جريدة الأيام

إذا اتفقنا مع بيكاسو على أن «الفن كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة»، فهذا يضعنا أمام حقيقة واقع الفنان التشكيلي السوري، الذي يغزل لنا الحقائق بينما تغزل له الجهات المعنية الوهم إلى أن توافيه المنية، وتتكسر على رفاته كل المعايير والقوانين، ليدخل بقدمه اليمنى ساحة الشهرة، بالتالي ينعكس على واقع أبنائه وأحفاده ما يجعلهم يعيشون بأمان اقتصادي ربما!

يقول الموسيقار السويسري إرنست ليفي: «ستبدأ الإنسانية بالتحسن عندما نأخذ الفن على محمل الجد كما الفيزياء أو الكيمياء أو المال».

فهل يقع الفن التشكيلي على محمل الجد في ثقافتنا الاجتماعية، أم أنه في غياهب الجهل نتيجة لغياب الترويج، ومَن المعني في تصحيح المفهوم التشكيلي اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً؟

الفنان أكسم طلاع يؤكد: هناك جهل، نعم! كما أن الفن التشكيلي هو فن نخبوي، وهذا لا يعني أن الفن التشكيلي يجب أن تكون دائرته جماهيرية واسعة لا بالعكس، هناك قطيعة، وأجدها صحية بين العامة والنخبة.

مدير الفنون الجميلة في وزارة الثقافة عماد كسحوت، يرى بأنها نظرة موروثة قديماً بأن الفن التشكيلي غير مقبول اجتماعيا، يضاف إلى ذلك عدم الاهتمام بالتربية الفنية في المدارس، مما يحمّل وزارة التربية العبء الأكبر كونها النواة الأولى لسكب المعارف بالنسبة للطفل، ومن ثم يأتي دور وزارة الثقافة ووزارة الإعلام فلهما دور بالتثقيف والترويج.

يضيف: يجب أن يكون منهاج الرسم والموسيقى والرياضة في كافة مراحل التعليم ما قبل الجامعي، نحن الآن لدينا أربع كليات فنون جميلة في سوريا متل كليات الهندسة والطب، إذاً لدينا مجالات كثيرة تؤكد الحاجة للفن، مثل العمارة مثل الطب، لذلك لا أعلم لماذا يتوقف الرسم عند الصف العاشر؟! ولماذا حصة واحدة بالأسبوع؟ هي لا تختلف بأهميتها عن الرياضيات والفيزياء، وبسبب هذه الثقافة فقد الفن التشجيع من الأهل.

بناءً على ما سبق، إذا اتفقنا على أن نواة المعرفة الصحيحة بالفن التشكيلي وصانعه هي التربية، هل نختلف على أن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الفنان، هو الفاعل الأكبر لرسم هالة من البؤس حول مفهوم الفن التشكيلي ومبدعه؟

الفنان التشكيلي سهيل بدور (صاحب غاليري) يقول: قبل كل شيء، مع الأسف المرير، اللوحة التشكيلية في سورية مازالت فعل ثقافي متهم، الفن التشكيلي هو تهمة على صاحبه، وصاحبه تهمة على المجتمع وهذه حقيقة، وأبسط كلمة سمعتها هل من المعقول فنان بدون خبز؟! ببساطة هو يدرّس ويتعب بلا أي جدوى ولا أي طائل، وفي الغالب كل الفنانين التشكيليين يعملون في أشغال أخرى، وقلةٌ هم الفنانون المتفرغون تماماً للعمل الفني.

من جهته، يرى عصام درويش (فنان تشكيلي وصاحب غاليري) أن الدراما هي السبب، فجزء كبير من هذه الرؤية يقع على عاتق القطاع العام، يتابع: ولكن أُحمّل الدراما الجزء الأكبر، يمكن ملاحظة كيف أن شخصية الفنان في الدراما السورية «مبهدلة»، لقد تناولوه بأنه شخص يعاني نفسياً أو فقير جداً أولديه مشكلة تواصل مع الآخر…إلخ، ولم يعكسوه كما هو في الواقع، وطبعا لا أخفي أن بعض الفنانين لديهم مشاكلهم سواء نفسية أو اجتماعية ولكن هذا لا يعمّم، لذلك ألوم الدراما على أسلوب طرحها للفنان التشكيلي.

جوانب كثيرة ساهمت في تكريس صورة التشكيلي السوري بشكل يختلف عن واقعه المنطقي، ولكن كيف يمكن رفع قيمة الفنان عن تلك الصورة، وهل لتسعير اللوحة بشكل جيد دور في تغيير صورة الفنان وواقعه؟ وكيف نستطيع الترويج لها جيداً؟

يقول التشكيلي أكسم طلاع إن المكان الوحيد الذي يتم به الترويج غير الخاص هو في معرضَي الربيع والخريف، موضحاً «قبل الحرب كان متوسط سعر العمل أو سقفه 100 $ تقريباً، أي (40000 – 50000ل.س)، الآن خلال الحرب أصبح فارق السعر 10 أمثال، إلا أن السعر لم يتغير ولم يلغ الفارق، بل بقي كما هو، ومع ذلك أصر الفنان على الإنتاج والعمل والحفاظ على المشاركة، من باب حرصه على ضرورة استمرار المعرض الوطني، فالنظرة لديه ليست مادية فقط، بل هناك رسالة ثقافية يجب أن يؤديها. لكن أيضاَ وبالمقابل، على وزارة الثقافة مراعاة ظروف الفنان، لأنه لا يملك فرصة مورد اقتصادي دائم، لذلك في هذه الظروف لجأ البعض إلى العرض خارج الحدود».

فيما يوضح عصام درويش واقع العمل الفني قبل وخلال الحرب، بالقول إنه قبل المأساة السورية كان هناك تطور ملحوظ وهام جداً في سورية، على صعيد تسويق اللوحة السورية وعلى صعيد تغطيتها في الإعلام، مثلا أصبح في الخليج طلب قوي جداً على اللوحة السورية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار أعمال الفنانين بشكل جنوني، نحن نتحدث عن ارتفاع يعادل مئة ضعف مثلاً ارتفاع من 10000ل.س إلى 1000000 ل.س طبعا قبل اندلاع الأحداث في سورية.

ويشير إلى أنه «عندما بدأ سعر اللوحة السورية بالارتفاع، أصبحت وزارة الثقافة تواكب قليلاً بشكل ما هذا الارتفاع، لكن طبعاً يبقى هناك فرق هائل وكبير جداَ بينها وبين الخاص، ولكنها لم تعد تقتني لوحات مثلاً ب 2000 ل.س، أصبح لديها حياء وبدأت باقتناء أعمال بسعر 100000ل.س، مثلاً قبل الحرب هذا المبلغ يعادل 900000 ل.س خلال الحرب.

ويتابع: لا أملك المعلومة حول إذا كان الفنان حالياً يتقاضى نفس السعر، ولكنني أظن بأن السعر لم يعامل معاملة ارتفاع الدولار، لذلك هناك الآن إحجام من بعض الفنانين المهمين عن بيع وزارة الثقافة، وغالبيتهم لديهم قنوات تسويق للخارج وفقاً لعلاقاتهم الشخصية، أو اتفاقهم مع جهات تسويق تبحث عن أعمالهم.

بالمقابل يتحدث سهيل بدور عن أن الفن صناعة، ولكن صناعة الفنان تعني حضوره وأداءه وتسويقه ومعارضه، ونحن ليس لدينا شيء من هذا، بل لدينا فقط فنان يرسم والسعر يكون حسب حاجة الفنان، أحياناً يكون ثمن اللوحة 1000$ ممكن أن يبيعها بـ 100$ ببساطة.

ويشير إلى أن القطاع العام لم يسهم على الإطلاق، وكلنا نعلم جيداً كيف كانت آلية أو «ميكانزم» العملية الإبداعية من خلال العرض والمقتنى.

ويتحدث بدور عن المعارض التي تقيمها الدولة الآن فيقول: الدولة في أزمة هذا صحيح، لكن الذي لا أفهمه هو الأساس الذي يتم تسعير الأعمال وفقه، هل بمزاج مسؤولي الثقافة؟!

على الرغم من أن الكثير من الفنانين ينتظرون المعرض السنوي أو معارض القطاع العام، حتى يُقتنى لهم عمل يستعينون بثمنه لتسديد بعض من التزاماتهم، ورغم ذلك تخضع لمزاج اللجنة، وهذا أمر كارثي بكل المقاييس وبكل المعايير.

وبالنسبة لتسعير اللوحة يقول بدور: «أنا صاحب غاليري في دبي وبالغالب أسأل الفنان عما يريده، وعندما يحدد سعره، أضيف نسبتي على السعر، علماً أن السعر المتفق عليه يخضع للصدفة وللحظ».

بيد أن الفن لا يعني أن يبقى الفنان عمله الفردي، هو جهد مؤسساتي، ويجب أن يقف خلف الفنان مجموعة عمل، هكذا يسوّق العمل جيداً.

التسويق مهمة شاقة جداً بحسب ما يقول جورج كامل صاحب غاليري كامل: «هناك نوعان لآلية التسعير، أعمال الرواد وهي حسب العرض والطلب، وبحسب توفر أو ندرة الأعمال»، موضحاً: هناك أعمال لنفس الفنان بنفس القياس يختلف سعرها بين تاريخ وتاريخ لأن الفنان يمر بمراحل ذهبية وهذه المراحل يعيشها أي فنان.

والأزمات الاقتصادية في العالم تنعكس أولاً على المشهد الفني، لأنه يعتبر نوعاً من أنواع الرفاهية سواء في التسويق المحلي أو الخارجي، مع العلم أن المحلي يحظى بأضعف تسويق في العالم، والمقتني السوري غائب بالمقارنة مع أي دولة أخرى، مثلاً الخليج ولبنان يقتني للسوري أكثر بكثير من السوريين، على الرغم من وجود إمكانية هائلة للاقتناء ولكنها تذهب بغير اتجاه، مما أدى إلى ضعف دور الفن التشكيلي كثقافة، وبالتالي يضعف سعره المتداول وهذا الشيء يظلم الفن والفنان.

يختلف وضع تسعير الأعمال، وبالتالي تختلف الرؤى تجاه النهوض بالواقع الاقتصادي للفنان التشكيلي حسب وجهة نظر القطاع العام، فما هو دور اتحاد الفنانين التشكيليين في هذا الموضوع؟

يعترف إحسان العر (رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين) بأنه لا دور للاتحاد في موضوع تسعير اللوحة، فهناك لائحة أسعار موجودة لكنها قديمة.

ويضيف: نحن كاتحاد نقوم بمنح الفرصة للفنان بالعرض ضمن صالات الاتحاد، وبالتالي هي فرصة لتسويق اللوحة، كما أننا في الفترة الحالية نعمل جاهدين لتعديل بعض مواد القانون، للارتقاء بدخل الفنان من خلال إتاحة الفرص لبعض الفنانين لأخذ دورهم في الساحة التشكيلية السورية، حيث نقوم الآن بتعديل مادة هي قيد الإصدار، تخص مهندسي العمارة الداخلية لمنحهم فرص عمل من خلال ربط تراخيص المنشآت التجارية ذات الطابع العام بهم، ونأمل كاتحاد أن يصدر المرسوم الخاص بهذه المادة قريباً.

أيضاً موضوع صندوق التقاعد يعتبر أهم إنجاز لاتحاد الفنانين التشكيليين، وفي القريب العاجل سيتم منح أول رواتب تقاعد للفنانين التشكيليين.

أما عن دور مديرية الفنون الجميلة في وزارة الثقافة فيقول عماد كسحوت: نحن في وزارة الثقافة عند مرحلة اقتناء الأعمال سواء في معرض الربيع أوفي معرض الشباب، نقوم بتشكيل لجنة بقرار من وزير الثقافة، تتألف من تسعة إلى عشرة فنانين لهم خبرة بالتقييم ولهم خبرة بتسعير اللوحة بناءً على قيمتها.

وينوّه إلى أن فترة الأزمة مختلفة جداً عما قبل الأزمة، من حيث آلية الاقتناء ومن حيث التسعير، فسابقاً كان سعر اللوحة 50000ل.س ورُفع خلال الأزمة إلى 90000 ل.س، بينما وصل السنة الماضية إلى 150000 ل.س ويمكن أن يكون هذا العام أعلى، طبعاً بدعم من وزير الثقافة مشكوراً.

يجب التوضيح هنا، بأن وزارة الثقافة في سوريا هي من الدول القليلة جداً التي تقتني أعمال لفنانين، الدولة بشكل عام تقتني لفنان صاحب تجربة، عمله احترافي للحفاظ على عمله داخل المتحف، بينما اعتمدت وزارة الثقافة في سورية، منذ الستينات وحتى الآن على موضوع الاقتناء كتشجيع للفنان، وبذات الوقت تكون المقتنيات ثروة للبلد يوماً ما، ونحن حالياً بصدد إقامة المتحف الفني الحديث، الذي سيتم عرض هذه الأعمال فيه والمتحف هو بحد ذاته كنز حقيقي للبلد، لأنه يكرّس الثقافة التشكيلية السورية.

ولكن هل هناك ضمن مواد القانون الخاصة بوزارة الثقافة قوانين تسمح للاستثمار مع الخاص؟

يجيب كسحوت بأن هذا الموضوع طُرح كثيراً، ومن غير الممكن أن نقوم ببيع كنز أو إرث ثقافي، تم جمعه واقتناؤه على مدى سنين، من أجل توثيق الثقافة الفنية كهوية وطنية، بل كباقي المتاحف في العالم نستطيع بيع نسخ عن العمل الفني، وليس العمل الأصلي، ومهمة وزارة الثقافة هي التوثيق والحفاظ على الإرث الثقافي لا التجارة فيه.

الفنان سهيل بدور يختلف مع كسحوت في هذه النقطة، فيقول: إذا لم يدخل القطاع الخاص في الفن التشكيلي سيبقى هذا الفن يحبو كما الدودة أبداً، مضيفاً أنه في أوروبا، البرجوازية الأوروبية هي التي نهضت بالفن.

ويوضح: «مؤخراً أقمنا ملتقى تحت عنوان المحبة والسلام، كان معنا «سبونسرز» من الخارج دفعوا الأموال وأخذوا الأعمال، وعاد المتلقى بالفائدة على كافة الأطراف، وأهمها الفنان الذي انتعش اقتصادياً ولو بمبلغ محدود»، ويتساءل: لماذا لا يقرع باب هذه المؤسسات الخاصة أو الشركات الخاصة أو البنوك؟

ويجيب بنفسه: طبعاً هو خمول غير عادي ومتعمّد أحياناً، وكلما تحدثنا معهم يقولون نحن بأزمة، ولكن يقول بدور: لو استنهضت القطاع الخاص سيقف معك.

ويتابع «أنا لا أرى ضيراً في ذلك على الإطلاق، لكن القائمين على الشأن الثقافي لا يريدون ذلك».

هي عملية تكاملية إذاً القطاع العام يملك المنتج والقطاع الخاص يملك مهارة التسويق إلا أن المشكلة تكمن في أسلوب التفكير.

يشير جورج كامل إلى مقترح قدّمه لوزارة الثقافة بقوله: اقترحت سابقاً أن هناك مقتنيات لوزارة الثقافة تساوي ملايين الدولارات، فلدى الدولة أعمال من السبعينيات وإذا باعت 10% من هذه الأعمال، وصرفت من 2018 لـ 2019، وبالتتالي لبقية الأعمال، ستتمكن بذات الوقت من جمع أعمال جديدة، وتوفير مبالغ بسعر 5 أعمال تقريباً تعيل ألف فنان.

ويوضح: كلنا نعلم أن هناك فنانين يركضون وراء رغيف الخبز، وليس لديهم داعم لا في القطاع الخاص ولا العام، وبعضهم من دون وظيفة يعملون بها، لذلك لا أرى مانعاً من الاستثمار مع القطاع الخاص للترويج والتسويق، وبذات الوقت مساهمة فعالة بنشر رسالة ثقافية للخارج.

في النهاية لا يختلف العمل الفني عن المقطوعة الموسيقية أو الفيلم السينمائي، فكما للموسيقى والسينما مهرجانات عالمية لحصد الجوائز، هناك أيضاً للفن التشكيلي بازارات ومتاحف، ومن الجميل أن تزين بأعمال فنية سورية حتى تبقى البصمة السورية في كل مكان ثقافي، يعكس حقيقة الثقافة السورية الشاهدة على إرث حضاري عمره آلاف السنوات، وخصوصاً في زمن الأزمات التي تبعد الآخر عن حقيقتنا، وتمكّن الطامع من اللعب بهويتنا خارجاً وتشويهها بهدف الوصول لغاياته. كما أن تغيير طريقة التفكير ستصحح واقع الفنان التشكيلي، وبالتالي ستصوب الثقافة الاجتماعية تجاهه وتجاه فنه وإبداعه.

 


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

Mountain View