728 x 90

“غوايات الحنين” تضع توقيعها على شاهدة قبر.

“غوايات الحنين” تضع توقيعها على شاهدة قبر.

جرت العادة أن يحتفي الشاعر بمجموعته الشعرية الأولى ويضع توقيعه أثناء حفل يضم الأصدقاء والمهتمين, لكن لم نعتد أن تحتفي الكلمات والقصائد بناظمها الغائب, وتضع حروف الإهداء بصمتها على شاهدة قبر كشاهد على ولادة شاعر بعد رحيله عن الحياة بست سنوات.

هاشتاغ سيريا ــ خاص :

مجموعة “غوايات الحنين” الصادرة حديثا 28/6/2017 للشاعر الراحل محمد أحمد العجيل المولود في الحسكة عام 1972كانت علامة فارقة بين الكتب الصادرة في سورية أثناء فترة الحرب, فما يميزها أنها قصائد وحكايات شعرية عاشت مخاضا طويلا بسبب الفقر ولم تأت إلى الحياة إلا بعملية طباعة قيصرية قام بها جراح الفن التشكيلي الذي رفض التصريح عن اسمه وقام بوصل حبل السرة بين الغياب والحضور, فحسب وجهة نظره:” أن الكتاب الشعري بما يحويه من قصائد يستحق أن يعيش وان عجز صاحب القصائد العجيل عن طباعتها لسبب ما, فهذا لا ينفي حقه و حق الجمهور المهتم بالفنون والشعر الاطلاع على هذه التجربة, لكن السبب الرئيسي هو الوفاء للصداقة.” الأمر الذي افتقدناه منذ عقود, فقد اعتدنا على ظاهرة التعفيش الأدبي وسرقة قصائد ونسج روايات من قصص وحكايات كتاب وشعراء آخرين, فكيف الحال لو عثر على مخطوط الكتاب واحد من أدباء الحداثة ولصوص السرقات الأدبية, بالتأكيد كنا شهدنا ولادة شاعر مزور جديد.

يفتتح الشاعر كتابه بإهداء للقارئ عبر تناص فيه اقتباس للشاعر بدر شاكر السياب “لا تحزني/ فأنت لي/ مدينة لا تشبه المدن/ التي اغتالت وجوه قاطنيها.” ليكمل :”وأنا / يا بعض رفاقي الذين لم يسقطوا بعد/ ارفعوا وجهي عن جسد الأرض المتسخ”. يليها مقدمة بعنوان فرعي “لعنة الوحل” يشير فيها الشاعر إلى أنها شبه مقدمة, يخبرنا بها أنه أخر الواصلين إلى حيث الفجيعة وكأنه استشراف لما حدث بعد وفاته عام 2011, ثم يقدم رأيا خاصا بالكتابة من وجهة نظره:” الكتابة فعل جنون, فعل احتجاج, بل ربما هو تنظيم نطق ذلك الطفل, وربما هو حالة سكر تحت جنح اغترابنا, الكتابة تشبه الذبح بسكين لم تشحذ بشكل جيد” كما أخبرنا أن حروفه ملعونة ولا يمكن أن يقرأها إلا من أوتي بريح الوجع المزمن وكأنه يقصد المهتمين بلعنة الشعر ومن تغويه الحروف, في النهاية قدم الشاعر اعتذارا  من كل الشخوص الذين كتبهم في نصوصه لأمه التي أرضعته التراب الممزوج بالحليب وفطمته على الفلفل, ووالده الذي حرث الريح, ورفاقه الذين لن يموتوا غدا.

يقع الكتاب في 111 صفحة من القطع الوسط ويضم واحدا وعشرين قصيدة بينهم قصائد مكتوبة بشكل نثري كقصيدة “اعترافات من أوراق قبل وصولها إلى تنور أمي البدوية” والتي جاء فيها :” في هذا الصمت الأبدي وأنت تقرأ أوجاعي امسح جبين الفقر وأعطني حذاءك وشخوص قصصك لأركض خلف طفولتي الهاربة.”
إشارات الصدق كانت واضحة في القصائد, لكن غلب عليها طابعي الحزن والشكوى وكأن الشاعر لم يجد متنفسا للتعبير عن الحزن الذي صاحبه إلا بالشعر, قسوة الحياة فجرت الإبداع فالقصائد متخمة بعبارات “المنفى, يباس, عماء, سجينا, حزينا,حنين, موت, قبر, جثث” حتى عناوين القصائد والعناوين الفرعية لم تقترب من الفرح أو تكون حيادية “كيف مات الكرز. جسد.., وجع.., نبيذ. وطن بلا نافذة. نزيف في خاصرة الصحيفة اليومية”. وفي قصيدة “(علي) حذاء علي /يوم العيد/ كان قلبي/ وأجهزة أخرى.” بينما في قصيدة “دعوة” كانت دعوة صريحة لمأدبة حزن “فلتأت/ إلى أي مكان/ لنبكي معا..”.
أيضا الشكوى والتعب كانتا سمة من سمات المجموعة الشعرية, ففي قصيدة “مساجلة المأزق الإنساني- اليوم/ رغم انفتاح/ الأمكنة/ ما زلت سجينا/حزينا/ بذيئا” وفي قصيدة “إنسان- أنا/ بغل /أجر/ الجهات/ ولا أدري.” وفي قصيدة “غياب –نحن منسيون/لم نكن/ موجودين/ في التفقد الصباحي..!!”
يذكر أن الشاعر كتب الشعر والمقالة الصحفية والقصة القصيرة, وحائز على عدة جوائز منها الجائزة الأولى في مسابقة القصة القصيرة لعام 2008 في دمشق, وجائزة مهرجان الخابور 2006, 2007, 2008, وجائزة مهرجان هلال الشعر العربي بالقامشلي 2008, كما حاز على جائزة العجيلي عن قصته “امرأة البازلت” عام 2009, وله مجموعة قصصية بعنوان “أجسادنا تقتلنا” لم تصدر بعد.
لؤي سلمان


مقالة ذات صلة:

قاتل بن لادن .. يسرد التفاصيل في كتاب كامل !


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد