728 x 90

الأستانة.. اللعب بالتوازنات

الأستانة.. اللعب بالتوازنات

تعرف موسكو أن الأزمة السورية لا يمكن قياسها بتسلسل الأحداث، فالدخول إلى الأستانة بـ”شرط تركي” هو تحول ضمن سياق وليس مجرد تحالفات مستجدة، وما يثيره الإعلام من أزمة في العلاقات مع إيران نتيجة خروج المسلحين من حلب أو الهدنة الموقعة بإشراف روسي – تركي، أو حتى مسألة لقاء الأستانة هو أمر يتعلق بترتيب العلاقات أكثر من كونه صداما حقيقيا للمصالح، فالاتصالات المتسارعة بين دمشق وطهران تعكس بالدرجة الأولى ترتيبا لمستوى التفاوض، ولحدود الدور التركي فيما لو تم التوصل إلى اتفاق مع الفصائل المسلحة.

بالنسبة لروسيا فهي لا تبدي قلقا واضحا من إمكانية فشل التوصل إلى هدنة دائمة في سورية بعد الأستانة، فما تريده تحقق بشكل أو بآخر عبر منح تركية دورا مطلقا في الوصاية على المجموعات المسلحة؛ وهي بذلك فككت التحالف الذي كان يسبب الاضطراب، واستطاعت إبعاد السعودية وقطر عن دائرة التأثير القوي في مجري التفاوض، وهذه الوضعية الإقليمية تبدو أبعد من مؤتمر الأستانة لأنها تشمل الاستمرار في ترتيب المنطقة بشكل مختلف وتشكيل علاقات بين المحورين الأقوى: إيران وتركيا، في وقت تريد أنقرة “هيكلة” دورها الإقليمي من جديد عبر ترتيبات الأستانة، فقضيتها اليوم تنحصر في إثبات “جدارة” دورها السياسي بضبط العنف، وبإزاحة التأثيرات الجانبية لبعض الدول الإقليمية.

عمليا فإن اللقاءات التي ستستضيفها عاصمة كازخستان ستمثل نقطتين أساسيتين: الأولى هي نوعية التعاون الروسي – التركي، وهو تعاون غير مسبوق على الأقل منذ بداية القرن العشرين، وسيؤدي لاحقا إلى التأثير على مجمل العلاقات الإقليمية، بينما تبدو النقطة الثانية أكثر عمقا بالنسبة لموسكو لأنها تتعلق بدائرة أوسع في تأسيس النظام الدولي، فضمان استقرار شرقي المتوسط كان ضمن دائرة الاهتمام الأمريكي المطلقة، وأصبح اليوم مجالا لاستراتيجية روسيا مع وجود قواتها في سورية، ففي الأستانة هناك لقاء من المفترض أن يكون بين السوريين، ولكنه في المقابل يضع العالم أمام قدرة موسكو على التحكم بما عجزت عنه إدارة أوباما، فهي عبر هذا المؤتمر تخلق عملية فصل واقعية ما بين “الإرهاب” والفصائل المعتدلة.

كل الترتيبات الروسية تؤشر إلى أن الساحة السورية هي مجال لتعميم النموذج الروسي في إدارة الملفات الدولية؛ الأمر الذي يثير قلقا واضحا بالنسبة لدول الإقليم التي تواجه حقيقة عدم القدرة على التحكم بالصراعات، ابتداء من اليمن ومرورا بالبحرين ووصولا إلى سورية، وفي الأستانة طاولة تفاوض جديدة كليا لأنها تدخل إلى مساحة عنف دون اللجوء إلى دبلوماسية القفز على التناقضات كما كان يحدث في جنيف، فهي تريد إبجاد ترتيبات وقف العنف وإبعاد الفصائل المسلحة عن الأدوار العبثية التي مارسوها تحت غطاء سعودي أو قطري، وجعلت النصرة وداعش مرجعية تتجاوز كل الاعتبارات وتجعل المنطقة تشتعل دون أفق واضح لمستقبل سورية وشرق المتوسط عموما.

السؤال المعلق اليوم هو عن قدرة بعض دول الإقليم إشعال الجبهات لإفشال لقاء الأستانة، لأن هذا اللقاء إذا انعقد فيجب أن ينجح ولو بشكل جزئي لتثبيت قواعد لحل الأزمة السورية تعيد تركيا إلى موقعها في معادلة التوازن القادمة، وفي المقابل فإن موسكو ستجد أمامها مساحة عسكرية مغلقة وعليها تحويلها لمساحة سياسية مفتوحة، فما سيتم طرحة ليس مستقبل الفصائل المسلحة بل إعادة انتاجها كي تساعد في الاستقرار، وهي مهمة لا تبدو مستحيلة طالما أن باقي الأدوار الإقليمية تم تحديدها أو تحجيمها، وبالتأكيد فإن الوصول الى الأستانة هو أمر صعب لأنه في النهاية وصول إلى النقطة التي يمكن عبرها صياغة معادلة إقليمية تنهي الأدوار الجانبية الممثلة بالمجموعات المسلحة، وتضع هذه الفصائل أمام استحقاق وضع برامج غير عسكرية لتصبح جزءا من التكوين السياسي، وهذه المهمة ستحدد تكوينها مختلفا للعلاقات في المنطقة التي تفجرت نتيجة رغبة الجميع في اللعب بالورقة السورية.


مقالات ذات صلة :

مفاوضات جنيف قادمة، ولكل أزمته !!

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد