728 x 90

من الخـــوف إلى الأمــان والانتمـاء أطفــال الحــرب: SOS بيتنـا

من الخـــوف إلى الأمــان والانتمـاء أطفــال الحــرب: SOS بيتنـا

عند قدوم الطفل خالد 13 عاماً إلى مركز الرعاية المؤقتة التابع لقرى الأطفال SOS في بلدة الصبورة بريف دمشق منذ عامين، لم يكن قادراً سوى على رسم الموت والجثث بخطوط سوداء متوازية تعبّر عن القبور، فذاكرته المليئة بهذه الصور لم تترك له مجالاً سوى بتفريغها بهذا الشكل.

لكن، وبعد أشهر من متابعة الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين، بدأت تلك الخطوط السوداء بالتلوّن، وتحوّلت شواهد القبور والأجساد المستلقية على الأرض إلى مشاهد طبيعية تعكس الأمان والحب اللذين شعر خالد بنفسه محاطاً بهما وسط عائلته الجديدة في مركز الرعاية، والمشرفين على تعليمه والعناية به.

كان خالد صبياً ذا مزاج خاص، رغم طيبة قلبه، إلّا أنه سريع الاستفزاز ويمكن له أن يؤذي من حوله إن انزعج منهم، تقول آلاء العساف، وهي مديرة قسم الدعم النفسي في قرى الأطفال .

أعراض ناجمة عن صدمات متتالية تعرض لها خالد نتيجة وفاة والده وأفراد آخرين من عائلته أمام ناظريه، ومن ثم هربه من زوج والدته الذي كان يمارس عليه أنواعاً مختلفة من العنف في المنزل.

“عملنا على استغلال شغف خالد بالمهارات اليدوية وعلى رأسها الرسم والصلصال والفخار، قضى أياماً بكاملها وهو يرسم وساعده ذلك على تغيير الصور السلبية المحفورة في ذهنه عن الحياة المليئة بالقتل والدمار لأخرى أكثر إيجابية وأقرب للحياة الطبيعية”، تضيف العساف.

وبعد أكثر من عام، وعندما أصبحت حالة خالد النفسية مواتية، وبعد استقرار الحياة في منزله وانفصال الأم عن زوجها الثاني، تم لمّ شمل الطفل بعائلته من جديد، كجزء من سياسة المنظمة في إعادة أطفال الحرب لأسرهم عندما تسمح الظروف بذلك، ووفقاً لمصلحة الطفل الفضلى.

رعاية مؤقتة

افتتحت قرى الأطفال SOS والتي تعمل داخل سورية منذ العام 1975 في رعاية الأطفال اليتامى وفاقدي الرعاية الأسرية، ثلاثة مراكز رعاية مؤقتة خلال الأعوام الأربعة المنصرمة، وذلك بهدف حماية الأطفال المنفصلين عن أسرهم نتيجة ظروف الحرب التي تعيشها البلاد.

استقبل مركز الصبورة ما يقرب من 300 طفل على مدار الأعوام الفائتة، لايزال 100 منهم يعيشون فيه، في حين يعيش حوالي 50 طفلاً في مركز قرى الأسد و50 آخرين في مركز طرطوس، وتتراوح أعمارهم بين شهر وثمانية عشر عاماً.

تعتبر هذه المراكز، وفق حديث أمل حسن مديرة مركز الصبورة بمثابة حلول إسعافيه لإنقاذ الأطفال من براثن الحرب التي شردت الآلاف وأجبرتهم على الانفصال عن عائلاتهم لأسباب مختلفة، فمنهم من هرب من مناطق ساخنة، أو فقد التواصل مع أهله نتيجة النزوح أو الوفاة أو أي أسباب قاهرة أخرى.

ولدى عثور أي جهة على هؤلاء الأطفال سواء في الشوارع أو الحدائق، يتم تحويلهم إلى جمعيات مختلفة مثل الهلال الأحمر العربي السوري أو جمعية المبرّة أو غيرها، والتي بدورها تنقلهم لمراكز الرعاية المؤقتة التابعة لمنظمة SOS.

وتستهدف المراكز رعاية هؤلاء الأطفال بشكل مؤقت ريثما يتم جمعهم مع عائلاتهم من جديد، وتقدم لهم أثناء ذلك خدمات المسكن والتعليم والعناية الطبية والدعم النفسي والأنشطة.

“في الظروف المثالية نسعى لئلا تتجاوز فترة إقامة الأطفال عاماً قبل لم شملهم مع عائلاتهم، لكننا نضطر في بعض الحالات الاستثنائية لتجاوز هذه المدة، وعند استحالة العودة يُنقل الأطفال إلى القرى المخصصة لرعاية الأيتام في قدسيا أو الصبورة”، تنوّه حسن في حديثها.

ويتألف برنامج لم شمل الأطفال مع أسرهم من عدة أجزاء، ابتداء من العثور على العائلة وانتهاء بتمكينها كي تصبح قادرة على رعاية الأطفال من جديد، وذلك على صعد مختلفة، كمساعدتها في استئجار منزل لائق وتأمين مستلزمات التعليم وكافة جوانب الرعاية الضرورية من تدفئة وطعام ولباس.يضاف إلى ذلك الإشراف نفسياً واجتماعياً على عودة العلاقة بين الطفل وعائلته، ما يضمن تقبل الطرفين لبعضهما البعض من جديد بعد فترة الانفصال، وكذلك العمل على إعادة إدماج الطفل في المجتمع بعد الظروف القاسية التي اختبرها بعيداً عن عائلته.

صدمات واضطرابات

يعاني معظم الأطفال عند قدومهم لمراكز الرعاية المؤقتة من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة “PTSD”، وعلى الفور يقدم لهم دعم نفسي أولي لاحتواء الحالة بشكل آمن، ويتم تعريفهم بالمكان الذي سيعيشون فيه بهدف إعطائهم إحساساً بالأمان والحميمية، كما تقول العساف، التي تعمل منذ عشر سنوات في مجال العلاج النفسي وتبديل السلوك ومعالجة الصعوبات التعليمية.

تلي ذلك مرحلة مراقبة مكثفة تهدف لاستكشاف أي أعراض نفسية وسلوكية غير ظاهرة، وتساعد في تحديد نوع الخدمة النفسية الواجب تقديمها للطفل، والتي تتراوح بين أنشطة دعم نفسي أو اجتماعي، وبين علاج بإشراف طبيب نفسي متخصص.
ويشرف على كل تلك المراحل كادر مؤلف من عشرات المربين والمربيات والاختصاصيين النفسيين والإداريين، والذين يتابعون الأطفال جميعهم بشكل يومي، إلى جانب الرعاية الطبية التي يقدمها طبيب مختص يزور المراكز بشكل أسبوعي.

قصص نجاح

شهدت مراكز الرعاية المؤقتة عشرات حالات النجاح منذ بدء تقديم خدماتها، ولعل أهم إنجازاتها يتمثل في لم شمل ثلاثمئة طفل مع عائلاتهم الأصلية بالتعاون مع عدة سلطات محلية ومنظمات إنسانية، حيث تم العثور على أحد الوالدين أو أحد أفراد العائلة الممتدة للطفل وبالتالي عودته ليعيش معهم.

ومن حالات النجاح أيضاً تعليم الأطفال الأميين وبلوغهم مراحل متقدمة في المدارس، مثل آمنة 16 عاماً، التي وصلت إلى مركز الصبورة منذ ثلاث سنوات بحالة نفسية صعبة بعد وفاة والديها واضطرارها للسكن في أحد المعامل مع إخوتها.

آمنة، التي لم تكن تعرف القراءة والكتابة، أصبحت اليوم في الصف التاسع بعد اتباعها برنامجاً تعليمياً مكثفاً، كما حازت المركز الأول في عدة مسابقات للرسم شاركت فيها بعد تنمية موهبتها في هذا المجال.

كذلك كنان الذي قدم إلى مركز الصبورة منذ عامين باضطراب نفسي حاد كان يدفعه لرفع السكاكين على زملائه وعلى المشرفين، وهو اليوم بات يعرف القراءة والكتابة ويطمح لدخول الجامعة.

“لعل أهم إنجاز يمكننا الحديث عنه هو تحوّل هؤلاء الأطفال من أشخاص تعرضوا لتعنيف نفسي وجسدي إلى أطفال يملؤهم الطموح والأمل بغد أفضل، وهو ما نصل إليه بفضل مبادئنا الإنسانية التي تحكم عملنا بالدرجة الأولى”، وفق حديث العساف.

ولا يعني ذلك نجاحاً مطلقاً لمراكز منظمة SOS، فبعض الحالات المستعصية والحادة لاتصل نسبة التقدم في علاجها ورعايتها لأكثر من عشرة بالمئة.

كما أن ظروف الحرب تحتم العمل وفق مبدأ سد الثغرات النفسية، وهو ما يعتبر إنجازاً بحد ذاته نظراً لصعوبة الظروف التي مرَّ بها عشرات الأطفال، والتي تستلزم وقتاً طويلاً قبل إعادة بناء شخصياتهم وسلوكهم وأرواحهم.

أما مركز قرى الأسد للرعاية المؤقتة فيضم أيضاً عشرات الحالات الأكثر صعوبة نظراً لمعاناة معظمها من احتياجات جسدية ونفسية خاصة، حسب ما صرحت به السيدة جمانة عجلوني الاختصاصية النفسية في المركز لـ”الأيام”.

وبالطبع، يلقى هؤلاء الأطفال خدمات الرعاية ذاتها التي تقدم في مراكز SOS كافة، بهدف الوصول بهم إلى برِّ الأمان من جديد.
ففاطمة 14 عاماً، والتي فقدت أهلها في حلب ووصلت إلى دمشق بعد تعنيف جسدي ونفسي وجنسي كبير تعرضت له، استطاعت تعديل سلوكها المضطرب بشكل إيجابي بعد حوالي عام من إقامتها في المركز وذلك بمساعدة المربين والعاملين في قسم الدعم النفسي.

أما ديما، والتي تعرضت لتعذيب وإساءات جسدية متكررة في منزل زوجة والدها بعد وفاة والدتها، فقد تحولت من شخص فاقد الثقة بنفسه وغير قادر على التواصل الاجتماعي مع الآخرين إلى موظفة في إحدى روضات الأطفال وطالبة في الصف الثاني الثانوي، ما يدل على اندماجها الصحي والناجح بالمجتمع.

“عملنا متعب للغاية”، تقول عجلوني في حديثها وتضيف: “أحياناً نقف عاجزين عن تقديم يد العون للأطفال، فظروفهم وحالاتهم النفسية أقوى منا، ومع ذلك تدفعنا رغبتنا الإنسانية للصبر والاستمرار بالعمل، فلا ذنب لهؤلاء الأطفال في ما نعيشه اليوم من حروب ومآسٍ”.

 

“صحيفة الأيام”


مقالة ذات صلة :

أطباء: ضرب الأطفال يصيبهم باضطرابات نفسية مستقبلا

 


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام

اكتب تعليق

لا يتم نشر البريد الإلكتروني. جميع الحقول الموسومة بـ * مطلوبة

إلغاء الرد