ترجمة وتحرير: إيمان الذنون

يبدو أن العودة إلى التاريخ لا تكفي وحدها لفهم جدلية العلاقة بين كل من روسيا والصين، وخاصة مع ما يشهده البلدين في السنوات الأخيرة من تعاون وثيق في كافة المجالات برز واضحاً عبر مواقفهما في مجلس الأمن والتي غالباً ما تكون متطابقة أو متقاربة.

في هذا السياق نشر موقع «فورين بوليسي» دراسة تحليلية لكل من الباحثين في مركز الأمن القومي مايكل كلارك وأنتوني ريكتيس حول طبيعة العلاقة بين روسيا والصين، وكيف تنظر إليها الولايات المتحدة الأمريكية.

بداية يشير كل من كلارك وريكتيس أن الباحثين والمحللين السياسيين ينقسمون حيال تلك المسألة إلى فئتين، ترى الأولى أن العلاقة بين الصين وروسيا هي بداية لشراكة تم وضعها من أجل زعزعة استقرار النظام الذي يقوده الغرب وتقليص قدرة الولايات المتحدة على التأثير في النتائج الإستراتيجية في المنطقة، بينما يتجه الرأي الآخر إلى التشكيك باستمراريتها وإن التقت الأهداف والمصالح، فكيف يبدو ذلك التحليل منطقياً والعالم يعرف أن المصالح في السياسة ليست عيباً، بل جداراً يحمي العلاقات بين البلدان من الانهيار؟

ما لا شك فيه أن هذا المنطق في التحليل يمنح الأولوية للمصالح بين البلدين، مما يهمل العناصر التاريخية والمعيار الأخلاقي الذي يوثق العلاقة بينهما، هذا أولاً ومن جهة ثانية فإن واقع الحال يشير إلى أن العلاقة بين كل من روسيا والصين يعززها اتصال تاريخي وإيديولوجي مشترك يجمعهما ويقوم على عدم ثقة كل من البلدين بالغرب وفي الرغبة المشتركة بإعادة صياغة قواعد اللعبة التي تشكل النظام العالمي.

يقول أحد المحللين السياسيين: «تتنافس كل من روسيا والصين اليوم لمناهضة الولايات المتحدة، وربما يتعاونان لمساعدة نيكاراغوا على بناء قناة عبر المحيطات قد تسفر عن وصول السفن الحربية الروسية والصينية إلى موانئها».

ويبقى السؤال هل تنجح كل من القيادة الروسية والصينية برفع مستوى العلاقة إلى حالة من التحالف؟

كثيراً ما بدت وجهات نظر كل من روسيا والصين متقاربة في مجلس الأمن، حيث استخدمت الصين حق النقض (الفيتو) ست مرات بالتنسيق مع روسيا التي استخدمت حق النقض إحدى عشر مرة في نفس الفترة فيما يتعلق بالمسألة السورية.

يفهم معظم المحللين السياسيين أن هذا الاستخدام المفرط لحق النقض هو تحد للقيادة الغربية و يعتبر بمثابة الأداة لإبطاء وتيرة التدخل العسكري الأمريكي في سورية، وهو إلى جانب ذلك معارضة واضحة للمعايير العالمية للديمقراطية و الحوكمة العالمية وحقوق الإنسان التي يروج لها الغرب والمؤسسات المتعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى السير نحو دبلوماسية تدافع عن مفهوم سيادة الدولة تتعارض مع الاتفاقيات الجديدة مثل المسؤولية تجاه الحماية الدولية، وينعكس ذلك في دعوات بكين الملحة إلى الالتزام بمبدأ عدم التدخل طوال الأزمة السورية.

ويتابع الباحثان، إذا ما عدنا إلى أوجه التعاون بين الصين وروسيا لوجدنا أن التعاون قائم بينهما في جميع النواحي، فمن الناحية الاقتصادية تتعاون الصين مع روسيا في تطوير وصيانة مؤسسات التجارة الجديدة مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي بادرت الصين إلى تأسيسه من أجل تمويل مشاريع البنى التحتية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وبنك التنمية الجديد الذي افتتحته مجموعة بريكس في مدينة شنغهاي في الصين بهدف موازنة القوى في العالم وإنهاء هيمنة قوى واحدة بعينها على الاقتصاد، حيث تأتي تلك البنوك ضمن سلسلة من الخطط التي سعت مجموعة البريكس لإقامتها من أجل تحجيم السياسة الأمريكية وتحرير البلدان من قيود الاقتراض من المؤسسات الغربية الأخرى كصندوق النقد الدولي على سبيل المثال، وبالتالي تعزيز الأمان الاقتصادي العالمي لها من خلال إنقاذها من الفوائد التي تفرضها المؤسسات الغربية.

وعلاوة على ذلك، طوّرت كلتا الدولتين حزام طريق الحرير الاقتصادي كمبادرة جديدة في السياسة الخارجية تهدف إلى تعزيز أواصر التعاون الدولي والتنمية المشتركة في مختلف أنحاء أوراسيا، وإحياء علاقات الصداقة القديمة في العالم المعاصر الذي تحكمه العولمة، مما يؤكد سعي كلا البلدين لبناء مساحة اقتصادية مشتركة.

وأضاف الباحثان: في عام 2011 أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لروسيا، وقد نمت الاستثمارات الصينية في روسيا بنسبة تفوق الـ 80% وبذلك تجاوز حجم التجارة بين البلدين الـ 100 مليار دولار، ولعل أبرز الصفقات بين البلدين يتمثل في خط أنابيب النفط والغاز الذي تبلغ كلفته 400 مليار دولار.

وفي هذا السياق يرى بعض المحللين السياسيين أن الصين من الممكن أن تقوم بحماية طرق النقل الخاصة بها للحدّ من أي عوائق مستقبلية في بحر الصين الجنوبي.

أما عن التعاون بين البلدين في المجال الأمني، فإن الصين كثفت من تعاونها الأمني مع روسيا بعد سبات دام 40 عاماً ضمن برنامج الاحتياطي الدفاعي الصيني، حيث اشترت من روسيا عدداً كبيراً من المعدات العسكرية لتطوير دفاعاتها، وقد امتدت هذه الشراكة إلى التدريبات العسكرية المشتركة التي جرت في بحر اليابان.

ورغم التعاون المشترك بين البلدين في معظم المجالات، إلا أن عدداً من المحللين السياسيين يرون أن العلاقة بين بكين وموسكو لا تزال تحكمها العديد من التحديات التي من شأنها أن تحول دون الارتقاء إلى مرتبة التحالف الرسمي، ولاسيما أن الصين تعتبر روسيا شريك تجاري صعب وتشتكي من أن العلاقات التجارية بينهما غالباً ما تكون رهينة للثروة الجيوسياسية.

وهنا يبرز السؤال: هل يتوجب على روسيا أن تتعايش مع الغرب عندما يتعلق الأمر بتطوير إنتاج الثروة النفطية بما يخدم مصالحها؟

بالنظر إلى الخط البياني المتعلق بإنتاج النفط الروسي نجد أنه يتصاعد ليصل إلى 10.8 مليون برميل يومياً، ومن المتوقع أن يصل إلى الذروة في العشرين سنة القادمة، لكن الشهية العالمية المتزايدة لمستقبل أخضر، وإمكانية أن تستفيد الصين من احتياطات الغاز الصخري الخاصة بها، إلى جانب القيمة النسبية للنفط، قد تعني في نهاية المطاف أن روسيا ستكون مطالبة بالتواصل مع الغرب من أجل بقائها الاقتصادي.

عند النظر إلى العلاقة بين الصين وموسكو من هذا المنظور، نجد أن كليهما لا يشتركان في رؤية مستقبلية بقدر ما تميل العلاقة بينهما إلى تحقيق أهدافهما الخاصة، وبسبب هذا، فمن الأفضل للولايات المتحدة أن تعزز الحوار مع الصين وروسيا وهي تحتاج من أجل تحقيق هذا الغرض إلى تعاونهما في العديد من القضايا العالمية الأكثر إلحاحاً.

ما لاشك فيه أن نجاح المبادرات الدولية الرئيسية مثل عدم الانتشار النووي والأزمات المستمرة في الشرق الأوسط يتطلب من الولايات المتحدة شراكة حقيقية بين الصين وروسيا، وأي تشتت سياسي عالمي سوف ينتقص من حل هذه القضايا المحرجة.


مقالة ذات صلة :

أمريكا خسرت حربها مع الصين قبل أن تبدأ

 


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام