728 x 90

الآلات المستعملة لاتصنع المعجزة الاقتصادية

الآلات المستعملة لاتصنع المعجزة الاقتصادية

يتلهف رجال أعمال لاستيراد آلات صناعية مستعملة، بمباركة حكومية، تتلطى وراء الاستجابة لمقترحات بعض غرف الصناعة. فيما الاتجاه الفكري، يؤكد أن بناء اقتصاد سورية عقب الحرب، يحتاج إلى معجزة، لن تنفعها الآلات المستعملة، التي ستتحول سريعاً إلى “سكراب”.

القضية ليست وجهات نظر، بل فتش عن المستفيدين دائماً. إذ قدم المقترح رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها سامر الدبس، ويدافع عنه رئيس اتحاد المصدرين محمد السواح وهو صناعي بالأساس، فيما صناعيو حلب لهم موقف أخر.

يرى مؤيدو استيراد الآلات المستعملة، أنهم أدرى بمصلحتهم، وأنهم ليسوا بحاجة إلى وصاية أحد على أموالهم، وطرق استثمارها. هذا كلام حق، ينضح باطلاً. فلا أحد يتدخل مع صناعي يريد استثمار أمواله، لكن من حق الجميع الاشتراط، أن يكون هذا الاستثمار مفيداً للمجتمع، وليس عدواً للبيئة.

التناقض الذي نلمسه، يتمثل بارتفاع أصوات الصناعيين، المطالبين باتخاذ قرارات تهدف لدعم الصناعة المحلية وحمايتها، مقابل استسهال في استيراد وسائل انتاج، يريد العالم التخلص منها.

ما الذي يحفز إذاً للدفاع عن استيراد آلات صناعية إنتاجيتها منخفضة، وتغيب عن حلقات إنتاجها التقانة العلمية، مقارنة بالحديثة؟ رب قائل إنها لعبة القطع الأجنبي، والاستفادة من تمويل مواد ووسائل الإنتاج. ويجب الانتباه لايحق للجميع الاستيراد، وثمة تجربة سابقة في الشأن، من الضروري تذكرها.

جزء من مشكلة مصانع سورية أنها قديمة، ومصابة بداء الصيانة الدائم، وعنصر الاهتلاك فيها كبير جداً، وإنتاجيتها منخفضة، وتنافسيتها شبه معدومة. وهذا حال الآلات المستعملة كلها، ولن نتحدث عن مشكلة بيئية حادة هنا، إذ تبدو هذه القضية لدى البعض ترفاً زائداً عن اللزوم. لكن لنتذكر ماذا فعل معمل عدرا للأسمنت بالمنطقة المحيطة به؟ والكارثة البيئية لمعمل الأسمدة في قطينة؟

خسرنا أكثر من مرة معركة التنافسية في عقر دارنا، للأسباب آنفة الذكر. إذ تهدد الكلف الزائدة مصانعنا بالتوقف، وتحرم منتجاتنا من فرص التصدير. وتمكنت الحماية السائدة لغاية مطلع الألفية، من المحافظة على صناعة محلية خارج سياق التطور، واستنفد الصناعيون كل الفرص لتطوير صناعتهم بما يليق بها. وعند أول اتفاق اقتصادي ـ منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، التي دخلت حيز التنفيذ 2005 ـ كادت أن تسقط صناعتنا. وتلقت الصدمة الثانية، بعد رفع أسعار الطاقة 2008. فيما تكفلت اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، بإغلاق مصانع وورش كثيرة، ولاسيما ذات التخصص الغذائي.

تستند الصناعة المحلية إلى عناصر قوة، كالأجور المنخفضة، والتهرب من الضرائب، والحماية، ما جعلها صناعة مريضة. وهذه العوامل لاتؤخذ بالحسبان، في حال الرغبة بتأسيس صناعة محلية متطورة، وتنافسية، وخالية من العيوب. والأن ثمة فرصة مهمة، تتعلق بسعر الصرف الذي بات عاملاً مساعداً للتصدير، وكان هذا مطلباً سابقاً للمصدرين، يهمسون به في أذن الحكومات، التي تخوفت منه كثيراً، لصعوبة بالغة في إدارة العملية.
ثمة صناعيون طلقوا العمل الإنتاجي، ويعرضون آلاتهم ومصانعهم للبيع، ويمكن أن تسد هذه الآلات النقص الموجود. لكن إذا أردنا الحقيقة، فإن سورية ليست بحاجة الى آلات مستعملة، ويكفي اقتصادها تجريباً. والقضية ليست حرية شخصية بأن نريد آلات مستعملة، أم لا؟ أو نطالب بحماية مباشرة، أو بتقديم دفاتر وبيانات خاسرة، للتهرب من الضرائب، وعدم تسجيل العمالة بالتأمينات الاجتماعية؟ المعركة لم تعد هنا.
اقتصاد سورية الجديد، الذي من المتوقع أن يُبنى بشكل صحيح، يحتاج إلى معجزة، وربما ينجح السوريون في ذلك، لكن ليس من خلال الآلات المستعملة، والمشاريع الخلبية، والأفكار العادية. شروط نجاح المعجزة تختلف كلياً، وهي متوافرة، وتنتظر شارة البدء.


مقالة ذات صلة : 

استيراد الآلات المستعملة يثير زوبعة بين الصناعيين


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد