رأي – أيهم أسد
تعد التنمية بمفهومها الواسع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والإنساني عملية تاريخية طويلة ومستمرة هدفها النهائي حرية وكرامة الإنسان، وقد نجحت مجتمعات بشرية عدة في إدارة التنمية وتحقيق إنجازات تنموية كبيرة جداً، بينما أخفقت مجتمعات عدة أخرى في تلك العملية ولأسباب معقدة داخلية وخارجية معاً.
تقود التنمية إلى السلام المجتمعي وتقلل من حدة النزاع الاجتماعي وتعزز المواطنة والانتماء وخاصة عندما تشمل جميع المواطنين والمناطق الجغرافية في البلاد ولا تقصي أيا منها من نتائجها، فالتنمية تدمج البشر في منظومة مصالح اقتصادية وثقافية وقيمية بحيث يشعر الجميع أنه جزء من الكل ومن مصلحته الحفاظ على الكل، فالكل يعمل في قطاعات ومهن منتجة ومتطورة، والكل يتقاضى دخلاً يحمي كرامته البشرية، والكل يضمن حماية اجتماعية قوية من الدولة، والكل يطبق قانونا واحدا يحمي حقوقه، والكل يتحمل مسؤولياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
في حين يقود فشل التنمية في مسارها الطويل إلى الحالة المعاكسة تماماً، ففشل التنمية يعني تفكيك الروابط الاقتصادية بين الكل وعدم الشعور بالانتماء والمواطنة وعدم الإحساس بنتائج التنمية بين الأفراد والمناطق الجغرافية، وهذا يعني استمرار تفكك المجتمع ضمنياً وتعمق الانقسامات الطبقية والسياسية، فالعمل غالبه في قطاعات ضعيفة الإنتاجية، والدخل لا يحمي الكرامة الإنسانية، والحماية الاجتماعية غير موجودة، والقانون لا يُطبق على الجميع، والجميع يتهرب من مسؤولياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وعندما تفشل التنمية الوطنية في عمليات الدمج المركبة سينشأ فراغ اجتماعي واقتصادي وسياسي وسيحاول الأفراد ملء ذلك الفراغ بنماذج خاصة قد تكون قانونية أو غير قانونية كالتهريب والاتجار بالممنوعات والعمل الهامشي والرشوة والفساد والتنظيمات العسكرية غير الرسمية والتي لن تنتج إلا مزيداً من التهميش والفقر والتفاوت الطبقي والتوترات السياسية والاجتماعية.
ونتيجة انهيار التنمية بوصفها مشروعا وطنيا ستسود منظومة قيم جديدة تحت وطنية لا تعزز المواطنة والانتماء بل تخلق حالة توتر وعداء مستمرين للدولة بوصفها المسؤول الأول والأخير عن ذلك الانهيار، وسوف تتوسع مساحة رفض الدولة أكثر، وسوف يزيد التنافر الاجتماعي بين الدولة والمواطنين وسوف تتعزز أكثر فأكثر الانتماءات تحت الوطنية كالمناطقية والطائفية والعشائرية.
وبالتالي فإن فشل التنمية التاريخي الطويل لن يقود إلا إلى بناء نزاع اجتماعي يتطور شيئا فشيئا وينضج على مهل لكنه سينفجر حكما عند أول أزمة حقيقية يتعرض لها المجتمع، الأمر الذي يوسع رقعة التفكك ويدخل المجتمع في دوائر نزاع اجتماعي لا نهاية لها إلا بسيادة مشروع تنموي وطني حقيقي.
وأظن أننا اليوم في سوريا دفعنا وندفع، وربما سندفع أيضاً، ثمناً كبيراً على شكل نزاعات اجتماعية لسبب وحيد هو فشل التنمية، ولا حل إلا بإعادة بناء نموذج تنموي وطني يحمي المجتمع من استمرار النزاعات والتفكك.