728 x 90

خسارة الحرب الأثقل.. المهـرة وأصحاب المهن «فلّوا» !

خسارة الحرب الأثقل.. المهـرة وأصحاب المهن «فلّوا» !

طيلة السنوات السابقة، كان التركيز في تناول تأثيرات ظاهرة هجرة ولجوء السوريين يتجه نحو الانعكاسات السلبية لخروج آلاف الكوادر البشرية من أصحاب الشهادات الجامعية، ولاسيما ذات الاختصاصات العلمية.

بالمقابل نادراً ما كانت تتم الإشارة إلى الاستنزاف الأخطر والمتعلق بالخبرات الفنية وأصحاب المهارات، التي تحتاج البلاد إلى سنوات طويلة لتعويضهم، في حين يرى كثير من المتخصصين أن البلاد قادرة وخلال بضع سنوات على تعويض النقص الحاصل في الشهادات العلمية.

نقص.. لانقص!

ليس هناك إحصائيات رسمية أو حتى نقابية يمكن الاستناد عليها لرسم ملامح الخسارة التي تكبدتها سورية جراء هجرة الكفاءات والخبرات الفنية والمهنية، فقد اعتذرت جميع الجهات التي حاولت “الأيام” التواصل معها للحصول على مؤشرات تقديرات حول عدد الكفاءات التي خرجت من البلاد خلال سنوات الحرب، هذا مع اتفاق الجميع على خطورة الظاهرة وتأثيراتها السلبية.

فقد أكد عضو المكتب التنفيذي في الاتحاد العام لنقابات العمال عمر حورية أنه “يوجد كم هائل من الهجرة لليد العاملة خارج البلاد، ما انعكس على الحالة الفنية للمصانع والمنشآت”، موضحاً “أن هناك إحصائيات تبرهن وجود النقص في اليد المهنية”، ولكن بعد عدة زيارات متكررة لمحرر “الأيام” لأكثر من أسبوع، فلم يتمكن من الحصول على أي وثيقة بهذا الخصوص.

وأوضح حورية  أن “الفئات التي هاجرت خارج البلاد متنوعة، حيث هناك فنيون خريجو جامعات ومعاهد وهناك فنيون أصحاب خبرة”، لافتاً إلى أن “مغادرتهم خارج البلاد سوف تترك فراغاً كبيراً إذا لم توفير البدائل”.

وهذا ما ذهبت إليه بعض التقارير والدراسات المنشورة، والتي قالت إن سورية فقدت 80 % من حرفها اليدوية، وهو ما يُعَدّ الأخطر بين الخسائر، لأن ترميم اليد العاملة الحرفية يحتاج إلى وقت طويل، إلّا أن نائب رئيس اتحاد الجمعيات الحرفية أحمد صالح نفى ما يشاع حول وجود نقص في اليد الحرفية، مشيراً إلى أنه “لا يمكن تحديد نسبة الحرفيين المهاجرين خارج البلاد نظراً لوجود مناطق ساخنة لا أحد يعلم من بقي بداخلها ومن ذهب”.

مضيفاً هذا لانعتبره نقصاً بالمعنى المجازي وإنما هو تشتت للقوى العمالة الحرفية نتيجة الحرب على سورية، فمعظم الحرفيين يمارسون أعمالاً أخرى داخل البلاد وبعضهم هاجر إلى الخارج إلّا أنهم سوف يعودون عند عودة الأمن والأمان إلى مناطقهم على حد تعبيره”.

وكشف صالح أن “عدد الحرفيين في سورية يتجاوز الـ600 ألف حرفي، منهم 150 ألف حرفي منتسبون للتنظيم الحرفي، إلّا أن التواصل معهم صعب وخاصة مع الأعضاء الموجودين في المناطق ساخنة”، موضحاً أن “الانتساب للتنظيم الحرفي قرار اختياري، فإذا كان الحرفي يرى مصلحة في الانتساب سوف ينتسب، فالانتساب سابقاً كان هدفه الحصول على وثيقة للقروض إلّا أنها توقفت خلال الحرب”، وتابع قائلاً: “هناك بعض الحرفيين تضررت منشآتهم بسبب الحرب وهؤلاء بحاجة إلى مساعدة ليعيدوا بناء منشآتهم من جديد”.

خلل في التوزيع!

يذهب مدير المرصد العمالي في الاتحاد العام لنقابات العمال الدكتور عقبة الرضا إلى أبعد من مجرد الاعتراف بوجود مشكلة وخطر في هذا النوع من الهجرة واللجوء، فيقول: “هجرة اليد العاملة المهنية والحرفية تشكل خطراً، ويجب أن نعرف ما هي الأطراف ذات العلاقة التي يمكن أن تدرس أسباب النقص في هذه الفئة وتعمل مع بعضها على معالجتها، وفي حال التدريب على هذه المهن، هل سيكون له مكان في سوق العمل؟”.

وبين رضا أنه “يوجد نقص لا بأس به للعاملين إضافة إلى خلل في توزيعهم.

فمثلاً عند خروج العمال من شركة إنتاجية في منطقة ساخنة غالباً ما يتم تحديد عملهم في منطقة أخرى من دون تحديد جهة العمل مماثلة للتي كانوا يعملون بها”، قائلاً: “إن نقص اليد العملة في القطاع الحكومي حملت أعباء إضافية للعمال الباقين من دون تعويضهم لقاء الجهود الزائدة التي يبذلونها”.

ودعا الرضا إلى “ضرورة المرونة في التفكير من خلال معرفة كيفية تحسين دخل هذه الفئات ضمن قوانين وأنظمة جديدة حتى يصبح لدينا بديلاً للفئة التي خرجت من هذه المهنة أو الحرفة”.

مخرجات التعليم.. مشكلة !

مشكلة النقص الحاصلة في اليد المهنية لها عدة أسباب منها الحرب والأجور المتدنية ومخرجات التعليم، ويكشف عمر حورية، أن السبب الأول لنقص اليد العاملة هو الخوف والهجرة نتيجة الاعتداءات الارهابية، أما السبب الثاني فهو الأجور المتدنية أمام ارتفاع الأسعار.

وقال عضو المكتب التنفيذي في اتحاد العمال: “نحن اليوم نعاني من مشكلة مخرجات التعليم لدينا، فالنسبة الكبرى لخرجي الجامعات من الفروع الأدبية مثل الأدب الإنكليزي أو العربي أو من الفروع العلمية مثل الطب والهندسة في حين تكون مخرجات التعليم المهني قليلة وغير متوافقة مع متطلبات سوق العمل أي إنها أقل من المستوى المطلوب إضافة إلى أن صاحب الخبرة يكون له تأثير أكبر على مستوى العمل، فمثلاً الفني صاحب الخبرة في الغزل والنسيج يتمكن خلال دقائق من تصليح عطل ما في الماكينات، بينما يحتاج المتعلم الجديد إلى وقت كبير للحصول على هذه الخبرة”.

وبين عمر حورية أن “العتب في المخرجات التعليمية يكون على السياسة التعليمية وليس على أشخاص معينين، فاليوم يوجد العديد من الخرجين من مختلف الفروع والبلد بحاجة لهم ولكن بالمقابل يوجد الآن تراجع بالمؤشرات الاقتصادية نتيجة الحرب، لذلك يجب أن تتوافق المخرجات التعليمية مع متطلبات سوق العمل ومن المهم أن يتدخل التعليم والصناعة والشؤون الاجتماعية والعمل”.

من جانبه نائب رئيس اتحاد الجمعيات الحرفية يؤكد أن “الحرب الراهنة جعلت بعض الحرفيين في المناطق الساخنة يبتعدون عن مهنهم بعد انتقالهم إلى مناطق آمنة” مضيفاً: “العديد من الحرفيين توقفوا عن العمل مناطقهم نتيجة للاعتداءات الإرهابية ومنهم بسبب الحصار الاقتصادي، وبالتالي عدم توفر المواد الأولية وعدم القدرة على تصليح أو استيراد آلات جديدة”.

وأكد أحمد صالح أنه “مع بداية مرحلة الإعمار ستشهد البلاد عودة للحرفيين وستكون لهم يد فاعلة في الإعمار”، مشيراً إلى أن “معظم الحرفيين الذين ذهبوا للخارج يعملون بأي مهنة كعمال عاديين في حين كان هنا هو سيد نفسه، وبالتالي بمجرد عودة الأمن والأمان سيعود إلى سورية”.
عاملان..!

يحلل مدير المرصد العمالي أسباب المسألة بموضوعية للخروج بمقترحات حل منطقية، إذ يؤكد أن “هجرة الكوادر البشرية من سورية متعلقة بعاملين اثنين، الأول هو الرواتب والأجور بعد انهيار القوى الشرائية للعملة وتدهور سعر الصرف بالنسبة لليرة السورية، حيث إن الكثير من الشباب الحرفيين أصحاب الخبرة توفرت لهم فرص أخرى بأجور جيدة في دول الجوار مثل الأردن ولبنان وغيرها وفي حين بقي مستوى الأجور في البلد وخاصة في القطاع العام متدنياً، وأما العامل الثاني فهو الجندية فلو كان هناك تحديد لسنوات الاحتياط لكان جزء مهم من الشباب بقوا ولم يهاجروا، فالبعض يفكر بأن يذهب إلى الجيش ليخدم أربع سنوات احتياط ويعود بعدها ليمارس عمله بشكل طبيعي”.

وأضاف عقبة الرضا: “أهم شيء بالنسبة للعمالة الحرفيين مثل الحدادين أو النجارين.. إلخ” هو تحقيق أكبر دخل ممكن، ولكن المواطن اليوم لا يتحمل الأجور المرتفعة التي يطلبها الحرفي وبالتالي يجب تحديد أجور الحرفيين لتكون واضحة بالنسبة للمواطن، على أن تتناسب هذه الأجور مع الوضع المعيشي للعامل”.

عقلية المجتمع

لا يمكن أن تحدد نوعية العمل القيمة المجتمعية للفرد، ولكن ما هو الفكر السائد في المجتمع السوري؟

مدير المرصد العمالي أوضح أن “مشكلة النقص في بعض المهن سببه عقلية المجتمع السوري الذي لا يربط التعليم بمهنة، فمنذ دخول الطفل إلى المدرسة مباشرة أهل الطفل يزرعون في أفكاره أن يصبح طبيباً أو محامياً أو غيره، بمعنى أن المجتمع السوري معتاد أن يحصل على القيمة المجتمعية من خلال الشهادة الجامعية التي يحصل عليها الفرد وليس من المهنة التي يعمل بها، وهذا الأمر يتطلب العمل عليه بشكل كبير ويجب أن يكون للحكومة دور في هذا الأمر”.

واقترح الرضا حلاً إسعافياً لهذه المشكلة من خلال إعادة تفعيل ما يسمى بـ”المعهد الملتزم” أي إن من يدخل هذا المعهد تلتزم الحكومة بتعيينه في إحدى الجهات العامة، أي أن يعود الالتزام لمجموعة من المعاهد التي تدرس مهنة معينة غير موجودة أو تعاني من نقص”، مضيفاً: “هذا المقترح إسعافي ويجب وضع رؤية واستراتيجية يبنى عليها تعديل المفهوم المجتمعي والنظرة إلى التعليم فالقيمة المجتمعية بالعمل وليس فقط بالشهادة التي يحصل عليها الفرد.

نائب رئيس اتحاد الجمعيات الحرفية قال: “هناك حرفيون يحملون إجازات جامعية ويعملون في مهنهم إما وراثياً أو حباً بالمهنة، فليس من الضروري أن يصبح كل المجتمع أطباء أو مهندسين فالحرفي له مكانته واحترامه”. وكشف صالح عن وجود أكاديمية للعلوم الحرفية يتم تأسيسها من قبل حزب البعث، حيث سيكون اتحاد الحرفيين معنياً بتأمين الكادر لتأهيل وتدريب حرفيين جديد بنفس المستوى”. موضحاً أن “الاتحاد يتبع أسلوب الحواضن أي احتضان من يرغب بتعلم الحرفة، وهي تجربة بدأت العام الماضي في دمشق وسيتم تعميمها على باقي المحافظات فهي تركز على المهن التراثية ذات الطابع السوري والتي يمكن أن تندثر أو تنقرض في يوم من الأيام”.

الدور الحكومي

وعن الدور الحكومي في علاج مشكلة نقص وتشتت اليد العاملة، أوضح عمر حورية أن “الاتحاد في كل جلسة يناشد الحكومة بهذا الخصوص، لكن البلاد لم تبدأ بالخروج تدريجياً من الحرب إلّا الآن، وهذا الأمر لا يمكن حله خلال يوم أو يومين وإنما يحتاج إلى عمل وتعب كبيرين من اتحاد العمل والحكومة وكل الأطراف المعنية حتى تعود عجلة الإنتاج إلى العمل، التي ستنعكس على القضايا الأخرى أهمها القوى الشرائية للعملة السورية، وبالتالي تحسن الوضع المعيشي للمواطن أو العامل”. في حين رأى عقبة الرضا أنه “لم يلاحظ خطوات حكومية لإحداث مناطق صناعية جديدة إلّا مؤخراً، ففي ذروة الحرب عام 2013 كان هناك مناطق آمنة بإمكان الحكومة أن تفكر آنذاك بعملية “الانزياح الصناعي” أي العمل على الترخيص الإداري في محافظات أخرى حتى وإن كان مؤقتاً لتأمين مناطق صناعية صغيرة للصناعيين”. وقال الرضا: “أي إصلاح سيتم سواء أكان قضائياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو إصلاحاً إدارياً يجب بالمرحلة الأولى إصلاح نظام الرواتب أو الدخل الذي يحققه المواطن السوري، وإلّا سوف نبقى بنفس الدوامة”.

دراسة خاصة: 77 % من اللاجئين شباب

وفق دراسة أعدّها الدكتور عمار يوسف ونشرت في وسائل الإعلام ، فإن نسبة الشباب المهاجر بين 18 – 40 عاماً تقدَّر بنحو 77 % من اللاجئين، بعد وصول عددهم إلى 4.5 ملايين، يتوزعون بين تركيا “2.154 مليون ولبنان “874 ألفاً” والأردن “539 ألفاً” والعراق -تحديداً إقليم كردستان- “231 ألفاً”، بينما بلغ عددهم في أوروبا -خاصة ألمانيا- قرابة 770 ألفاً.

لكن هناك الكثير من الاقتصاديين يشككون بنتائج هذه الدراسة وبياناتها.

17 ألف طالب «مهني»!

حسب الاحصائيات فإنه عام 2015 بلغ عدد الطلاب في الثانوية المهنية 17741 طالباً، حيث وصل عدد طلاب الصناعية إلى 9492 طالباً والنسوية إلى 2411 طالباً في حين بلغ عدد طلاب التجارية 3906 طلاب والزراعية والبيطرية 1932 طالباً.

“جريدة الأيام “


مقالة ذات صلة :

الحكومة متضررة من الحرب أيضاً .. 9 آلاف موظف استشهدوا و3 آلاف خطفوا


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد