هاشتاغ سوريا

كل ما يخص سوريا

’جودة التعليم‘ تنازع بين العام والخاص .. معلمون بإمكانيات متواضعة وطلاب يفقدون شغفهم للعلم!!

تتطاير صفحات الكتب المدرسية أمام أبواب المدارس مع انتهاء العام الدراسي.. في مشهد يحكي كمية الانتقام وعدم الرضا الذي يترجمه الطلاب بطريقتهم البسيطة هذه؟

فلماذا يمزق الطلاب كتبهم التي نهلوا من علمها طيلة عام؟ ومن المقصود من انتقامهم هذا؟

الدلالات واضحة، فالفجوة بين الطلاب ومدارسهم كبيرة، ومحبتهم لتلقي التعليم فيها تكاد تنعدم؟

أما الأسباب وراء ذلك فهي كثيرة، تبدأ من بناء مدرسي أشبه بالسجن، إلى طرائق تعليم منفصلة عن الواقع.. والنتيجة جيل من “البصيمة” يؤدون واجبهم في حفظ الدروس ونيل الشهادات، ليخرجوا من مدارسهم ومن ثم من جامعاتهم -العامة والخاصة- بمعلومات لا تؤهلهم للعمل، ولا ترفع من ثقافتهم بالمستوى المطلوب!

وتعلق الجهات المعنية كل هذه المشكلات على شماعة “الحرب” إلا أن الواقع يذكّر: قبل الحرب لم يكن الوضع أفضل بكثير!!

“جودة التعليم” اليوم تئن تحت واقع يكاد يقضي على نَفَسها الأخير، منتظرة حلولا جذرية قد تنقذ ما تبقى منها..

جيل من “البصيمة” حملة الشهادات العلمية.. وسوقٌ يفتقر لكفاءات عملية فاعلة

لا يخفى على أحد الفجوة الكبيرة بين الجامعات السورية وسوق العمل وبين مناهج المدارس والمعلومات المستفادة منها في الحياة اليومية للطالب، فمن منا خُرج من الصف التاسع واستفاد من نظرية “فيثاغورث” التي طلب منا حفظها عن ظهر قلب دون استيعاب أهميتها الفعلية، ومن منا استفاد من القصائد الشعرية والنثرية ومعلقات أدباء العصر الجاهلي؟؟ من منا خرج وهو قادرٌ على توظيف المعلومات الجغرافية التي تتناول صادرات وواردات جزر القمر أو الميزان التجاري للصومال أو أهم المواقع الزراعية في مصر؟

ذكر هذه الأمثلة لا يقلل من أهمية المعلومات الواردة في المناهج السورية لو تم إعطائها بطريق تفاعلية تمكن الطالب من ربطها بحياته اليومية وليس بالطرق “التلقينية البصمية” الذي تتبعها أغلب المؤسسات التعليمية، ورغم انعدام الطرق الصحيحة والسليمة التي توصل الأهمية الفعلية للمعلومة، يبقى الطالب في نهاية المطاف مضطراً لحفظ هذه المعلومات بغية الحصول على علامات عالية تمكنه من الدخول إلى الجامعة التي بدورها تكسبه معلومات نظرية بحتة بعيدة كل البعد عن سوق العمل.

فيخرج العديد من طلاب كلية الإعلام، على سبيل المثال، دون أن يعرفوا الفرق بين الخبر والتقرير والتحقيق، ودون إتقان أساليب الإلقاء والنطق السليم للأحرف، كما يخرج أغلب طلاب الحقوق دون إلمام بأصول المحاكمات وسير العمل، ويضطر أغلب طلاب الهندسات لخوض 3 سنوات تدريبية بعد الـ5 سنوات جامعة، لمعرفة أسس العمل الصحيح وفهم معاني المصطلحات الهندسية.

  • إعادة تأهيل

في السياق يؤكد الأستاذ في كلية التربية طاهر سلوم، أن مدارسنا اليوم بحاجة إلى إعادة تأهيل وأسلوب جديد، سواءً من حيث بنيتها وتجهيزها بالمخابر والوسائل التعليمة التفاعلية، إضافة إلى تطوير مناهجها لتواكب التطورات اليومية، وتأهيل كوادر قادرة على اتباع أساليب التعليم الحديثة، انتهاءً بربط التعليم بسوق العمل والحياة اليومية للطالب.

وأضاف سلوم أنه من مهمة معدي المناهج الابتعاد عن النظريات والعموميات التي تعطى بشكل تلقيني، والاهتمام بإغناء المناهج بمعلومات تثقيفية ومهارات تعليمية يستخدمها الطالب في حياته اليومية وتمهد له الطريق إلى المستقبل، كما يفترض على المؤسسات دعم الطلاب من خلال التدريب العملي، ومنح التدريب الداخلي، والتوجيه المهني أهمية كبيرة ، إلى جانب تزويدهم بالمعلومات جيدة عن سوق العمل.

  • تدني الإنفاق

وبدوره أكد الدكتور في المعهد العالي للدراسات والبحوث الزلزالية أمجد حلوني أن سبب الفجوة بين الجامعات وسوق العمل تعزى إلى عدد من العوامل، من أبرزها عدم مواكبة التعليم للتطورات العلمية والفنية والتكنولوجية المتسارعة، وتدني الإنفاق على التعليم بصورة تؤثر على كفاءة مخرجاته، حيث من المعروف أن زيادة الإنفاق على التعليم كمتغير استثماري تساهم على المدى الطويل في رفع معدلات النمو الاقتصادي من ناحية وتزيد من معدلات استيعاب الأيدي العاملة لمخرجات النظام التعليمي وتخفض البطالة من ناحية أخرى.

  • التربية تتغنى بما تسعى إليه!!

من جانب آخر نفت معاون مدير التربية للتعليم المهني والتقني ذكاء غندوق وجود فجوة بين المناهج التعليمية والحياة اليومية للطالب، مؤكدةً أن المناهج التعليمية خاصة المهنية تركز على الاهتمام بمهارات المتعلمين وإظهار ميولهم ورغباتهم وبالأخص المهارات الحياتية التي تعد أساساً في تكوين شخصية المتعلم وقدرته على الإدراك وامتلاك التفكير النقدي والإبداعي الذي ينعكس على حياته وسلوكه.

وأضافت غندوق أن وزارة التربية تسعى بشكل مستمر إلى مواكبة التطور في العملية التعليمية وتحسين كفاءة الخريجين من خلال دراسة متطلبات سوق العمل وتطوير المناهج التعليمية خاصة المهنية والتقنية، لما لها من نتائج فعالة في رفع مستوى مخرجات التعليم ليصبح ذا نوعية عالية ويحقق التوافق مع احتياجات سوق العمل.

وأوضحت غندوق أن الوزارة تسعى لتوفير أحدث المخابر والتجهيزات والوسائل، وتحويل المنشآت التعليمية إلى منشآت إنتاجية وتعليمية مرتبطة بسوق العمل وإتاحة الفرصة لطلاب التعليم المزدوج للحصول على مهارات علمية من خلال التدريب في المنشآت الاقتصادية، خاتمةً أن التربية تسعى لتأهيل وتدريب الكوادر من المعلمين وتشجيعهم على استخدام التقنيات الحديثة.

  • في مرحلة إعادة الإعمار..

وبالنهاية، فإن جل ما تتطلبه بلادنا اليوم بعد الأزمة الطاحنة التي مرت فيها، هو جيل مثقف علمياً قادر على إعادة بنائها وإحيائها بمفاهيمه الجديدة ومواكبته لتطورات العالم الحديث، وليس جيل قادر على إنهاء حفظ عدد من الصفحات لحمل شهادة جامعية تؤمن له مكانة مجتمعية مرموقة!!

تقويم الحالة النفسية والتربوية للطلاب.. بأهمية ترميم حجارة مدارسهم 

يرتبط التعليم السليم ارتباطاً وثيقاً بتوفر البيئة النفسية السليمة للطالب والمدرّس معاً، ذلك بوجود مختصين مشرفين على سلامة نفسية الطلاب وتربيتهم تربية صحيحة، إضافة إلى تأهيل الكوادر المشرفة على ذلك، والأبنية التي يقضي فيها الطالب وقتاً طويلاً..

  • مهمة شاقة

يحتاج الأطفال إلى تقويم السلوك السلبي من جهة ، وتعزيز السلوك الإيجابي من جهة أخرى من خلال تواجد أخصائي نفسي في الصفوف المدرسية ، ولا يتعلق الأمر بحضور الأخصائي النفسي كمعالج في المدارس، تتحول إليه الحالات الشاذة أو تلك التي تعاني من انحراف سلوكي، وإنما كوقاية بحيث يلاحظ ويراقب سلوكيات الأطفال البسيطة والأخطاء في التربية التي يرتكبها الأهل، وتشتد هذه الحاجة في المدارس التي عاش طلابها الحرب، وتعرضوا للكثير من الأذى النفسي، الذي سيؤثر دون أدنى شك على قدرتهم على التعلم، في هذا السياق تقول المرشدة النفسية في أحد مدارس دمشق “عفاف الهامس” لـ “هاشتاغ سوريا”: للمرشد دور رئيسي بعد المدير ومعاونه، ويستطيع العديد من المرشدين ممارسة دورهم بنجاح رغم كل الصعوبات التي تواجههم كمحاولة بعض الإداريين التعتيم على عملهم أو الضغوطات الخارجية المختلفة، و يكون دوره هنا بإثبات وجوده بكل ثقة، من خلال درايته التامة بواجباته ومهامه، وتضيف الهامس”عدد المرشدين بالمدرسة قليل وغير كاف فلكل ٢٠٠ طالب مرشد واحد فقط”.

من جهة أخرى، يشدد الاخصائي الاجتماعي “يحيى خضور” على أهمية  دور المرشد النفسي خاصة بعد الأوضاع التي تعيشها في البلاد و الظروف التي مر بها الطلاب من ضغوطات و صدمات. ويدعو خضور إلى إصدار قرارات لحماية المرشدين الاجتماعيين و النفسيين وخصوصيتهم التي تمنع تدخلات الإدارة و المدرسين، كما يجب أن يكون هناك سرية تامة بين المرشد و الطلاب وحل المشكلة دون اللجوء إلى طرف ثالث إلا في حالات صعبة مثل : الاغتصاب و العنف و التحرش حتى لا ينكسر حاجز الثقة، لافتاً إلى أن الصحة النفسية للطالب أمر مهم جداً في التعلم السليم.

من جهته يؤكد مدير تربية دمشق “غسان اللحام” لـ”هاشتاغ سوريا” وجود برامج جديدة تطبق في مديرية التربية وبالأخص تأهيل وتطوير عمل المرشدين النفسيين و الاجتماعيين، بالإضافة إلى دورات دائمة و متابعة لبرامج اليونسيف ذات الصلة.

ويضف “اللحام”: إن الشكاوى تصل إلى مديرية التربية ثم تحول إلى المرشدين المختصين ليتم التعامل معها.

  • للمعلم الدور المحوري

يُعتبَر المعلم محور العملية التعليمية، وأهمَّ شخصية في حياة التلميذ بعد والدَيه، فهو حجر الزاوية في العملية التعليمية كلها، وعليه يقع العبْء الأكبر في تحقيق الصحة النفسية لطلابه، وتعتمد نفسية الطلاب السليمة إلى حدٍّ كبير، على مدى تمتُّع مُعلميهم بالصحة النفسية، وعلى ذلك فإنه يجب مُراعاة بعض الأمور التي يجب توافُرها في المُعلِّم، أو تحقيقها له، حتى يُمكنه القيام بدوره على أكمل وجه، وهنا ترى “عفاف الهامس” أن الضغوطات بكاملها تقع على عاتق المعلم في المرحلة الابتدائية، خصوصاً بعد إلغاء وظيفة الموجه فيها.

وتنوه الهامس إلى أن المعلم وحده لا يستطيع أن يربي، فالعملية التربوية كلّ متكامل، وعلى الجميع أن يكون يداً واحدة وقلباً واحداً لتحقيق الهدف والغاية المنشودة، وهي بناء الطفل ثم المراهق فالراشد وصولاً إلى بناء جيل كامل. 

من جانب آخر يوضح “يحيى الخضر” أهمية الجانب النفسي في العملية التعليمية فيقول: يؤثر الوضع النفسي في المدارس بشكل كبير على الطلاب و بالأخص الأطفال، ونلاحظ ذلك من خلال مشكلة التسرب من المدرسة، والتي تعود إلى عدة أسباب، منها نفور الطلاب من المدارس، وتغيير المناهج المستمر والذي يجعل الطلاب غير قادرين على الاستيعاب، خاصة مع قلة الوسائل المساعدة لتدريس هذه المناهج وضعف التدريب الذي يخضع له المدرسين للتعامل معها، ما يجعل تغيير المناهج الإيجابي نظرياً، عبء ضاغط على المدرس والطالب في آن معاً.

  • تجميل البيئة المدرسة

تجميل المدارس وتزيينها بالألوان والنباتات الخضراء أمر في غاية الأهمية، حتى لا يشعر الطالب مع الألوان الباهتة والأسوار العالية للمدارس، كما لو أنه في سجن، وكانت وزارة التربية قبل الحرب قد بدأت بعدة مشاريع على نطاق ضيق لتجميل المدارس، لكن هذه المشاريع توقفت مع بداية الأزمة وبهذا الخصوص يقول “اللحام” : كان هناك مشاريع تحضر قبل الأزمة لجعل البيئة المدرسية أكثر جمالاً بحضور كوادر اليونسيف والأمم المتحدة و أكثر من جهة مهتمة بالطفولة.

مضيفاً، أن التربية مؤخراً لونت جدران المدارس في المناطق المحررة بألوان السماوي والأبيض والزهر، ما أعطى الطلاب انطباعاً مريحاً، إضافة إلى الاعتناء بالأشكال الهندسية والجمالية لمرفقات المدرسة مثل صنابير المياه. ولا يخفي “اللحام” وجود أفكار كثيرة تتم دراستها من أجل البناء المدرسي،  لكن الأولويات حالياً تتجه نحو بناء و ترميم المدارس التي تعرضت للدمار.

  • ندب الحرب ..

تتركُ الحروب آثارًا عديدة أكثر عمقاً من كونها آثاراً جسدية أو عضوية وتمتد إلى الآثار النفسية والعقلية التي قد تبقى وتمتد سنين طويلة ومن أكثر المهددين بالتأثير النفسي جراء الحروب هم الأطفال في المدارس، وهو ما يشير إليه مدير التربية بقوله: القذائف و أصوات المعارك كانت تؤثر على نفسية الطلاب، وتمكنا من تجاوزها من خلال متابعة المرشدين النفسيين للطلاب الوافدين من مناطق تعرضت للدمار، أكثر من توجههم لطلاب مدينة دمشق، وهذا العمل تأطر من خلال مشروع (بكرا إلنا) الذي ساهم في إخراج الأطفال من ويلات الحرب بشكل أو بآخر.

  • إعادة إعمار ..

الأنظار تتجه دائماً نحو بناء المدارس المدمرة وترميمها وهو أمر بديهي وتوجه ملح لكل شعب خرج من حرب طويلة، لكن تأهيل الجانب النفسي والاجتماعي للطلاب في المدارس أمرا هام أيضا، ويجب العمل عليه بالتوازي مع ترميم المدارس، فترميم صحة الطلاب المتدهورة ستهم في تأهيل جيد قادر على إعادة إعمار سليمة.

التعليم العام يئن تراجعاً.. أما الخاص فيصرخ ضعفاً!

بعد حدوث سلسلة من الفيضانات في مدينة “نيو أورلينز” الأمريكية، دُمرت معظم المدارس الحكومية يومها، وبدلا من الإنفاق الحكومي على ترميم المدارس، لاستمرار العملية التعليمية فيها، اقترح أحد الاقتصاديين اليمينيين آنذاك، تقديم قسائم نقدية للمواطنين كافة، كي ينفقوها في مدارس خاصة، تمولها الدولة وتربح فيها، فتحولت الإدارات في تلك المدارس، إلى هيئات خاصة يمولها عامة الشعب.

بعيدا عن “نيو أورلينز” الأمريكية، وبمعاينة واقع دولة نامية، كسوريا، نجد أن أهداف القطاع الخاص التعليمي لا تبتعد كثيرا عن المبادئ الاستثمارية، وهنا يبزر تساؤل، ماذا أضاف القطاع التعليمي الخاص، التربوي والجامعي، إلى جودة التعليم؟

وعلى الرغم من أن الجامعات الحكومية اليوم تستغيث، من تدني واقعها العلمي والبحثي، إلا أن القطاع الخاص المليء مالياً، يصرخ بصوت أعلى.

  • ماذا عن الجودة؟

أجمع باحثون على أن القطاع التعليمي الخاص، لم يتمكن من تقديم إضافة تذكر، إلى جودة التعليم، وقد قدّم أكثر الباحثين دبلوماسية، أجوبة مفادها أن الإضافة جاءت بتوسيع القدرة على “الاستيعاب” وهو ما يعني أنها إضافة بالكم وليس بالنوع.

رأى عبد الله الكفري عميد كلية الاقتصاد في جامعة قاسيون أن “وجود المدارس الخاصة، أضفى نوعا من الإضافة، على جودة التعليم، خاصة وأن عدد الطلاب غالبا ما يكون أقل”

وأضاف: “في المدارس الحكومية، يكون عدد الطلاب كبير جدا، وهذا الأمر ينطبق على الجامعات، فالفائدة الأساسية التي تم جنيها هو منح الطلاب فرصة الدراسة بالداخل، كي لا يجبروا على السفر والدراسة في الخارج، وهو ما أدى إلى كسب مزيد من القطع الأجنبي”

وعلى مبدأ إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع يقول الدكتور الكفري إن “عمر الجامعات الخاصة، وحداثة عهدها، لم يسمح لها أن تكون على مستوى الطموح بإضافة الجودة إلى التعليم بشكل عام، فمنها ما عمره 5 سنوات، ومنها 10 سنوات، في الوقت الذي يصل عمر جامعة دمشق إلى 100 عام مثلا”

وأكد أن “جودة أي جامعة ترتبط بعراقتها وعمرها”

وتعليقا على أن الجامعات الخاصة تأخذ الطلاب غير الكفؤين رأى الكفري أن هذا غير دقيق ففي بعض الأحيان يكون طلاب الجامعات الخاصة أكثر تميزاً من الطلاب بجامعة دمشق.

أما أستاذ الاقتصاد عبد الناصر زاهر أكد أن “القطاع الخاص لم يتمكن من تقديم أي إضافة إلى جودة التعليم” أما من حيث الكم فقد لفت زاهر “الإضافة الوحيدة هي بالاستيعاب أي زيادة بالكم”

وحول انعدام الجودة أوضحت الباحثة الاقتصادية رشا سيروب أنه “يجب ألا يوضع اللوم بشكل كامل على الجامعات الخاصة، خاصة في ظل وجود تدخل مباشر، تحت ما يسمى “إشراف” من قبل وزارة التعليم العالي، في اعتماد الخطط الدراسية (والتي عادة يتم التدخل في كثير من تفاصيلها إذا كانت خارج سياق المألوف والمعتاد لديهم)، بالإضافة إلى التدخل بالأساتذة والمقررات المسموح بتدريسها والكثير من تفاصيلها التي لا تندرج تحت مسمّى الإشراف”.

وأضافت “بالتالي فإن التدخل بهذا الشكل يعيق خلق تنافسية بين الجامعات، ويخضعها لمعاملة واحدة، ويحد من إمكانية وجود جامعات نخبوية متفرّدة عن غيرها”.

  • الاستثمار بالتعليم

تساءل أكاديميون عن سبب توقف الاستثمارات في ظل الحروب، في الوقت الذي لم تتباطأ فيه عملية إحداث جامعات خاصة، على الرغم من أنها تحتاج إلى رؤوس أموال مرتفعة جدا، بالمقارنة مع غيرها من المشروعات الاستثمارية.

سيروب رأت أن السبب الرئيسي في ذلك هو “معدل الربحية المرتفع، والذي أدى إلى تحول التعليم إلى استثمار، بصرف النظر عن جودته ومستواه”

  • كلاهما تراجع

لفتت  سيروب إلى أن “التعليم عموما يعاني من التدهور والتراجع، وبالتالي فإن قطاعيّ التعليم العام والخاص قد تراجعا، إلا أن هذا التأخر يظهر في الجامعات الخاصة بشكل أكبر، ويعود ذلك إلى تدني معدلات القبول التي لا تتناسب مع متطلبات وحجم الدراسة في الاختصاص”

في المقابل يرى عميد كلية الاقتصاد في جامعة قاسيون الخاصة، أن التعليم الحكومي “لم يزل يحافظ على جودته نوعا ما، لا سيما من خلال قدرته على الاستمرار في العملية التدريسية في ظل الحرب”.

  • الخاص “للبرستيج”!

إن كانت الحاجة إلى الشهادة هي السبب الرئيسي الذي يدعو إلى التسجيل في الجامعات الخاصة، فإن الحاجة إلى “البريستيج” سبب أساسي في التوجه نحو المدارس الخاصة.

وقد رأت الدكتورة سيروب أن “البريستيج” هو الدافع الأكبر لهذا الأمر.

من جانب آخر، رأى الكفري أنه “لكل مدرسة خصوصيتها”، مقدما المدرسة الباكستانية كمثال عملي، خاصة وأنه لها ارتباطات مع جامعة هارفارد، وبإمكان أي طالب ينتهي من الدراسة فيها، أن يكمل دراسته في هارفارد.

وأما عن المدارس التي لم توقع مذكرات تفاهم مع الدول الأخرى، تبقى إجابته برسم المعنيين حسب الكفري.

  • تقييم..

وحول أهمية أن يعيد القطاع الخاص تقييم نفسه أكدّ الكفري أنه يجب عليه أن “يعرف أين بدأ وأين سينتهي”

واقترحت الدكتورة سيروب أن “يقوم مركز القياس والتقويم بالقيام ببعض الاختبارات والدراسات، التي تبين العلاقة بين معدلات الدخول إلى الجامعة ومعدل التخرج للطالب، وغالبا سيظهر وجود علاقة طردية، أي أن معدلات التخرج الأعلى تعود للطلاب ذوي ومعدلات القبول الجامعي الأعلى”

بينما رأى الأستاذ في كلية الاقتصاد عبد الناصر زاهر أنه يجب العمل على تخصيص كادر تدريسي مستقل، للجامعات الخاصة، ولذلك من المفترض أن تكون قادرة على إيفاد طلابها إلى الخارج لتعليمهم، وعلى نفقتها الخاصة.

  • الربح السريع!!

على ما يبدو فإن القطاع الخاص، اعتاد على الربح الآني والسريع، الأمر الذي يبعده عن التنمويّة المرجوّة من عمله، فلا يختلف التعليم الخاص في سوريا عن العام، إلا في صورته الخارجية الزاهية!!

مع غياب دورها الرقابي.. النقابات والمنظمات تتغزل بأنشطة لم تستطع إنقاذ التعليم المتعب!

للنقابات والمنظمات دور مهم كان من المفترض أن تقوم به لتوجيه بوصلة التعليم نحو نوعية وبيئة أفضل، وعلى الرغم من وجود بعض النشاطات التي تقوم بها تلك المنظمات في هذا السياق، إلا أنها لم تستطع حتى الآن أن تحقق الغاية المرجوة من وجودها، لاسيما وأن دورها محدود مقارنة بالوزارات المعنية، إضافة إلى تحول مهمتها من الرقابة على عمل المؤسسات العامة المعنية، إلى المشاركة في بعض النشاطات ..

  • المنهاج يتطور فقط!

يقول عضو المكتب التنفيذي لنقابة المعلمين رئيس مكتب التربية ” كمال الأحمد” لـ “هاشتاغ سورية”، هناك تعاون دائم بين نقابة المعلمين ووزارة التربية، على سبيل المثال في عملية تطوير المناهج التعليمية التي تمت مؤخراً، حيث كان لنقابة المعلمين عضوية وتمثيل فيه ، خاصة وأن تطوير المناهج يعتبر حالة حضارية وايجابية .

في المقابل يؤكد أنه كان من المفترض أن يرافق تطوير المناهج، تطوير وتأهيل وتدريب المعلمين ليكونوا قادرين على تدريس تلك المناهج، فالمنهاج تطور، لكن المعلم لم يتم تأهيله لمواكبة هذا التطور.

مضيفاً، من الضروري أن تترافق عملية التواجد النقابي مع أي مسألة تربوية على صعيد عملية التأهيل للمعلم، فنقابة المعلمين تعمل على إعداد المدرسين إعداداً نقابيا حيث تعده فكريا وثقافيا , وتعمل على رفع مستواه الفكري والثقافي والمعيشي، ليكون قادرا على التأثير الإيجابي بالطالب وليتمكن من بناء جيل سليم.

ويوضح عضو المكتب التنفيذي أن تأهيل وتطوير المعلم يقع على عاتق وزارة التربية و ليس حتى بإشراف نقابة المعلمين، وإنما بعلمها، علماً أنه لابد من أن تكون النقابة على دراية بكل الدورات التي تتيحها الوزارة لأن القانون أعطاها الحق بذلك.

مؤكداً أن النقابة سابقاً كانت تتمتع بصفة رقابية على التعليم، أما الآن فصيغة العلاقة بين النقابة والوزارة تشاركية فقط.

وبخصوص دورات التدريب التي تتبعها وزارة التربية لتأهيل المعلم والتي لا تتجاوز مدتها أسبوع أو عشرة أيام، أكد عضو المجلس التنفيذي أنها غير كافيه على الإطلاق متسائلاً: هل من الممكن أن يستغرق تأهيل معلم لتدريس كتاب أخذ من الوقت سنوات لانجازه، أسبوع فقط؟.

ويقترح رئيس مكتب التربية في النقابة على وزارة التربية، البدء بمسابقات للمدرسين النفسيين وتغطية حاجة المدارس من المرشدين، لافتاً إلى أنه وفي حال عدم وجود المرشد النفسي يجب أن يكون المعلم مؤهلا للقيام بهذه المهمة .

  • سلبيات أخرى

وأشار الأحمد إلى وجود سلبيات أخرى في التعليم ، مثل الدوام النصفي والذي يعتبره سبب قاتل فرضته الحرب، إضافة إلى الأعداد الهائلة للطلاب داخل الصفوف والتي تصل إلى 70 أو 80 طالبا، خاصة بعد توافد الطلاب من المناطق الساخنة، والذين يحتاجون إلى بيئة تعليمة مناسبة لاسيما مع صعوبة تأقلمهم مع واقع المنطقة التي وصلوا إليها بشكل سريع.

وكشف أن الفترة القادمة ستشهد عقد مؤتمر خاص بتطوير التعليم وسيكون للنقابة دور فعال خلاله.

وختم الأحمد كلامه بالقول: لابد من الوقوف إلى جانب المعلم، والعمل على تطويره للحصول على جيل واعي ومثقف، فنحن بحاجة لبناء فكر أكثر من حاجتنا لناطحات السحاب.

  • أنشطة ولكن؟!

اتحاد شبيبة الثورة، منظمة أخرى من شأنها رعاية الشباب والعمل على تنمية مواهبهم وتطوير قدرتهم على التعلم والإبداع، لكنها هي الأخرى رغم أنشطتها المتنوعة لديها مشكلة في عدم متابعة المشاركين في هذه الأنشطة، لتطوير مواهبهم مستقبلا، وتوظيفها بالشكل الصحيح..

يقول مصدر من اتحاد شبيبة الثورة، إن دور المنظمة يصب في تحسين جودة التعليم بتنفيذ أنشطة علمية وثقافية وتدريبية بالتنسيق مع العديد من الوزارات والمؤسسات العلمية ، منها على سبيل المثال الأولمبياد العلمي السوري والذي حقق أكثر من هدف وفي مقدمتها تحسين جودة التعليم في مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الأحياء والمعلومات غبر رفع مستوى الطلاب والمدرسين على حد السواء.

كما تنفذ المنظمة أنشطة ومسابقات ذات طابع تعليمي بالتعاون مع وزارة التربية ووزارة الثقافة منها ” مارثون القراءة ” الذي يشجع الشباب على مطالعة كتب منوعة والإجابة على أسئلة لجان التحكيم حول مضامين هذه الكتب، وهناك من الطلاب من قرأ أكثر /200 /كتاب وأعد الملخصات لها للمشاركة في المسابقة ، كذلك هناك مسابقة ” اعرف وطنك” ومسابقة “لسان الضاد” التي تركز على اللغة العربية، والمسابقة المركزية للفنون التشكيلية ” قوس قزح” ، وجميع هذه المسابقات تنفذ على عدة مراحل ويشارك فيها الآلاف من الطلاب والطالبات من مختلف المحافظات، ومما لا شك فيه أن مجموع هذه الأنشطة وبأسلوب تراكمي تساهم بشكل أو بأخر في تحسين جودة التعليم وطريقة تعاطي وتفاعل الطلاب المشاركين وأقرانهم مع المواد الدراسية ذات الصلة بهذه الأنشطة.

وتقيم منظمة اتحاد شبيبة الثورة سنويا المسابقة الوطنية العلمية للمبدعين الشباب فضلا عن المشاركة في معرض الباسل للإبداع والاختراع بالتعاون مع وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك وذلك لتنمية الحس الإبداعي العلمي عند الطلاب وتقديم الدعم اللازم لتنفيذ ابتكاراتهم ومشاريعهم العلمية، بالشكل الذي يطور مستوى التعليم ويزيد من قدرات الطلاب لاستيعاب المناهج العلمية الحديثة ويؤهلهم لمراحل ومنافسات متقدمة في هذا الجانب داخل القطر وخارجه.

وتَعتبر المنظمة ، حسب المصدر، أن هذه الأنشطة من شأنها  تقريب الطلاب من موادهم التعليمة من خلال الربط بين المجرد والمحسوس حيث تصب في مجملها في بوتقة تطوير قدرات وطاقات الطلاب وتطوير وإغناء العملية التعليمية.

  • من غير بصمة

من حيث النتيجة لم تترك الأنشطة المذكورة سابقا، بصمة واضحة في مجال تحسين جودة التعليم فكانت عبارة عن أنشطة رديفة تستقطب أعداد قليلة من الطلاب بالمقارنة مع من لا تصلهم تلك النشاطات، فالفجوة بين التعليم المجرد والمحسوس لاتزال موجودة وتحتاج إلى جهود مضاعفة من كافة الأطراف حتى تردم.

حلول ومقترحات

مجموعة من المقترحات والحلول قدمها المختصون والمعنيون في سياق “الملف” تصب جميعها في مصلحة “جودة التعليم في سوريا” وإمكانية النهوض بها.

تمحورت حول إعادة تأهيل المدراس من حيث شكل البناء وتجهيزه بالمخابر والوسائل التعليمية التفاعلية، حسب ما أوضح الأستاذ في كلية التربية طاهر سلوم، إضافة إلى تطوير المناهج لتواكب التطورات اليومية، وتأهيل كوادر قادرة على اتباع أساليب التعليم الحديثة، انتهاءً بربط التعليم بسوق العمل والحياة اليومية للطالب.

وركزت الاقتراحات على تطوير وتأهيل المعلم ليكون قادرا على التربية والتعليم ومواكبة تطور المناهج، عبر دورات اخصائية بمدة زمنية كافيه تستطيع فعلا رفع كفاءته وقدرته على التعامل مع الطالب وإيصال المعلومة بالشكل المناسب، إلى جانب تأهيل المرشدين النفسيين وزيادة أعدادهم ليكونوا قادرين على دعم صحة الطالب النفسية، ما يحسن قدرته على التعلم.

واقترحت نقابة المعلمين أن يكون دور النقابات والمنظمات، دورا رقابيا على عمل الجهات العامة التعليمية، لتصويب عملها ومراقبته، بدلا من المشاركة المحدودة في النشاطات.

واقترحت الباحثة الاقتصادية رشا سيروب، التخفيف من تدخل وزارة التربية والتعليم العالي بعمل المدارس والجامعات الخاصة، لخلق تنافسية بين الجامعات، فالوزرات من المفترض أن تكون للإشراف فقط وليس لتحديد سير العمل.

في الوقت نفسه دعا عبد الله الكفري عميد كلية الاقتصاد في جامعة قاسيون القطاع الخاص إلى تقييم نفسه ليعرف أين بدأ وأين سينتهي.

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.