكن لمصر أن تمتنع مؤسساتها عن تعيين مسيحي على رأس احدى المؤسسات الجامعية حت الآن ــ
رغم أننا في سورية، ليس لدينا مثل هذه الحال المجتمعية، والحمد لله، فإن المسيحي والمسلم سواء في المناصب، والفعالية العلمية والثقافية والسياسية والمجتمعية، ومنذ بداية الجامعة السورية، كان فارس الخوري، هو مسيحي سوري عميداً لكلية الحقوق، وهذا كان في بدايات القرن العشرين، وكذلك الحال في بعض المؤسسات السورية ولكن هل نجا المجتمع السوري من جمود المؤسسات الدينية، في الوطن العربي، وعلى رأسها ( الأزهر)، لا اعتقد أبداً، أننا نجونا، لأن البيئة التي نما فيها الفكر المتشدد، وتطور إلى ممارسة إرهابية، هي بيئة تربت على جمود المؤسسات الدينية، والفكر الديني ـــ وهكذا يصح قول (محمد عبدو) أن جمود الأزهر سبب تخلفنا، ويمكننا أن نقرأ هذا القول، على الشكل التالي، إن (جمود المؤسسات الدينية، هو المولد لأخطر مصائبنا )

وهكذا يحق لنا أن نتساءل : إذا كان الإسلام دين الرحمة للعالمين،(وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين) فكيف حولت المؤسسات الدينية هذا الجوهر الإنساني للدين، إلى أفكار جامدة، أتاحت الفرصة للتشدد ليترسخ، وينتج التطرف؟

كما يحق لنا أن نؤكد أن الحل تجاه جمود المؤسسات الدينية، العودة إلى رحمانية الدين، واعتبار الدين ليس إلا رسالة رحمة للعالمين، أي لكل الناس، وجعل هذا الاعتبار مبدأ حاكماً في التفسير والـتأويل والاجتهاد، بشكل يعيد الدين إلى جوهره، كشحنة روحيه، تحرك الإنسان للتفاعل والتعاون والإبداع والانتاج، في إطار فكرة الخير العام، التي تشكل أحد أسس رحمة العالمين.

إن الخروج من جمود المؤسسات الدينية، وأساسها الأزهر، ممكن ومتاح في التاريخ، أسماء من أعلام هذه المؤسسات، كانت ضد الجمود، ومع التنوير، والحوار، والانضواء في معنى الدين كرسالة رحمة للعالمين ــ ولكن المطلوب كسر الجمود، واستعادة الحيوية الفكرية والمجتمعية، لنشر تعاليم الرحمة للعالمين، وهذا هو بالضبط طريق كسر الجمود ــ أما ـــ إعادة انتاج الجمود كجوهر، والاكتفاء بتغليفه بشتم التطرف والإرهاب والجمود، لأن الجمود المغلف يرفض التطرف ــ هو جمود من نوع آخر، يترسخ كجمود قاتل ويمرر على أنه يشتم التطرف والمصيبة أنه يحافظ على مولد التطرف بجوهره ــ لذلك علينا أن ندقق في عملية كسر الجمود، والتأكد أنها عملية تعيد للدين جوهره الحيوي الحياتي، ومعناه كرسالة رحمة للعالمين، وتأثيره كشحنة روحية تنتج الخير للعالمين ــ وعاملاً فاعلاً في تحقيق التعاون الإنساني المحقق للمعنى الإلهي الرحماني للدين ـــ فهل نكسر جمود الفكر الديني ومؤسساته؟ أم نعيد انتاج هذا الجمود بعد تغليفه بأغلفةً خادعة؟ إنها مهمة وطنية مؤسسة وعلينا جميعاً عدم التقصير في انجازها.


مقالة ذات صلة:

فرنسيس أول بابا «يعانق» الأزهر منذ ألف عام


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

Mountain View