728 x 90

مفاوضات جنيف قادمة، ولكل أزمته !!

مفاوضات جنيف قادمة، ولكل أزمته !!

مرحلة التفاوض القادمة تبدو مضطربة، فالوفود ستجد نفسها أمام استحقاق مختلف، وكل جولات جنيف السابقة ستقف عند عتبة تجاوز آلية التفاوض أو حتى نوعية تفكير المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بسير المفاوضات، فالجولة القادمة مهما اختلفنا على توقيتها فإنها قادمة لأنها شرط أساسي حتى للأطراف التي تدعم الحكومة السورية .

 

وهي شرط ذاتي داخل الأزمة تفرضها حركة المعارك التي تنتهي بمصالحات في كثير من الأحيان. الوفود بالجولة القادمة ربما لا تستطيع الخروج سريعا من مأزق “اقتسام السلطة”، وعلى الأخص وفد الهيئة العليا للتفاوض، أو وفد الرياض، الذي يعتمد على القوة الدولية والتصريحات النارية لإرضاء قاعدته داخل العواصم في العالم، والمشكلة الأساسية لهذا الوفد لن تكون بطروحاته بل بشخصياته التي تصدرت المشهد وهي بغالبيتها “منشقة” عن الحكومة السورية، فمع غياب مبدأ اقتسام السلطة سيصعب إيجاد موقع لرياض حجاب أو لرياض نعسان آغا، فهما أساسا موقفهما على أساس “الاقتسام” في وقت يلوح فيه مفهوم “الشراكة” أكثر من أي وقت مضى.

وفد الهيئة العليا للتفاوض تمت هيكلته بشكل يتناسب مع اختراق الحكومة السورية بعناصر كانت تربطها معها علاقة بنيوية إن صح التعبير، وأما باقي أعضاء الوفد فهم للتجميل فقط سواء كانوا من هيئة التنسيق أم حتى ممثلين عن “جيش الإسلام”، فقوة الوفد تجلت أساسا بالعناصر المنشقة عن الحكومة .

ولم يكن هناك رأي حقيقي خلال الجولتين الأخيريتين سوى لرئيس الوفد الذي كان يختصر الجميع وينسحب من التفاوض لأنه يرفض حتى اقتسام السلطة ويرى نفسه رئيس وزراء “قيد التنفيذ”. بالنسبة للوفد الحكومي فإن الجولة القادمة ستبدو مريحة من جانب “تثبيت الشرعية”

فالانتصار الأساسي ليس فقط بالعمل العسكري بل بالقدرة على التماسك طوال خمس سنوات من الحرب، لكن الجانب المقلق أن التفاوض سينتقل للبند الثاني من الأولويات بعد محاربة الإرهاب، فانكسار المجموعات المسلحة سيضع أمام وفد دمشق طرح تصوراتها بشأن الشراكة السياسية، وهي مع ما تملكه من حلفاء داخليين، أي من قلب المعارضة، لكنها في أي تفاوض قادم ستجد نفسها ضمن تحدي توسيع سيادتها وشرعيتها لتضم العملية السياسية ككل، فحلفاؤها من المعارضة في محاربة الإرهاب والحفاظ على الدولة سيصبحون طرفا مستقلا يحتاج لرابط شراكة سياسية حقيقية. جاهدت الحكومة خلال السنوات الماضية على دفع العديد من الأحزاب المرخصة إلى الواجهة السياسية، وحاولت أيضا إبراز صورة المعارضة الداخلية في وجه الشكل النمطي الذي كان يتطور في الخارج، ولكن السؤال: إلى أي مدى استطاعت بلورة قوى سياسية قدرة على الدخول في تفاوض لخلق شراكة سياسية، والإجابة عن هذا السؤال ستتضح في جولة التفاوض القادمة عندما ستكون الحكومة في طرف والطيف المعارض بأكمله على الضفة الأخرى من العملية التفاوضية.

الجانب الآخر من صعوبات المرحلة القادمة ستظهر في منصتي القاهرة وموسكو، فهما منصتان تعملان على “الانتقال السياسي” بعكس وفد الرياض الذي يحمل مفهوم “الانقلاب السياسي”، ولكن المشكلة في منصة القاهرة على سبيل المثال أن مثلت هامشا سياسيا في ذروة تطرف باقي الكتل التابعة لتوجهات إقليمية ودولية، فهذه المنصة كانت عمليا نقطة لفض الاشتباك بين طروحات “الائتلاف”

وما تتمسك به الحكومة السورية، وكان واضحا من الأوراق التي قدمتها أنها سعت لاستيعاب الجانب المتطرف من المعارضة من خلال حلول تقوم على دمج المسلحين أو قيام مجلس عسكري أو غيرها من الآليات، والواضح اليوم أن المزاج الدولي ذاهب نحو تصفية المسلحين بالكامل، ما يعني أن نقطة ارتكازها الأساسية انتهت .

كما انها الشخصتان الأساسيتان فيها: جهاد مقدسي وجمال سليمان هما أيضا جزء من المنظومة السابقة للسلطة السورية، وهذا الأمر سيخلق حالة اضطراب داخل هذه المنصة التي فقدت دورها مع اختلاط الأوراق الحالية. منصة موسكو والاستانة تعاملت مع الشراكة لأنها تعبر عن حالة مختلطة لمعارضة غير محسوبة على السلطة ولكنها في نفس الوقت حليفة لروسيا  .

وهذا الأمر سيظهر خلال التفاوض ضمن جانب أساسي في قدرتها على التجاوب مع باقي الطيف المعارض، فمهمتها ستتبدل على ما يبدو وستتحول إلى شكل مرن يستطيع على الأقل ضم معارضة الداخل واكسابها هوية جديد، في وقت تواجه فيه إثبات هويتها المستقلة عن موسكو بالدرجة الأولى. الجولة التفاوضية القادمة هي الأصعب لأنها سترسم طبيعة الشراكة داخل كافة الأطراف، فأولوية محاربة الإرهاب تتحقق وهي في مرحلة حاسمة لتبرز مرحلة جديدة لن يحلها سوى الواقعية السياسية بالتفاوض، وربما الاعتماد على نخبة سياسية تخترق مشهد المعارضة الحالية بكل أزماتها ومآزقها .

 

 


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد

آخر المواضيع