728 x 90

القبض على عصابة “تتاجر بالبشر” في سورية!

القبض على عصابة “تتاجر بالبشر” في سورية!

غالبا ماتصحب كثرة الحروب و الأزمات الجرائم بمختلف أنواعها، أحد هذه الجرائم هي جريمة الإتجار بالبشر وبخاصة الإتجار بالنساء، البالغات والقاصرات ومنهنّ ضحايا العنف الأسري الذي حل على المجتمعات السورية ولاسيما بعد الأزمة. بداية لم تكن هذه المشكلات واضحة على الملأ وكانت متخفية خوفا من الرقابة ، عدا ذلك كان الاستقرار الذي كانت تعيشه سورية قبل الأزمة يمنع هؤلاء من كشف أوراقهم، ويحد من انتشار الرذيلة لكن لم تعد كذلك بعد مشكلات الفقر التي أخذت تشكل معاناة يعيشها اليوم الشعب السوري، ما دفع به نحو الانغماس في الانحطاط الخلقي والاتجاه نحو الكسب المادي عبر الطرق غير المشروعة كالدعارة والمخدرات وغيرها، من خلال استدراج البشر وإغرائهم بعائدات مادية قد تأمن لهم الراحة بمنظورهم ولاسيما بعد التفكك والانقسام الذي أصاب العائلات السورية بسبب ماحل بهم من تهجير و ما أصاب بيتوهم من دمار. فأصبحت هذه هي “الإيد يلي بتوجع” التي تستطيع من خلالها شبكات الدعارة والمخدرات إمساكهم بها.

خلال السابع عشر من أيلول الماضي استطاعت دورية من مرتب إدارة الأمن الجنائي القبض على “غ” تولد 2002 أثناء عملها بإحدى شبكات الدعارة، وبعدما اعترفت “غ” بأنها تعمل مع شقيقتها المدعوة “ف” تولد 1996 اتضح أن الشقيقتين قامتا بالسفر معا وعملتا بالدعارة عن طريق زواجهما بعقود مزيفة من أشخاص بجنسيات مختلفة مقابل مبالغ مادية لايستهان بها. وكان ذلك كله بإدارة امرأة تدعى “أم محمد” تولد 1975 وبعد التحقيق بدأت تظهر الحقائق حيث اعترفت “أ محمد” بعملها مع شقيقتها “أ.س” بشبكات الدعارة وعملهم هو استمالت البنات القاصرات عن طريق إغرائهن بمبالغ مادية كبيرة ومن ثم تسفيرهم وتزويجهم مقابل مبالغ مادية قد تصل إلى ال10 آلالف دولار، مستغلين بذلك الظروف القاهرة التي تمر بهن القاصرات أمثال “غ” و “ف”.

وبعدها اعترفت المدعوة “ل.س” أنها قامت هي وشقيقتها أم “ع” بتسفير بناتهن “ن،ب،ن،أ” وتزويجهن زواجا مؤقتا بعقود مزيفة مقابل مبالغ مادية كبيرة أيضا. ومن خلال التحقيقات اعترفت أم “ع” الشريكة بالجريمة السابقة بكل شيء.

بعدها تم القبض على المدعو “ي.ع” تولد 1977 والد المدعوتين “غ ، ف” و أقر أنه قام بتسفير ابنتيه اللتين قبض عليهما مؤخرا وتزويجهما من رجال من جنسيات مختلفة وهن مازلن دون السن القانوني. وبعد هذا الجهد الكبير الذي قامت به إدارة مكافحة الإتجار بالأشخاص وبعد ثبوت الأدلة، تم تسليم أوراق الموقوفين الثمانية إلى المحامي لاستكمال بقية التحقيقات ومحاسبتهم.

في الحديث عن تلك التأثيرات السلبية التي خلفتها الحرب والتي أدت إلى تشرد الكثير وتهجيرهم من منازلهم وتلك الحاجة التي وجهت تركيزهم نحو المال بغية تأمين حياة دافئة وسعيا للاكتفاء المادي بغض النظر عن طريقة الوصول إليه، التقت مجلة “الشرطة” بالدكتورة هناء البرقاوي وهي أستاذة في قسم علم الاجتماع من جامعة دمشق، وكان رأي الدكتورة أن الأزمة قد وضعت الأشخاص تحت ظروف قهرية لم يحسب لها حساب نتيجة العمل الإرهابي الذي قام بها المسلحون من تهجير الأشخاص من بيوتهم بعدما كانوا ينعمون بحياة دافئة ومستقرة حصرت هؤلاء في “خانة اليك” وأضحوا في بيوتا مستأجرة يسكنها الصقيع والخوف، بيوتا لاتشبه بيوتهم وحياة لاتشبه الحياة التي اعتادوا عليها ثم غلب عليهم الخوف من طردهم بسبب رفع الأجرة وباتوا يفكرون بحل مادي يحميهم من الطرد ولايضعهم في موقف يضطرون فيه إلى التشرد أو العيش بلا مأوى.

وأوضحت أن هذا التهجير ترك أثره في نفوس أرباب الأسر وأولادهم وجعل همهم الأكبر تأمين قيمة الإيجار الذي لايتناسب مع قيمة البيت المستأجر، الأمر الذي أثر على العلاقات الأسرية و الزوجية وعلاقة الأقارب مع بعضهم بعضا وارتفعت نسبة الانفصالات نتيجة لذلك الخوف والصقيع الذي سيطر على نمط حياتهم. في حين لوحظ كثرة التسرب المدرسي من قبل الأطفال الذين امتنعوا عن الذهاب إلى المدرسة وابتعدوا عنها. هذا الجو التربوي بات يترك أثرا في نفوس الأطفال ويدفعهم نحو سلوكيات غير أخلاقية وغير مقبولة اجتماعيا ولم تعد هنالك رقابة أبوية عليهم. ولاسيما بعد وجود الإنترنت و وسائل الإعلام وماتعرض عليه من زج الأطفال بين المسلحين ومشاركتهم في أعمال العنف والقتل كل ذلك دفع بهم نحو المخدرات و وأوقعهم ضحية الملذات الجنسية مستغلين بذلك نمو هذه الغريزة والتي تكون في أوج مراحلها بداية نموهم وتحتاج إلى رقابة مشددة على سلوكيات الطفل ومراقبته. وأضافت الدكتورة أن انغماس بعضهم نحو المخدرات والملذات الجنسية كان موجودا من قبل لكنه قد ازدادت بعد الأزمة.

وترى البرقاوي ان تراجع الحالة المادية للأسر أدى إلى تفشي حالات الطلاق في المجتمع نتيجة الحرب، لأسباب ظاهرها اقتصادي كالفقر والهروب من المسؤولية وباطنها البحث عن الثراء عن طريق ممارسة السلوكيات غير الأخلاقية. وبسبب ذلك غابت تلك القيم الأخلاقية والتي كانت رادعا للأسر فـأضحت الفتيات القاصرات مصدرا للربح حيث عادت ظاهرة زواج الفتيات “القاصرات” للتفشي بعدما كانت قد قاربت على التلاشي من مجتمعنا وكانت النتيجة هي زج القاصرة في حياة زوجية ليست مؤهلة لها بعد “الطفلة المرأة”.

كما شعرت الدكتورة “برقاوي” بالأسف لتهميش الدراسات الميدانية لموضوع زواج القاصرات والمتاجرة بأجسادهن، وبرأيها أن هذا أبعد الباحث عن المصداقية في عرض الحقائق حول هذا الموضوع، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الدعارة وأَضحت المرأة السلعة الأكثر رواجا وكل هذا يعود إلى الظروف القاهرة التي خلفتها تلك الحرب على سورية مشيرة بذلك إلى وجود شبكات عديدة للإتجار بالمرأة داخل سورية وعبر الحدود.

وكان رد “البرقاوي” حول سؤال كيفية الحد من هذه الجريمة، شددت على ضرورة اتخاذ التدابير القانونية والاجتماعية ومحاسبة كل من يعمل بحجة استغلال ظروف المرأة أو الطفل ومعاقبتهم بما يستحقونه، والحد من المتاجرة بتأجير المنازل عبر إيجاد طريقة تحدد قيمة الإيجار الحقيقية لكل منزل، حيث إن أسعار تأجير المنازل اليوم باتت خيالية ولا تتماشى مع قيمة المنزل الحقيقية، كما تمنت تحسين المستوى المعيشي للمواطن ليس فقط عن طريق زيادة الراتب بل أيضا من خلال معاقبة من يتاجر بالسلع ويرفع قيمتها، ومنع زواج القاصرات ومعاقبة من يحاول استغلالهن جنسيا، داعية بذلك وسائل الإعلام إلى تكثيف الندوات التي تشرح مخاطر وأسباب الإتجار بالبشر وبخاصة النساء والأطفال.


اقرأ أيضا:

ترتيب الجريمة العالمي


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد

آخر المواضيع