مصياف غابات تحطيب

هاشتاغ سيريا ـ نبهان يونس

كان النّاس يصنعون تماثيل من التّمر تجسّد آلهتهم التي يعبدونها ليحملوها معهم أينما ارتحلوا حتّى إذا جاعوا و لم يجدوا ما يقتاتون به التهموها .. هذا في الجاهليّة.

في صدر الألفية الثّالثة لن يختلف الحال كثيراً فالذين سيحاصرهم البرد ولا يجدون ما يدفعه عن أجسادهم سيلجؤون لحرق الجنّة التي صنعوها بأيديهم كي ينالوا الدّفء.

هكذا أعدمت غابات مصياف: تحطيب .. وحرائق تُفتعل كل عام، وتسجل ضد مجهول.

أم الاختراع

تعدّ منطقة مصياف في محافظة حماة من أكثر المناطق السورية ملاءمةً لنمو الغابات التي توفّر مجالاً حيويّاً للتنوّع البيئيّ وعنصراً مهمّاً لتنقية الهواء وجلب الأمطار الغزيرة و مقوّماً أساسيّاً لجذب السيّاح .. لكنّ المدينة المجروحة بثروتها البشريّة من خيرة شبابها الذين استشهدوا في الحرب الدّائرة منذ سبع سنين على أرض وطنهم ستنال حصّةً أخرى من ويلات المهلكة التي لم تستثنِ الشّجر بعد البشر لتفجع مصياف بدمار ثروتها الطبيعيّة المتمثّلة بغاباتها الممتدّة على أغلب مساحتها على يد حفنةٍ من «مجرمي الحرب العظماء».

مصياف المعروفة بشتائها القاسي، وفقر أهلها الشّديد، وفي ظلّ الغلاء الفاحش لوقود التّدفئة وانعدام توفّره في أغلب الأحيان، اضطرّ الفقراء من سكّانها للجوء إلى قطع أغصان الأشجار أوّلاً لاستخدامها كوقود لمدافئ الحطب في بيوتهم ولبيع الفائض عن حاجتهم لكسب المال وسدّ نفقات العيش التي تكبر كلّ يوم، لكن سرعان ما أقصي هؤلاء بعد أن راجت تجارة الحطب والفحم بين تجارات الحرب الأخرى الوافرة الربح، ودخل الحيتان الكبار من تجّار الحطب على الخطّ.

حرائق وتحطيب

لم يكتفِ أولئك بالقطع الجائر للأشجار بل تعدوا ذلك إلى حرق مساحات شاسعة من أحراش الجبال العصية لتسهيل الوصول إلى الأشجار المعمّرة، ثم امتدّت أيديهم إلى غابات الصنوبر فأحرقوها عن بكرة أبيها ليقطعوها بعد ذلك «ويعفّشوها» على مرأى من جميع الجهات المعنيّة أو بالتواطئ معها أحياناً وبقوّة السّلاح في أحيان كثيرة بعد أن سادت حالة من الانفلات الأمنيّ وفوضى حمل السّلاح في عموم المنطقة.

«أبو أنور» أحد الحطّابين الفقراء من أبناء مصياف، وهو موظّفٌ في إحدى دوائرها ومعيل لأسرة مكوّنة من ستّة أشخاص، يقول إنه لا يستطيع شراء حاجة بيته من مازوت التّدفئة، وأنّ مرارة الحياة دفعته إلى الأشد مرارة حين لم يعد راتبه يكفي لتلبية الحاجات الأساسية لأسرته، فخرج يجمع الحطب على درّاجته النّاريّة ليبيعه ويغطّي تكاليف حياة أسرته المتعاظمة، ثم استشهد بحديث للرّسول (ص) : «لأَن يأخذ أحدكم حبلاً فيأتي بحزمة من الحطب فيبيعها خير له من أن يسأل النّاس أعطوه أو منعوه».

لكنّ أبا أنور اضطرّ إلى التوقّف عن جمع الحطب عندما صار الأمر بيد تجّار الحطب «الأقوياء»، وبعد توقيف عدد من رفاقه الحطّابين الصّغار ومصادرة درّاجاتهم و مناشيرهم اليدويّة.

غاباتٌ بأكملها أعدمت حرقاً ثمّ قطعت أشجارها التي تقدّر بآلاف الأطنان بأحدث المناشير الآلية وحمّلت بشاحنات ضخمة، ونقلت إلى مناطق ومحافظات أخرى في وضح النّهار ولم يسمع أحدٌ عن توقيف واحد من أصحاب تلك الشّاحنات أو مصادرة حمولة شاحنةٍ واحدة و الطّرقات على طولها مزروعةٌ كلّها بالحواجز الأمنيّة!

فهل عجزت الجهات المختصّة أو هل أرادت حقّاً توقيف المجرمين الكبار وكفّ أيديهم عن تدمير ما لم تدمّره الحرب من أهمّ ثروات الوطن؟

قوة ردع

رئيس مجلس مدينة مصياف قاهر أبو الجدايل كتب في صفحته على فيسبوك:

«حرائق مصياف هي جزء لا يتجزّأ من حالات التحدّي لمؤسّسات الدّولة وهيبة القانون الذي بات الجميع بأمسّ الحاجة لتحقيقه .. المجرم معروف في أغلب الحالات، ويد القانون لا تطاله لسببين: الأوّل فقدان الشجاعة عند المسؤولين عن تحقيق العدالة .. و الثّاني قوة الضدّ (الشّر) المتنامية والتي تحتاج إلى قوّة ردع متكاملة من المجتمع المدني ومؤسّسات الدولة المسؤولة .. و يبقى السّؤال إلى متى؟ وفي هذه الحالة نقول: كفى عبثاً .. كفى»

يلمّح رئيس مجلس المدينة لوجود إرهاب آخر لا يجرؤ أحد من المسؤولين – الذي هو واحدٌ منهم – على مواجهته أو تسميته على الأقلّ «إلّا تلميحاً» .. فمن يكون هذا «المجرم المعروف» الذي يحرق الأخضر و اليابس والذي يحتاج إلى شجاعة كبيرة و إلى قوّات ردع متكاملة لتوقيفه عند حدّه؟

في نفس التّاريخ كتب مختار مصياف القديمة إياس ملوحي مخاطباً وزير السّياحة وبسخرية مريرة : «حضرتك قلت أن مصياف منطقة سياحيّة وعلى الأهالي أن يشتغلوا بموضوع الترويج السّياحي .. بحب قلّك أنّ مصياف كانت تملك اثنان من مقوّمات السّياحة (الغابات والقلعة) واليوم خسرت واحداً وبقيت القلعة سنهدمها ونحولها محلّات تجاريّة .. يا عمّي مصياف دكّانة كبيرة و بس» … هكذا يختصر المختار واقع حال مدينته المنكوبة: «دكّانة كبيرة» .. كأنّه يريد القول إنّ كلّ شيء فيها صار سلعة تباع وتشترى قيمتها بثمنها مالاً فقط.

تاج الجنان

أيّاً كان المجرم ومهما تكن الأسباب لعدم توقيفه فالجريمة الكبرى وقعت وأضيفت الأشجار إلى سجّل الخسائر الحربيّة وشطبت من قيود المدينة والقضيّة كما دائماً: قيّدت ضدّ مجهول.

مصياف الآن بلا غابات .. فهل يصلح بعد ذلك قول أحد شعرائها فيها:

«لئن عدّت جنان الله يوماً فمصياف الهوى تاج الجنان»؟

حرائق غابات مصياف


مقالة ذات صلة:
مصياف العطشى .. «بيع الماء في حارة السّقّائين»