هاشتاغ سوريا _ كاترين الطاس

أفرزت “الحرب السورية” مشاكل عديدة كأي حرب من الحروب التي شهدها العالم.. سرقة وخطف وابتزاز وتهديد لأمن المواطنين. ويعتبر “الخطف” الأخطر بين تلك الحوادث لكنه لم يأخذ حقه في الإعلام، بالرغم من أن ضخامة وبشاعة الحدث يجب أن تجعله يتصدر واجهة نشرات الأخبار..

“الخطف”، ظاهرةٌ نمت بشكل واسع بالرغم من أنها لم تكن مألوفةً من قبل ولم نرَها قبل سنوات الحرب، إلا في “الأفلام الهوليودية”، لتتحول خلال سنوات إلى مهنة هدفها الابتزاز المادي والتربح على حساب آلام السوريين ومعاناتهم .

مسلسل طالت حلقاته، وقصص يندى لها الجبين.. تهديدات وتنفيذ أحكام وقصاص لأفرادٍ لم يستطع ذويهم دفع ما ترتب عليهم كفدية أو دية لحياة الضحية “المختطف”..

بالأرقام..

جاء في تحقيق استقصائي سوري، أنجز عام 2015، أنه في محافظة “حمص” والمعروفة بتداخلها الطائفي، سُجلت أول عملية اختطاف عقب أسبوع من بدء ملامح الأزمة (15 آذار عام 2011)، ففي حمص وحدها سجّل قرابة 2700 مختطف، حُرّر أكثر من 500 منهم وعُرف مصير أكثر من 700، وبقي مصير 1500 مجهولاً.

وفي هذا السياق، أشار المحامي تمام حسن، إلى أن محافظة حمص لها خصوصية بأنها أكثر محافظة تتميز بالتنوع الطائفي والتنوع الطبقي، وأكثر من 70% منها عشوائيات، وهنا انتشر الخطف وتمركز..

وقال حسن، إن من الحالات التي عرضت عليه، “سائق تكسي” وهو رجل ستيني اختطف عام 2011 ولم يطلب الخاطف فدية مالية، وإلى الآن الرجل “مختفي”!

وأيضا “حلاق”، اختطف من 2011 وأيضا لم يطلب أحد من الخاطفين فدية مالية ولم يعرف مصيره إلى الآن، وأضاف حسن أن سبب خطفه كان “طائفيا”!

وأكد حسن، أن مدينة حمص بدأت تتعافى وخفت فيها حالات الخطف بنسبة 95% عن بداية الحرب.

ماذا كشفت “وزارة الداخلية”؟

“هاشتاغ سوريا” تواصل مع مصدر في وزارة الداخلية، وسأله عن الأسباب المباشرة لظاهرة الخطف التي شهدتها وتشهدها المدن السورية، فأجاب: “لم تكن حوادث الخطف من الجرائم المقلقة في سوريا قبل عام 2011، ومع بداية الحرب عمد الإرهابيون إلى قطع الطرق بين بعض المحافظات وإيقاف وسائل النقل على الطرقات العامة وإجبار ركابها من العسكريين على النزول واقتيادهم إلى مناطق تواجدهم وتصفيتهم لاحقا، بعدها عمدوا إلى اختطاف بعض رجال الدين الذين أخذوا ينتقدون جرائم القتل والتخريب التي كانت تقوم بها المجموعات الإرهابية، ثم طور الإرهابيون جرائمهم إلى خطف وتصفية العديد من الكفاءات العلمية والطبية المميزة، بهدف إفراغ الدولة من طاقاتها، ثم عملوا بعد ذلك على اختطاف عدد كبير من المواطنين عند دخولهم إلى الأحياء والقرى واغتصاب النساء وقتلهن وإجبار الشباب على المشاركة في حفر الأنفاق والتحصينات التي كانوا يقومون بها واستغلال قسم كبير من المخطوفين إعلاميا من أجل إحراج الدولة ودفعها على تقديم تنازلات والرضوخ لبعض مطالبهم، وطلب فدية من ذوي المخطوفين تصل أحيانا لمئات الملايين”.

وتابع المصدر: “مع مرور الوقت أخذت حوادث الخطف تأخذ أشكالا مختلفة، منها بقصد تبادل المخطوفين أو بقصد الانتقام، وفي العامين الأخيرين ونتيجة لما خلفته الحرب من آثار اجتماعية وإفرازات لا يمكن التخلص منها بالسرعة المرجوة، عمد بعض الأشخاص الذين ما زالوا خارجين عن القانون ويتواجدون في أماكن لا زالت غير مستقرة أمنيا أو في أماكن الازدحام التي يتواجد فيها مهجرون من المحافظات، إلى القيام بعمليات خطف منظمة أو غير منظمة لأشخاص ميسوري الحال بغية الحصول على مبالغ مالية أو لأسباب أخرى متعددة”.

وأشار المصدر إلى أن أكثر المحافظات التي تتكرر فيها حوادث الخطف (السويداء_ درعا_ ريف دمشق_ حماة) ، مضيفا أنه لا توجد إحصائية دقيقة لعدد حالات الخطف في القطر، ومنذ عام 2014 حتى عام 2019 بلغ عدد الأشخاص الذين أوقفوا لارتكابهم جرائم خطف حوالي 300 شخصا تم تقديمهم إلى القضاء المختص أصولا.

وعن الإجراءات التي تقوم بها وزارة الداخلية للحد من حالات الخطف، قال المصدر: “عملت وزارة الداخلية على تكثيف الدوريات في المناطق التي تتكرر فيها حوادث الخطف، وعلى تفعيل عمل الوحدات الشرطية في هذه المناطق، ما أدى إلى إلقاء القبض على عدد من مرتكبي جرائم الخطف، كما قامت دوريات من قوى الأمن الداخلي وبمؤازرة الجهات الأمنية بالتصدي لهذه المجموعات ما أدى إلى الحد بشكل كبير من حوادث الخطف”.

ضحايا..

(ب.ج) وهو رجل يقترب من السبعين عاما، ميسور الحال من ريف دمشق، خُطف عام 2013 على طريق الأوتستراد الدولي “حمص دمشق”، وطلب الخاطف فدية مالية كبيرة “20 مليون”، فدفع أبنائه الفدية، وعندما أفرج الخاطفون عنه، كان قد تعرض للتعذيب والتجويع وأشكال أخرى من الإهانة..

(ف.ر) رجل أربعيني، خطف من منطقة التل في ريف دمشق، عام 2013، وطلب الخاطفون أيضا مبلغا كبيرا، وبعدما قالت لهم زوجته أنها لا تملك هذا المبلغ، تقول: “انقطعت الاتصالات وحتى الآن مختفي وما بعرف عنو شي”!

(س.د) وهو مهندس شاب وابن أحد الأثرياء في القلمون بريف دمشق، خطف عام 2015 على يد إحدى المجموعات المسلحة، وعاد بعد فترة قصيرة، بعد أن دفع والده فدية وصلت لعشرات الملايين..

“البورصة النشطة”!

 مدير الهيئة العامة للطبابة الشرعية، زاهر حجو، يؤكد من جهته لموقع “هاشتاغ سوريا”، أنه وحتى الآن لم ترد أي حالة سرقة أعضاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وذلك في جميع مراكز الطب الشرعي بالقطر، مضيفا أن حالات سرقة الأعضاء تحدث كثيرا وهي بمثابة “تجارة نشطة” في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيمات الإرهابية على الحدود التركية السورية، فتتم سرقتها لتبيعها المافيات التركية لأوروبا.

وأشار حجو، إلى أن سرقة الأعضاء تحتاج خبراء محترفين، فسرقة أعضاء الجسم لها طريقة معينة، حتى لا يتضرر العضو ويبقى صالحا لـ “البيع”، وتحتاج مكانا للحفظ، فلها شروط فنية محددة، منوها أن الوحيدين القادرين على هذا الفعل الشنيع هم “المافيات التركية”..

وعن أسعار الأعضاء، أشار حجو، أنها تباع بأسعار عالية جدا، وهي كالبورصة كل يوم بسعر جديد، وهذا موضوع خطير جدا ومخيف جدا، وأحيانا كثيرة يتم سرقة الأعضاء من شخص ميت سريريا، فبعض أعضاء الجسم تبقى حية بعد خروجها من جسد الإنسان كـ “الكلى وقرنية العين”..

آثار شيطانية

وعن المخطوفين لدى المجموعات المسلحة، الذين عُرضوا على الطبابة الشرعية، كشف حجو أنهم كانوا قد تعرضوا للتنكيل ولأشد أنواع التعذيب والتعنيف وبأبشع الأساليب، فشهدت مدينة حلب “على سبيل المثال” حالات خطف كثيرة مقابل فدية مالية، وكثير من هذه الحالات تم فيها قتل المخطوفين من قبل الإرهابيين بعد أن يحصلوا على الفدية، وقال حجو: عندما تم عرضهم على الطب الشرعي كان يوجد على أجسامهم “آثار شيطانية”، أنا كطبيب شرعي لم أرى كهذا التعذيب في حياتي ولا حتى بـ “الأفلام”!

ومن الحالات التي ذكرها حجو، 3 شباب أولاد تجار، تم خطفهم من قبل المجموعات المسلحة وأخذ فدية مالية، ثم قتلوا جميعاً وبنفس الطريقة “رصاصة في الرأس من الخلف”، ويضيف حجو: بعدها قام رئيس الطبابة الشرعية بمدينة حلب بسرقة أضابيرهم للمتاجرة بهم، و”انشق”..

جريمة حرب:

حوادث الاختطاف مهما صغرت أو كبرت، فإنها تعتبر “جريمة حرب”، فتلك القصص وغيرها لن تمحى بسهولة من ذاكرة السوريين..

فبيوت سوريا التي لم يطل الموت أو الإصابات الحربية أحد أفرادها، جاء “الخطف” وأكمل المهمة فلم يستثني أحداً: الشباب والنساء والأطفال والشيوخ..

وأخذ مجده بالانتشار ليصبح “مهنة” تدر على من يعمل بها ملايين الليرات أو ربما عشرات أو مئات الملايين.. وبالمختصر.. بات “الخطف” مهنة بسيطة جدا ولا تحتاج سوى أن يتخلى الإنسان عن “إنسانيته”..