728 x 90

فـن تشـكيلي في الشـوارع «الجداريات» مشروعات ملونة تخفف بؤس المدينة

فـن تشـكيلي في الشـوارع «الجداريات» مشروعات ملونة تخفف بؤس المدينة

يمكن رؤيتهم يومياً من التاسعة صباحاً حتى ما بعد الظهيرة، يعملون على جدران مدرسة «دار السلام».

هناك يلتقي الفنانون «صفاء ورجاء وبي، علي محمد سليمان»، ينقلون أكياس الإسمنت، يفرغونها ويخلطونها بالماء، يحضرون ما لديهم من أدوات، قبل أن يبدؤوا تشكيلاتهم الملونة على الرمادي البائس المنتشر في دمشق، خدمة لأهداف كثيرة. إحداها هذه المرة مشروع مشترك بين وزارة التربية ومنظمة الصحة العالمية، يتناول مفاهيم عن الصحة النفسية.

يستفيد مدرسو الفنون من خبرتهم وتجربتهم في التدريس والتعاطي مع الأطفال واليافعين، لذلك تخاطب رسوماتهم الصغار عبر ألوان وأشكال تدعو للفرح، ثم يعلو إيقاع العمل مع تشكيلات أكاديمية للأكبر سناً، من دون أن تغيب عنهم فرصة الاستفادة من الجدران لإيصال رسائل تنمّي الذائقة الفنية والبصرية العامة وتشيع جواً من الألوان والبهجة.

تزامن مشروع الجداريات مع بدء الحرب عام 2011 تحت إشراف الموجه التربوي الفنان «موفق مخول» كمحاولة لزرع الجمال عبر عمل فني، عدا عن أنه -كما تشرح «صفاء وبي» لـ «الأيام»- خروجٌ من الصف المدرسي إلى الناس في الشوارع، للتحاور معهم عبر أعمال فنية خففت التشوهين البصري والمعماري، وخاطبت مختلف الشرائح والأعمار .

كانت البداية مع جدارية مدرسة التجارة «بسام حمشو»، لكنها لم تنل حقها إعلامياً.

ثم انتقل الفريق إلى المركز التربوي للفنون التشكيلية «مركز الفنان الراحل ممتاز البحرة»، وقام بتأسيسه وإعادة هيكلته بدءاً من الأرضية إلى الصالة الأهم فيه حيث استقبلت عدة معارض فنية لوزارتي التربية والثقافة قبل أن تحترق منذ عام تقريباً.

فيما بعد اشتغل الفريق جدارية مدرسة «نهلة زيدان» على أوتوستراد المزة، والتي دخلت موسوعة غينيس، كأكبر لوحة جدارية للفن المعاصر مصنّعة من بقايا المخلفات البيئية.

بدأ العمل عليها عام 2013، وانتهى بعد 9 أشهر، كانت النتيجة عملاً فنياً ممتداً على ارتفاع يصل لنحو 5 أمتار، وبطول 850 متراً.

تؤكد صفاء أن الرقم القياسي لم يكن أمراً مطروحاً لديهم، قبل أن يتواصل مدير المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية مع المعنيين في لندن، فأرسل لهم وثائق وأشرطة عن الجدارية، توضح قياساتها وأبعادها.

كان مفاجئاً بالنسبة لهم أن يأتي هذا الإنجاز الهادف من بلد وصلت أخبار الحرب فيه إلى أنحاء العالم.

في الفترة ذاتها كان الفنانون يسمعون انتقادات تفترض أن ما يقومون به لا يتناسب مع الظروف التي تمر بها سورية، مع أنهم كانوا معرضين دائماً لخطر القذائف والإزعاجات من بعض المارة، لكن دخول الموسوعة العالمية شكّل حافزاً كبيراً دفعهم للاستمرارية فقدموا رسماً غرافيتي «أسود وأبيض» على جدران «طلعة الإسكان» في المزة أيضاً. إضافة إلى تشكيل معدني على جدران معهد الفنون التشكيلية، الذي تخرجوا منه سابقاً، وصنعوا مقاعد ليتمكن الزائرون والمتفرجون، ولا سيما الطلاب وذووهم، من الجلوس والتمعن بهدوء.

المحطة التالية كانت «ساحة شمدين» ومشروع عن الغذاء بين وزارتي التربية والصحة.

خلال 15 يوماً، كانت رسوماتهم حاضرة على جدران إحدى المدارس، بعد ذلك أخذت التجربة منحى مختلفاً مع نحت شجرتين ضخمتين يابستين عمرهما أكثر من مئة عام في «حديقة المنشية» قريباً من فندق الفورسيزنز، كانت الفكرة جديدة لناحية الخامة والكتلة.

لاحقاً قدم الفنانون جدارية «إسمنت ولون» في المتحف المدرسي للعلوم، عبر تجريد طيني ملون ، حتى إنهم وضعوا في مدخله تشكيلات لرؤوس حيوانات وبعض الحشرات خدمة لطبيعة المكان.

بموازاة ذلك، كان العمل جارياً في المكتبة التربوية الوطنية التابعة لوزارة التربية، قاموا بتنظيف القبو المهمل في المدرسة، وتلوين جدرانه وتهيئته ليصبح هيكلاً مناسباً لمكتبة.

وممن تبرعوا بمكتباتهم لها المخرج «علاء الدين كوكش»، وحسب ما صرح به للصحافة وقتها، فقد قدم عدداً من الكتب يصل إلى ثلاثين ألف كتاب تشمل كل أنواع الثقافات، لكنها لم تفتتح حتى اليوم.

يستخدم الفنانون مخلفات صلبة وأخرى يعاد تدويرها مثل «زجاج مكسور، علب معدنية فارغة، مجارير الصرف الصحي المكسورة، بقايا السيارات، عجلات دراجات، مخلفات المدافئ، مرايا، مفاتيح، أكسسوارات» وغيرها من المواد التي يأتي بها طلاب المدارس حباً بالمشاركة.

حتى إن بعض الجوار والمهتمين قدموا مقتنيات وأغراضا لها ذكريات عندهم، لتبقى حية على الجدارية. وأحياناً يلجؤون إلى بعض المكبات للاستفادة مما فيها، لكن الأمر ليس سهلاً أبداً، وما حققوه من مشروعات وإنجازات تتصف بالديمومة كان مكلفاً، فما يقومون به طوعي ومجاني، من دون مقابل يستحق الذكر، مع صعوبة تأمين الأدوات اللازمة منها مثلاً مولدة كهرباء.

تضيف لنا صفاء بأنها كانت تقف على ارتفاع 14 متراً، معتمدة على بضع أخشاب، وفي يدها صاروخ كهربائي أو منشار للنحت، تضطر أحياناً أن لا تربط نفسها بحبل لصعوبة الحركة.

ومما يغيب عن الناس والمعنيين أن الفنان «علي محمد سليمان» وقع أثناء تنفيذ جدارية «نهلة زيدان» وتعرض للأذى، ولم يجد من يسعفه أو يعوضه. حتى إن الفريق يعمل من دون مساعدة مستخدم أو عامل.

في معاني الجداريات، تقول الفنانة «رجاء وبي» :

رغم حجمها الكبير نسبياً إلّا أن لكل جزئية فيها غاية تخدم أفكاراً مباشرة وأخرى أكثر اتساعاً وشمولية أهمها إبعاد الأطفال عن العنف والدموية التي تحيط بهم، باتجاه الجمال والحوار مع «الإنسان، الموسيقا، الطبيعة» باللون والكلمة. ولأنهم يعملون قريباً من الناس فهم يستمعون لتعليقاتهم ويحاولون البناء عليها بشكل فعلي بعيداً عن حصص الرسم الروتينية، حيث يجلس المدرسون وراء طاولتهم، مستسلمين للفكرة الدارجة بأن حصة الرسم فراغ لا قيمة له.

وهو ما يذهب إليه «علي محمد سليمان» فالطلاب في مختلف المدارس كانوا يرددون العبارة نفسها «شكراً لكم مدرستنا صارت أحلى».

كذلك يعبر الأهل عن إعجابهم بالحدث أثناء اصطحابهم لأبنائهم، الذين يسألون ويشاركون من خلال إحضار بعض المواد أو محاولة إلصاقها حتى تكون لهم بصمة في العمل.

إذاً هناك حالة حوار فني، تتيح تطبيق فكرتي الجمال والتجميل في المنازل والحارات لكونها ليست محصورة بجدران المدارس أو فريق وزارة التربية.

حالياً انقسم الفريق إلى مجموعتين، إحداهما تعمل على جدران مدرسة «دار السلام»، والثانية في مدارس البرامكة. وفي ذهن من التقيناهم دخول المناطق المحررة، لتحويل بقايا الأبنية المهدمة فيها إلى منتجات فنية ولوحات مجسمة نحتية، على أمل أن يجد هذا المشروع من يتبناه.

” جريدة الأيام ”


مقالة ذات صلة :

اكتشاف موناليزا عارية لليوناردو دا فينشي

هل التأمين الصحي حبراً على ورق؟.. هذا ما حدث مع فنان تشكيلي معروف


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد