728 x 90

“جاكيت” من جلد الخنزير

“جاكيت” من جلد الخنزير

في زيارة إلى إحدى الدول الأوربية كنت أنتظر دوري لأشتري بطاقة لركوب المترو , و لجهلي بلغة ذلك البلد اضطررت أن أسأل أحدا يتقن اللغة الانكليزية عن ثمن البطاقة حتى لا أقف كثيرا و أبدد وقت من يقف خلفي وينتظر دوره, بحثت بين الوجوه شاهدت فتاتين, ورجلا ملامحه أفريقية, وأخر يضع حلقا في حاجبه, هناك شخص يقف خلفي تماما ملامحه شرق أوسطية, استدرت وسألته بلطف عن ما يتوجب أن ادفعه لشراء البطاقة, جاوبني مع ابتسامة, لكنه لم يتوقف عند ذلك بل سألني من أين أكون؟ جاوبته بفخر أني من سورية, مد يده ليصافحني مع ابتسامة عريضة ارتسمت على وجهه قائلا بالعربية: ” أهلا صديق” صافحته كما هو مفروض, أكمل ترحيبه ويدي بيده :” أنا من إسرائيل”.

هاشتاغ سيريا _ خاص

بأقل من لمح البصر سحبت يدي من يده, شعرت بقشعريرة تسري في جسدي, لقد ارتكبت جريمة لا تغتفر, ثواني قليلة جعلتني أستعرض وطني وفلسطين, استدرت بخوف وأنا أنظر إلى كف يدي, لوهلة انتظرت أن يعتقلني رجل مخابرات بتهمة التطبيع, بدأت عيناي تفتش المكان عن رجل أمن أو دبلوماسي سوري لأعتذر وأؤكد أني لو أعرف أنه صهيوني لم أكن لأسأله أو أصافحه,أو حتى أقف في الشارع ذاته, لكنها المصادفة السيئة جدا وحظي السيء وضعاني بهذا الموقف.

اليوم وفي السنة السادسة من الحرب التي قادتها تركيا ضد الشعب السوري, وبعد أن فككت الدولة العثمانية المعامل السورية وسرقتها, نشاهد البضاعة التركية تنتشر في السوق السورية, وتنافس الصناعة المحلية, بعض التجار السوريين يخفض صوته ويخبرك على استحياء أن هذه البضاعة تركية, ومنهم من يقدمها إليك متبجحا وكأنه يفخر بوجودها على رفوف متجره.

لكن كيف دخلت وتدخل هذه البضاعة إلى السوق السورية بدءا بقطعة الشوكولا وانتهاء بالأقمشة والملابس؟! الجهات الحكومية تؤكد على عدم منح رخص استيراد, ولا يوجد إلا “التهريب” الذي يقتضي بمرور البضاعة المهربة على حواجز مناطق سيطرت عليها العصابات الإرهابية, ومن ثم تنتقل إلى حواجز تتبع للجمارك السورية والنقاط الأمنية المنتشرة.

هذا يؤكد أن المهربين يدفعون لكل الحواجز التي تصادف طريقهم بما فيهم العصابات المسلحة وهو أحد مصادر تمويل العصابات فمقابل كل قطعة شوكولا نتلذذ بها هناك طلقة ستتلذذ بنا, تماما كما درجت في تسعينيات القرن الماضي مقولة: “مقابل كل سيجارة مالبورو تدخنها يقتل طفل فلسطيني” الموضوع لا يتوقف على ما يتم دفعه على حواجز الإرهابيين ولا على الغباء في دعم الاقتصاد التركي مقابل محاربة الاقتصاد السوري..

ما يحز في النفوس أن بعض الباعة يتفاخرون وهم يبيعون البضائع التركية, وفي الوقت ذاته يعلنون ولاءهم وحبهم للوطن لاعنينا تركيا و متعوذين من داعش, غير المستهلك الذي يشتريها وهو يعرف منشأها مع أن هذه الحرب القذرة لم تترك عائلة سورية إلا وسرقت منها عزيزا.

هل هي حالة فصام واضطراب نفسي أصابتنا على سلوكنا الاجتماعي حتى بتنا نعجز عن تمييز الواقع, أو أصبنا باضطراب فكري وانعدام في الإرادة , بحيث لم يعد يعنينا المشاركة الاجتماعية ولا حتى التضامن الإنساني مع من تضرر وأصابته القذارة التركية طيلة الفترة الماضية, ربما هناك أياد خفية تتلاعب بنا ونحن مجرد أفواه تأكل من دون أن تميز ما تستهلكه, لو كان الشعب السوري اعتاد طيلة حياته على المنتج التركي كنا استطعنا تبرير هذه التصرفات لكن كل ما يأتي من السلطنة مواد تندرج تحت الرفاهية الاستهلاكية.

من الطبيعي أن نشعر بالبرد ونحتاج للدفء لكن لا أعتقد أننا نستطيع ارتداء سترة من جلد الخنزير ونحن نتبرأ من لحمه, والمصيبة أن علة ” الشيزوفرينيا” تظهر تدريجيا لكنها تستمر فترة طويلة.


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد